يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


على عادة الطغاة، يحيط الرئيس التركي نفسه بزمرة من الرجال الغامضين، تكون مهمتهم الأولى تنفيذ المهام القذرة، وإتمام الصفقات المشبوهة التي لا يريد الحاكم أن يتورط فيها، أدهم سنجاق أحد هؤلاء، لمع نجمه في عهد رجب إردوغان، وأصبح مالكًا لواحدة من أكبر المجموعات الإعلامية في تركيا، وهي "إس ميديا جروب"، ثم عضوا في أهم جهاز لصنع القرار داخل حزب العدالة والتنمية.

لم يكتف المليونير المقرب من الرئيس، والرجل المهم في الحزب الحاكم بذلك، وقرر دخول مجال الصناعات العسكرية، حيث منحه إردوغان صفقة للاستحواذ على مصنع "بي إم سي" للمدرعات، واستحوذ على مساحات شاسعة من الأراضي لإقامة مشروعات سياحية، دون مقابل، مستغلا حمايته من قبل النظام الحاكم.

صحيفة إفرنسيل نقلت عن الرجل الغامض عام 2018 إعلانه ذات مرة عشقه لإردوغان بعد وصلة غزل قائلاً :"وقعت في حبه عندما نظرت إلى صدقه وشهامته، بعدما عرفته ونظرت إليه، أجل يمكن أن يكون هناك حب إلهي بين رجلين"، ثم أكمل: "أفديه بنفسي وأبي وأمي وزوجتي وأولادي".

مصنع "بي إم سي" الحربي، كان ستارًا لجيش موازٍ يقوده سنجاق لسحق معارضي الرئيس في الداخل، فضلا عن إرسال عناصره للقتال إلى جانب الجماعات الإرهابية، في العراق وسورية.

لم يختلف دور سنجاق في خدمة إردوغان، عن دور باول يوزف غوبلز‏ وزير الدعاية السياسية في عهد أدولف هتلر أثناء حكم النازية لألمانيا، وسخر مؤسسته الإعلامية لبث الدعاية الكاذبة عن إنجازات الرئيس، إلى جانب شيطنة وتشويه المعارضين خصومه السياسيين.

صعود أدهم سنجاق 
صحيفة جمهورييت ذكرت في تقرير لها عام 2015، أن اسم سنجاق بدأ يبرز في تسعينيات القرن الماضي، داخل حزب العدالة والتنمية، حيث كان يعمل موزعا للأدوية في البداية، وأصبح أحد أثرياء تركيا في فترة وجيزة بفضل صفقات حكومية مشبوهة، قدرت بمليارات الدولارات، كانت لصالح رجب إردوغان وعائلته.

لمع اسمه عبر الدخول في مجال صناعة الإعلام، وتذكر صحيفة يني تشاغ أن سنجاق اشترى صحيفة ستار وتلفزيون 24، قبل أن يستحوذ على حصص مجموعة إس ميديا جروب، التي تضم صحف جونيش، وأكشام، وتلفزيون سكاي 360، بمساعدة صندوق الادخار والضمان الحكومي TMSF، الذي كان استحوذ على إدارتهم من قبل، ليصبح لسان إردوغان الإعلامي كما تصفه جمهورييت، لكنه انسحب من المجال الإعلامي وتنازل عن المجموعة لصالح حسن يشيلداغ المقرب من إردوغان أيضا، في صفقة وصفت بأنها "تبادل الأدوار بين رجال الرئيس".

كان ذلك مقدمة لدخول سنجاق في عام 2014 في صفقة المليار ليرة، الخاصة بمصنع "بي إم سي"، لكنه استطاع الاستحواذ على المصنع بــ751 مليون ليرة فقط، كما تذكر وكالة سمانيلو، مكافأة له من إردوغان.

يساري قديم إسلامي جديد
اعترف سنجاق في إحدى وصلات مدحه لإردوغان بأنه كان يساريا، لكن يبدو أنه ركب الموجة الإسلاموية، التي تجتاح تركيا، لتحقيق مصالحه وترتب صفقات الرئيس غير القانونية، حيث أوردت وكالة "أودا تي في" قوله: "كنت يساريا فيما مضى، لكن كوني مسلما الآن، سأقوم بتقسيم ثروتي بين أخوتي إلى 16 جزءا".

ثروة سنجاق وعائلته تكون من صفقات غير قانونية كانت تمنحها له حكومة العدالة والتنمية، في مجال استيراد اللحوم.

وكالة سمانيولو، ذكرت في تقرير مطول بشأن ثروته، نشر عام 2016، أنه في أبريل عام 2010 أرادت حكومة العدالة والتنمية تخفيض أسعار اللحوم، وأنها فتحت المجال للاستيراد، وهو ماكان يسعى إليه سنجاق، الذي كافح من أجل استمرار الاستيراد، رغم تضرر المزارعين الأتراك، وتحولت تركيا من أجل سنجاق دولة مستوردة للبروتين الحيواني، في عهد العدالة والتنمية، بعدما كانت ضمن الدول الخمس الأولى عالميا، في الاكتفاء الذاتي زراعيا،  والإنتاج الحيواني، لكنها تراجعت فقط من أجل سنجاق، كما أكدت الوكالة.

سمانيولو نقلت عن سنجاق قوله حينها :"المجال الزراعي مربح جدا، لو لم يكن مربحا لما دخلته."، واستحوذت عائلته على أراضي إزمير، وذكر التقرير أن فساد رجل إردوغان وصل إلى حد ما سمته باحتلال المدينة

حكومة العدالة والتنمية - بحسب التقرير- خصصت مجموعة من الأراضي التابعة لمديرية الطرق بالمحافظة، ومنحتها لسنجاق، تحت مسمى الخصخصة، حيث أنشأ برجين مزدوجين على خليج إزمير مباشرة، والمعروفة باسم أبراج فولكرت، حتى أنه أنشأ مشروعا جديدا تحت اسم فولكرت تايم، ويضم مجمعا سكنيا، ومركز تسوق كبيرا، فوق أرض طريق أنقرة - إزمير. 

تقدر تقارير صحيفة tr 24 قيمة تلك الأراضي بحوالي مليار ونصف المليار ليرة، لكن شركة سنجاق فازت بصفقات شرائها مقابل 751 مليون ليرة فقط، أي النصف.

خادم إردوغان يغرق في الديون
سنجاق الذي يصنف من بين أغنى 100 شخص في تركيا، يتفاخر بعلاقته مع إردوغان، حيث ذكر تقرير وكالة "سمانيلو" أنه اعترف في عام 2013 بأنه امتلك الصحف والقنوات التلفزيونية فقط من أجل دعم الرئيس.

يقول: "كان إردوغان وحيدا في الزاوية، واجهته دعاوى بإغلاق الحزب، أزمة 367 - مشكلة النصاب القانوني لانتخاب رئيس الجمهورية عبدالله جول عام 2007 - كما أن الإعلام كان يحاصره أيضا، لذا قمت بشراء صحيفة ستار مقابل 8.5 مليون دولار من صندوق الضمان" ، وحينما سئل عن سبب تركه للمجال الإعلامي أجاب "مهمتي انتهت".

كان ذلك نتيجة لتراكم الديون عليه، حيث كشفت صحيفة tr24، أنه في أحد التسجيلات الصوتية بين سنجاق وفاتح ساراتش رجل الدين المقرب من إردوغان، حول إمكانية شراء الأول لقناة "شو تي في"، فأجابه سنجاق "إذا كان معك بضاعة جيدة فلتأتي"، فقد تضرر نتيجة شرائه مجموعة تورك ميديا مقابل 62 مليون دولار.

ولكي تتدارك حكومة العدالة والتنمية هذا الموقف أعطت لسنجاق صفقة "بي إم سي" بالأمر المباشر، بحجة وجود ديون متراكمة على المصنع منذ عام 2009 تبلغ 608 ملايين ليرة. 

فضيحة مصنع سكاريا 
في عام 2018 أصدر إردوغان قرارا رئاسيا بخصخصة مصنع "تانك باليت" للمدرعات إلى سنجاق بالأمر المباشر أيضا، حسب ما أفاد تقرير صحيفة أكتيف هابير في يناير 2019. 

وعلقت المعارضة على لسان رئيس حزب الشعب الجمهوري، كمال كليتش دار أوغلو، بقوله: " كان ينتج هذا المصنع مدافع الهاوتزر، وإذا تم إنشاء مصنع جديد سيتكلف 20 مليار دولار فقط، ومع ذلك تم بيعه".

أما رئيس حزب السعادة تميل كارامولا أوغلو فقال :"إذا ما تخلينا عن مجال الصناعات العسكرية سنصبح خاضعين للخارج".

صحيفة هابير قالت إن الصفقة تم الإعداد لها بعد خصخصة مصنع "بي إم سي" مباشرة، من جانبها ذكرت صحيفة جمهورييت أنه منذ حوالي ستة أشهر، صدر أمر بتأجير ورشتين وقطعة أرض خالية كانت تابعة للمصنع، وذلك دون مقابل. 

وصدر أمر آخر بتخصيص ورشة الإنتاج،  بقسم المدرعات بالمصنع، والبالغ مساحتها 3 دونم و 4.200 متر لمصنع "بي إم سي" دون مقابل أيضاً.

وبعد نشر قرار تخصيص المصنع في الجريدة الرسمية، قبل ستة أشهر، تم تخصيص المصنع وأحيل إلى إدارة "بي إم سي" دون مقابل كما ذكر في صفقة التخصيص، حسب ما ذكرت الصحيفة. 

إعفاءات ومجاملات 
في ديسمبر عام 2014 حصل مصنع "بي إم سي" الذي يملكه سنجاق، على صفقة من المديرية العامة للأمن، من أجل تصنيع 151 عربة مدرعة، لفض التجمعات، تدعى "توما"، حيث استطاع الرجل مضاعفة ثروته، في صفقة بلغت 200 مليون ليرة، حسب ما نشرته وكالة سمانيولو.

صحيفة إفرينسيل، كشفت في تقرير لها، حصول سنجاق على استثناءات من ضريبة القيمة المضافة، وإعفاءات جمركية، وتخفيضات في ضريبة المنشآت، بلغت 100%، ودعم على ضريبة الدخل لمدة عشر سنوات، إضافة إلى دعم الطاقة.

هدايا إردوغان لسنجاق لم تنته، فقد حصل على صفقة لإنتاج وتطوير عربات السكك الحديدية بسكاريا على مدار 7 سنوات، بلغت قيمتها أكثر من 571 مليون ليرة. 

أعمال قذرة
الاستثمار الأكثر خطورة على الجيش التركي، وتزداد أهميته بالنسبة لإردوغان، هو بيزنس الأكاديميات الأمنية، فقد تأسست أكاديمية "سنجاق" للخدمات العسكرية في أكتوبر 2014، على يد عسكريين متقاعدين بالتنسيق من الحزب الحاكم، وحصلت على تصديق رئاسة الأركان لمزاولة نشاطها وأعمالها المشبوهة، لكن المدون التركي المعارض فؤاد عوني فضح تورطها في أعمال قذرة لصالح النظام.

عوني كشف الدور المشبوه للأكاديمية، وقال لموقع جورناليست :"رئيس الاستخبارات هاكان فيدان يستخدمها في الأعمال الدنيئة، وغير المشروعة، مثل هذه الشركات تظهر بشكل قانوني، لكن سرعان ما تستخدم في عمليات إجرامية، فبعد موافقة رئاسة الأركان على تأسيسها، بدأ عسكريون متقاعدون تدريب الإرهابيين تحت مظلتها".

Qatalah