يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


تكشف الوثائق وكتب التاريخ الموقف الحقيقي للدولة العثمانية من دولة الصهاينة، فالوقائع وتفاصيل الاتفاقيات السرية بين الطرفين صادمة، وتسطر فصولًا عريضة من الخيانة التركية للأمتين العربية والإسلامية، ليس منذ وصول رجب طيب إردوغان للسلطة مع مطلع الألفية الجديدة، بل إنه يأتي فيذيل قائمة طويلة من خيانة الأتراك عبر الارتماء في أحضان اليهود والصهاينة على مدار خمسة قرون كاملة.

التعامل مع الصهاينة وحمايتهم لم يكن استثناء على أحد سلاطين دولة الظلم، إنما كان أصلًا بدأ مع الخليفة بايزيد الثاني، وتحديدًا في العام 1492م، حتى آخر حكامها عبدالمجيد الثاني في العام 1924م، المغتصبون وصلوا إلى عاصمة الدولة العثمانية، إسطنبول، منذ القرن الـ15 بتأييد من سلاطينها، وأحكموا قبضتهم على اقتصادها، واستغلوا خواء خزائنها وأجبروا ملوكها على تبني مشروعهم الخبيث، إقامة دولة لهم في فلسطين، على حساب العرب من مسلمين ومسيحيين.

بايزيد والفوج الأول 
شهد حكم السلطان بايزيد الثاني وصول أول فوج من صهاينة أوروبا إلى الدولة العثمانية، بحجة تعرضهم لمذابح على يد حكام إسبانيا، وتمكن عُملاؤهم من إقناع السلطان أن المستضعفين من اليهود يتعرضون لاضطهاد بعد سقوط الأندلس، وانتهاء الحكم الإسلامي لبني نصر (بنو الأحمر)، وبدء الحكم المسيحي الكاثوليكي العام 1492م، وهو الحكم الذي تميز بإعلاء القيم الصليبية وبدء محاكم التفتيش والتنكيل بغير الكاثوليك.

 
تشير كتب التاريخ إلى أن السبب وراء هبة بايزيد لرعاية الصهاينة هي الهدايا (الرشوة)، التي حصل عليها من كبار أثرياء الطائفة اليهودية في الدولة وقتذاك. أمر الأدميرال كمال ريس بالذهاب إلى شاطئ الأندلس لنجدة حلفائه، وتمكن من إجلاء نحو 150 ألفًا منهم، وقام بتسكينهم في مدن إسطنبول وأدرنة وسالونيك وإزمير ومانيسا وبورصة وأماسيا وباتروس، وهو ما ذكره أحمد آق كوندز في كتابه "الدولة العثمانية المجهولة".

كعادتهم تظاهر اليهود بالاستضعاف، ووضعوا مخططًا يستهدف التقرب من القصر السلطاني بشكل تدريجي، وبالفعل نجحوا في ذلك، حصلوا على امتيازات وحقوق استثنائية، بينها حق المواطنة، وامتلاك العقارات والأراضي وممارسة الصناعة والتجارة، خلال تلك الفترة صدر أمر لحُكام الولايات كان نصه: "استقبلوا يهود إسبانيا بترحاب. من يفعل عكس ذلك، أو يعاملهم معاملة سيئة، أو يسبب لهم أي ضرر عقابه الموت"، ويعكس نص القرار مدى ما وصل إليه اليهود من نفوذ داخل البلاط العثماني، بفضل الرشى التي كان يحصل عليها السلطان بايزيد. 

روكسلانا وسليمان القانوني
وبينما كانت روكسلانا، الجارية اليهودية زوجة سليمان القانوني، تعكف على تزييف عقل نجلها سليم بوصفه ولي العهد، قدمت الصهيوني جوزيف ناسي إلى زوجها وأجبرته على ضمه إلى النخبة الحاكمة، وبالفعل قبله سليمان، وضع ناسي هو وعدد من صهاينة أوروبا خطة توطين بني صهيون، جهر بأول دعوة لتجميع اليهود في فلسطين، وقدم مشروعا استيطانيا حظي بموافقة سليمان القانوني ثم ابنه سليم الثاني.

يذكر خليل إينالجيك في كتابه "تاريخ الدولة العثمانية من النشوء إلى الانحدار" أن سليمان أصدر فرمانًا العام 1561 نص على اقتطاع مدينة طبرية - مدينة الجليل حاليًا - (باعتبارها من المدن الأربع المقدسة عند اليهود) إلى جانب حكم سبع قرى حولها، وجعلها وطنًا لليهود، كان المقابل كالعادة مبالغ مالية يتم وضعها في الخزانة الخاصة للسلطان، خيانة سليمان لم تتوقف عند ذلك الحد، أراد أن يورث أبناءه العار، حيث أمر ولده سليم بعدما تخلص من شقيقه بايزيد، بالتوقيع على فرمان العار.

خلال حكم سليم الثاني تصاعدت وتيرة الهجرة إلى الدولة العثمانية، وازداد جوزيف ناسي نفوذًا أكثر مما كان عليه وقتما كان سليمان القانوني سلطانًا، حمل لقب "لورد طبرية"، وأخضع الأسطول العثماني لخدمة بني جلدته، وأخذ يؤسس مبدأ الاستقلال بمدينة طبرية بعدما حصل على حق حكمها، شرع في بناء أسوار المدينة، وقام بتدشين أول معبد يهودي بها، واستطاع تشكيل ميليشيات عسكرية سماها "جنود الرب"، لحماية دويلته المزعومة.

أول استيطان يهودي في فلسطين
يذكر أحمد عبد الرحيم مصطفى في كتابه "أصول التاريخ العثماني" أن نفوذ اليهود بلغ مبلغًا عظيمًا خلال فترة حكم السلطان سليمان القانوني، أطلق المؤرخون على تلك الفترة "العصر الذهبي لليهود"، الفضل يعود في ذلك إلى زوجته روكسلانا يهودية الأصل، التي كانت من أول دعاة إنشاء وطن لطائفتها في فلسطين، فقد أمرت القانوني بإصدار مرسوم يكفل للصهاينة الرعاية وحق الوصول إلى المناصب السيادية في الدولة، ما ترتب عليه تكوين ما يشبه بـ"اللوبي" الذي تحكم في توجيه الرأي العام، والسيطرة على أهل الحل والعقد في البلاط السلطاني.

شجعت السلطانة اليهودية نجلها سليم (ولي العهد المنتظر) على التعامل مع أخواله من بني إسرائيل، وأحضرت له معلمين صهاينة، بثوا فيه مشروع التوطين في فلسطين العربية، ومن خلال نسله الذي حكم الدولة العثمانية حتى نهايتها، تصاعد النفوذ اليهودي داخل أركان الدولة، واستطاعوا مع الوقت التسلل إلى دواوين الدولة المختلفة، فطوعوها لصالح تنفيذ أجندتهم.

صهاينة القرن الـ19
وشهد القرن الـ19 تطورا كبيرا في التأييد العثماني لمشروع إقامة دولة لليهود في فلسطين، كان السبب في ذلك تدهور الأوضاع الاقتصادية للدولة العثمانية، إلى جانب إغراقها في الديون، لتصبح البنوك الأوروبية هي المحرك الخفي ، أبرم رجل المال الإنجليزي اليهودي روتشيلد العديد من الصفقات الخبيثة مع سلاطين آل عثمان، شملت تقديم منح مالية وقروض لتركيا في مقابل منح المهاجرين أراضي للإقامة عليها.

قام السلطان عبدالمجيد الأول في العام 1855، بالسماح بأول حالة استيطان لليهود في فلسطين والأردن، وتم إقامة أول حي سكني يهودي في القدس تحت اسم "مشكانوت شعنانيم" بأموال الثري البريطاني موشي منتيفيوري، وتحت سمع وبصر الإدارة العثمانية، كما منحهم السلطان عبدالمجيد امتيازات لتحفيز الهجرة واغتصاب الأراضي من يد أصحابها الفلسطينيين، ففي سنة 1860 اشترى اليهود أول قطعة أرض قرب بحيرة طبرية - تقع بين منطقتي الجليل حاليًا والجولان المحتلة - بنوا عليها 20 مسكنا للمهاجرين، لتبدأ بذلك أولى الخطوات العملية للاستيطان الصهيوني في فلسطين، وذلك حسب ما رواه حسان علي حلاق في كتابه "موقف الدولة العثمانية من الحركة الصهيونية".

فرمان حق التملك
دشن السلطان عبدالعزيز الأول أسلوبًا جديدًا في الخيانة، قام بمنح المهاجرين حق تملك الأراضي في فلسطين، القرار الجديد قدم أراضي العرب لقمة سائغة للمغتصبين، فقد سيطروا على أملاك العرب تحت غطاء الامتيازات الأجنبية، مكن الفرمان السلطاني المحتلين من شراء المزيد من الأراضي لبناء المستعمرات ، وفعليا أقيمت أول مستوطنة خلال العام 1870 في فسلطين، باسم "مكفيه إسرائيل".

بدأت مرحلة الاستيطان المنظم على يد السلطان عبدالحميد الثاني الذي منح المستوطنات بفلسطين حكما ذاتيا، جرت مفاوضات ولقاءات متعددة بين مؤسس الحركة الصهيونية ثيودور هرتزل والسلطان عبدالحميد في إسطنبول، طالب وقتها من هرتزل تمويل الخزانة العثمانية الخاوية، ووقف التقارير الصحافية التي تتطرق إلى  مجازر الأتراك ضد الأرمن، في مقابل رعاية المشروع الاستيطاني، وأهدى عبدالحميد لصديقة هرتزل، الوسام المجيدي العثماني من الدرجة الثالثة.

خلال الفترة بين العامين 1870 و1917، كان يُقام 3 مستوطنات سنويا برعاية عثمانية، معظمها كانت بتمويل من المليونير روتشيلد الذي أشرف على تشييد وإدارة المستوطنات، التي وصل عددها إلى 47 مستوطنة يسكنها 20 ألف صهيوني، كان السلطان عبد الحميد الكنز الاستراتيجي الكبير للحركة الصهيونية التي تمكنت من خلاله من استقطاع الأرض الفلسطينية العربية وتهويدها، وذلك وفق ما ذكرته فدوى نصيرات في كتابها "دور السلطان عبد الحميد في تسهيل السيطرة الصهيونية على فلسطين".

تسليم القدس للصهاينة
تذكر دائرة معارف الإمبراطورية العثمانية أنه مع بداية الحرب العالمية الأولى قامت السلطات العثمانية بتقديم وعد لألمانيا القيصرية بإنشاء دولة يهودية في حال تحقيق النصر على الحلفاء، كانت ألمانيا تقود تحالفا مع إمبراطورية النمسا والمجر، والدولة العثمانية، في مواجهة بريطانيا العظمى وفرنسا وروسيا القيصرية، وجدت الحركة الصهيوينة فرصتها في هذه الحرب، فبدأت اللعب على الطرفين، فما إن انقضت السنوات الثلاث الأولى من الحرب حتى بدأت الحركة الصهيونية تقطف أولى ثمار نشاطها إذ حصلت من الحكومة البريطانية على وعد بلفور العام 1917، والذي ينص صراحة على اعتراف لندن بحق اليهود في دولة لهم على أرض فلسطين.

 

سلم حاكم القدس العثماني عزت بك، ديسمبر 1917 وثيقة تعهد من الدولة بتسليم المدينة إلى القوات البريطانية وفق ما تضمنه وعد بلفور، لم تقف الخيانة التركية عند هذا الحد، حيث تشير وثائق أخرى إلى أن أنقرة دعمت العصابات اليهودية في فلسطين، وأمدتهم بأسلحة وذخائر، خلال حرب 1948، وفي يوليو 1950 تبادلت أنقرة مع تل أبيب السفراء بعدما استتبت الأمور للمغتصبين، حيث عينت تركيا سيف الدين إسين أول سفير لتركيا بإسرائيل، وفي معظم المحطات التاريخية انحازت أنقرة لصف تل أبيب في مواجهة العرب، فمواقف إردوغان الحالية القائمة على التطبيع الكامل مع إسرائيل لم تكن إلا صفحة في تاريخ طويل من الارتماء التركي في أحضان الصهاينة. 

Qatalah