يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


في أواخر القرن التاسع عشر، وأوائل القرن العشرين، كانت أحوال الدولة العثمانية ـــ الرجل المريض ـــ قد تردت في هاوية من الفساد والضعف والتخلف، وتفاقمت في ظلها أحوال بعض البلاد العربية، خاصة سورية ولبنان، اللذين بلغ القهر والاستبداد والفقر فيهما دركا لا يطاق، الأمر الذي اضطر كثيرا من أبنائهما إلى الارتحال عن الوطن، سعيا إلى الحرية والأمن والرزق.

كان بين المهاجرين، شباب ورجال يحملون بين جوانحهم مواهب أدبية، تفتحت ونمت وأبدعت في البيئة الجديدة، فكان ما عرف في الأدب العربي الحديث بـ"أدب المهجر"، كان بين هؤلاء الأدباء طفل أو صبي نحيل، قدر له فيما بعد أن يوصف بأنه "أمير شعراء المهجر"، وهو الشاعر الأديب إيليا أبو ماضي.

عبرت أعمال إيليا أبو ماضي عن فكره الفلسفي والتي وضحت في معظم قصائده ومن أهمها: تذكار الماضي عام 1911، والتي تناول فيها ظلم المحتل للشعوب المحطمة، والطغيان العثماني ضد بلاده.

قمع الاحتلال
فكم داويت سورية مريضًا // وكم أسقمت تركيا صحيحًا

كانوا وراء غربته عن وطنه، وحرمانه من أهله، وأصدقائه. قمعوا بني وطنه، ونشروا الفساد، والظلم. ذلك كان عهد الاحتلال العثماني للشام، موطن شاعر المهجر "إيليا أبو ماضي"، الذي فر من طغيان السلطان المستبد عبد الحميد، إلى مصر، ثم إلى الولايات المتحدة، بحثا عن كرامة لم يجدها في وطن يحكمه الأتراك.

أبو ماضي ناشد قومه العرب الثورة على المحتل التركي، مخاطبا مجدهم التليد، وأنفتهم، فهم الأمة التي هزمت الرومان، ألا يقدرون على هزيمة علوج الترك.
بالشعر حاول استنهاض الهمم، فعدد مظالم الأتراك، وشارك فرحة الجميع بخلع المستبد عبد الحميد، وإعلان الدستور، لكن حين كشف الترك عن وجههم القبيح، طالب بالثورة وإنقاذ الأمة العربية.

قرون الظلم
حملنا نير ظلمكم قرونا // فأبلاها وأبلانا وداما
أبو ماضي عبر عن الألم الذي اعتصر صدره على معاناة وطنه، والأمة العربية من قرون الاحتلال العثماني، فكانت الكلمات وسيلته.
كانت قرون احتلال بغيضة، نهب فيها العثماني خيرات العرب، وترك أرضهم جدباء، دون أن يحافظوا عليها، أو يمنحوا أهلها نصيبا معقولا من نتاج كدهم.
رعيتم أرضنا فتركتموها // إذا وقع الجراد رعي الرغاما
فبات الذئب يشكوكم عواء // وبات الظبي يشكوكم بغاما

العثمانيون نشروا الفتن بين العرب، وأشعلوا نار الحقد الطائفية، التي مازال لهيبها يحرق الأمة إلى اليوم. 
ما كفتنا مظالم الترك حتى // زحفوا كالجراد أو كالوباء
ضيم أحرانا وريع حمانا // وسكتنا والصمت للجبناء

لبنان عانت بشكل خاص من هذه الفتن، التي اندلعت بين الدروز والمسيحيين، وبين جميع الطوائف.
فما راقبتم فينا جوارا  // ولا حفظت لكم يدكم ذماما
أثرتم بيننا الأحقاد حتى // ليقتل بعضنا بعضا خصاما
وشاء الله كيدكم فبتنا // كمثل الماء والخمر التئاما
لكن اليقظة العربية وقفت بالمرصاد لمحاولات العثمانيين، وجاءت دعوة القومية العربية لتجمع بين أطياف الأمة.

أبيات إيليا عبرت عن مطالب الحركة الإصلاحية، التي طالبت بحكم لا مركزي، يتولى العرب فيه حكم أنفسهم. فالعرب أكثر من الأتراك في السلطنة، ورغم ذلك تتحكم الأقلية بالأكثرية، فكيف يعقل هذا؟
إلى كم يحصرون الحكم فيهم // وكم ذا يبتغون بنا احتكاما
ألسنا نحن أكثرهم رجالا // إذا عدوا وأرفعهم مقاما

الإسلام والترك
إيليا يرى أن الأتراك شوهوا صورة الإسلام، وحادوا به عن جادة الصواب، واستغلوا الدين في خداع الشعوب. ويرى أنهم لو تشربوا روح الإسلام الحقة، لكانت لهم حضارة يفاخرون بها، مثلما أنشأ العرب حضارة عظيمة، جمعت جميع الأمم السابقة على الإسلام، وصهرت الجميع في حضارة خلاقة.
جريتم بالهلال إلى محاق // ولولا جهلكم بلغتم التمام

الظلم الذي ميز الحكم العثماني تجاه جميع الشعوب ليس من الإسلام في شيء، هكذا خاطب الشاعر الاتراك.
وقالوا نحن للإسلام سور // وإن بنا الخلافة والإمامة 
فهل في دين أحمد أن يجوروا // وهل في دين أحمد أن نضاما؟

الأتراك العثمانيون سطوا على الملك الذي كان من حق العرب، ونهبوا خيرات بلادهم، بجبروتهم وطغيانهم.
هم نزعوا لواء الملك منا / ونازعنا طغامهم الطعاما

عصر المستبد
معاناة أبو ماضي كانت في عهد السلطان المستبد عبد الحميد الثاني (1876-1909) الذي شهد موجة استبداد ومطاردة للحركة الإصلاحية العربية، وقمع للصحافة، والنخب العربية، وحتى التركية.
كتب أبو ماضي عنه قائلا:
صحبناك لا خوفا ثلاثين حجة / ولكنه الدنيا وضعف العزائم
وما ذاك عن حب فما فيك شيمة / تحب ولسنا من غواة المآثم
فكنت وكان الجهل أحسن خلة / لنا ونجاة الحق إحدى الغنائم

33 عاما من الاستبداد الحميدي، والفشل الاقتصادي، وكوارث عسكرية، وقمع للحريات، ونشر للجهل، وتلاعب بالمشاعر الدينية، وقمع للأقليات.
ثلاثون عاما والنوائب فوقنا // مخيمة مثل الغيوم القواتم
فلا العلم مرموق ولا الحق نافذ // ولا حرمة ترعى لغير الدراهم
وما ثم غير البغي والظلم والأذى //  فقبحت من عصر كثير السخائم

مثل جميع المطالبين بالإصلاح، احتفى إيليا أبو ماضي بالانقلاب الدستوري عام 1908، الذي أنهى عصر عبد الحميد، وإن بقى سلطانا، لكن منزوع الصلاحيات، كتب أبو ماضي.
هو الشعب قد وفاك كالبحر زاخرا // وكالجيش يقفو فيلق إثر فيلق
تطلع تجده حول قصرك واقفا // يحدق تحديق المحب لموفق

وكتب عن الدستور، وفرحته بعودة الحريات، وما جلبه من أمل في الإصلاح.
ويا أيها الدستور اهلا ومرحبا // على الطائر الميمون يا خير قادم 
طلعت علينا كوكبا غير آفل // على حين أن الشرق مقلة هائم

عزل المستبد
عام 1909 دبر عبد الحميد محاولة انقلابية، انتهت بالفشل، وقامت جمعية الاتحاد والترقي بعزله عام 1909، ونفيه إلى سالونيك، فقال أبو ماضي عن ذلك.
ضيف سالونيك مالك في //  سجنها ضيف سوى السأم
قد خلت يلدز منك وما // ذكرها يخليك من ألم
زلت عنها وهي باقية // عظة للخلق كلهم
إن تكن تبغي الرجوع لها // ذاك مقضي لدى الحلم

ثم يواجه عبد الحميد بجرائمه، ويحاسبه، ويسأله عن ثمن البغي، بقوله.
خبرينا كيف عاقبة // البغي هل كانت سوى ندم؟
جرت يا عبد الحميد بنا // غير أن الجور لم يدم

ويذكر جرائم الاغتيالات السياسية التي دبرها عبد الحميد لخصومه، وقيامه بإلقاء جثثهم في البوسفور، فقال.
كنت كالأيام ما قصدت // بالرزايا غير ذي شمم
ظللت تقري الحوت من جثث // أوشكت تبليه بالتخم 
نعم للبحر تطرحها // يا لها في البر من نقم

أما المحاولة الانقلابية الفاشلة، فقد سجلها أبو ماضي، وفيها يفضح جرم عبد الحميد، الذي استعان بطلبة المدارس الدينية، من أجل السيطرة على البرلمان. وقتل الدستور وهو مازال في طور النمو بعد. ثم يقول له إن الشعب لن يحن مرة ثانية إلى حكم الاستبداد، تلاعب خصيان القصر بمصيره.
راعك الدستور منتصرا // فأثرت الجند بالعمم
كاد يلقي منك مصرعة // وهو لم يبلغ إلى الحلم
رب ليل بت ترقبه // رقبة السرحان والغنم
ونهار كدت فيه له // غير خاش كيد منتقم
أحسبت أن الشعب حن إلى // إمرة الخصيان والخدم؟

نهاية المستبد كانت النفي، وتخلى عنه الجميع، بعد انكشاف المؤامرة. يخاطب الشاعر عبد الحميد مطالبا إياه بأن يركن إلى السلم، ويتخلى عن أوهام السلطة.
بت لا جيش ولا علم // يا صريع الجيش والعلم
وفشى ما كنت تضمره // فعرفنا ناقض القسم
كنت مسلوب الكرى حذرا / ولقد أعطيته فنم
ودع الدنيا وبهجتها / فما أرى الحسناء للهرم

داعية الثورة
بعد انهيار حلم التعايش مع الأتراك في دولة دستورية، تحول الفكر العربي إلى المطالبة بالاستقلال التام. خصوصا بعد أن تورط حكام إسطنبول في الحرب العالمية الأولى، وما جلبته من مخاطر على بلاد العرب. 

الباشوات الثلاثة (أنور، وطلعت، وجمال) أو ثلاثي الخراب، كانوا حكام إسطنبول الحقيقين، والمسؤولين عن قرار الحرب، وعن إبادة الأرمن، واضطهاد العرب. كتب إيليا عن أنور، الرجل الأقوى بينهم ما يلي، خصوصا بعد أن دارت دائرة الحرب على العثمانيين.
وبات أنور في يلدز مختبئا // لأمه وأبيه الشكل والهبل
يطير إن صرت الأبواب طائره // ويصرخ الغوث لا إما وسوس القفل
جاويد فوق فراش الذل مضطجع // وطلعت برداء الخوف مشتمل

وثق معاناة الشعب الأرمني عام 1915، وجريمة الإبادة التي ارتكبها الأتراك، وراح ضحيتها 2.5 مليون إنسان. وكان الأتراك بعد هزيمتهم في جبهات القتال، حملوا الأرمن المسؤولية، واتهموهم بمساعدة الروس، وهي تهمة قديمة منذ عهد المستبد عبد الحميد، لكنها بلا دليل، وحتى إن تعاون نفر منهم مع الروس ضد ظلم الترك، أيكون الجزاء قتل كل الشعب.
تهمة الخيانة كانت حجة، لكن الهدف الأساسي كان إخلاء الأناضول من جميع القوميات غير التركية.
بغى عليهم علوج الترك بغيهم // لم يشحذوا للوغى سيفا ولا صقلوا
خانوهم وأذاعوا أنهم نفر // خانوا البلاد بما قالوا وما عملوا
يا للطغام! ويا بهتان ما زعموا // متى أساء إلى المخلب الحمل؟

العرب عليهم أن ينقذوا أنفسهم قبل الهلاك في دولة يتحكم فيها عملاء الألمان في إسطنبول، دولة دخلت مغامرة الحرب التي كانت فيها نهايتها، هكذا خاطب الشاعر أمته قائلا من منفاه.
لو تعقلون عملتم لخلاصكم // من دولة القينات والخصيان
عار على نسل الملوك بني العلى // أن يستذلهم بنو الرعيان
ثوروا عليهم واطلبوا استقلالكم // وتشبهوا بالصرب واليونان
ماذا يروع نفوسكم، ما فيكم // وكل ولا في الترك غير جبان

نيران الثورة
سنوقدها تعير الشمس نارا // ويعي أمرها الجيش اللهاما
وعلم المرء أن الموت آت // يهون عنده الموت الزوؤاما

صدر الشاعر جاش بالحزن والغضب عندما بدأ القمع التركي ضد العرب عام 1915، وقد حملوا العرب مسؤولية الهزيمة أمام الحلفاء في الهجوم على قناة السويس، مثلما حملوا الأرمن مسؤولية الهزيمة في جبهة روسيا.
الحرب تسببت في مجاعة أودت بحياة نصف مليون من أهل الشام، ولولا حملات الإنقاذ الدولية لتضاعفت الأرقام، فأشاد الشاعر بمن هب لإنقاذ العرب من أمم العالم وكتب.

باخرة الإغاثة
سيري تراعيك النجوم الساهرة
ليلا وعين الشمس عند الهاجرة
في الشرق أحباب على جمر الغضا
نقم الزمان عليهم بعد الرضى

ظل إيليا يهاجم العثمانيين حتى رحلوا عن بلاد العرب عام 1918، وبعد ذلك انتقل إلى معاناة وطنه، يوقظ العقلاء منهم، للتخلص من مشاكل الطائفية والطبقية التي ورثتها لبنان عن الاحتلال العثماني.

شاعر المهجر
إيليا أبو ماضي (1889 - 23 نوفمبر 1957) شاعر عربي لبناني يعد من أهم شعراء المهجر في أوائل القرن العشرين، وأحد مؤسسي الرابطة القلمية.

المصادر :


Qatalah