يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


عادت حوادث غرق المهاجرين غير الشرعيين أثناء رحلة عبورهم إلى تركيا تطل برأسها من جديد بعد انقلاب شاحنة - أمس الأحد-  في إزمير كانت تقل لاجئين يخططون للذهاب إلى جزيرة ساموس اليونانية مما أسفر عن مقتل 19 وإصابة 5 أشخاص بينهم السائق.
باتت تركيا في عهد رجب إردوغان بوابة للمهاجرين غير الشرعيين الحالمين بجنة أوروبا، لكن الحلم سرعان ما يلفظ أنفاسه  بسبب قوارب الموت التي لا يكف الأتراك عن توفيرها للشباب ليواجهوا المصير المرعب بعد لحظات من انطلاقها.
وكشف تقرير لوزارة الخارجية الأميركية عن تهاون الحكومة التركية في التعامل مع المشكلة الخطيرة، وعدم اتخاذها الإجراءات المطلوبة  لمكافحة الهجرة غير الشرعية، مطالبا السلطات بتحديد هوية المتاجرين بالبشر وسرعة القبض عليهم، فيما قال خبير الهجرة، ورئيس مركز الأبحاث السياسية والهجرة في جامعة حجة تبة، مراد إردوغان، لإذاعة صوت روسيا، في فبراير 2016:  إن إيقاف عمليات انتقال المهاجرين غير الشرعيين إلى أوروبا، لا يمكن أن تتم دون التعاون مع تركيا.

تركيا الأولى عالميا في الهجرة غير الشرعية 
تنشط تجارة تهريب البشر في حي أقصراي بإسطنبول، بينما تعتبر حدود ولاية أدرنة نقطة العبور إلى أوروبا، أما منظمة الشرطة الأوروبية "يوروبول"، فقد وصفت في بيان لها  تركيا بالدولة المركزية في  تهريب البشر داخل منطقة البحر المتوسط، مشيرة إلى أن المنظمة شكلت فريقا خاصا من 13 خبيرا دوليا يحمل اسم " العمليات المشترك" للكشف عن العصابات المسؤولة عن تهريب البشر، ومكافحة شبكات الهجرة غير الشرعية في البحر المتوسط. 
وأوضحت المنظمة وفق موقع الأخبار التركي تي 24  ، أن تركيا تعتبر من أكثر الدول نشاطا في الهجرة غير الشرعية بعد أن سجلت 100 واقعة تهريب، وأحصت الشرطة الأوروبية 112 شخصا مشتبها فيهم داخل البلاد.
بهذا الرقم تجاوزت تركيا ليبيا التي تقع على الضفة الأخرى من المتوسط ، وجاءت في المركز الثاني بـ 57 واقعة تهريب لتتفوق بدورها على اليونان شهدت 23 حادثة تهريب فقط، أما عدد المهاجرين الذين وصلوا إلى أوروبا في 2014 وفق الإحصاءات الرسمية فقد بلغ قرابة 220 ألف مهاجر ونتيجة زيادة الضغط على الحدود اليونانية والإيطالية، توفي 3 آلاف شخص غرقا.
وأسف مدير المركز الأوروبي لمكافحة تهريب المهاجرين "يوروبول"، روبرت كريبينكو في تصريح لوكالة "فرانس برس"، عن استمرار عمليات التهريب في تركيا والمتاجرة بحياة البشر في مقابل الأموال بالرغم من الاتفاقيات التي أجراها الاتحاد الأوروبي مع أنقرة.

منافذ التهريب في تركيا 
يوجد في تركيا 130 معبرا حدوديا بريا وبحريا وجويا، وتقدر الحدود  البرية مع بلغاريا واليونان وسورية والعراق وإيران وأرمينيا وجورجيا بـ3 آلاف كيلو متر، إضافة إلى الساحل البحري، الذي تبلغ مساحته 8 آلاف و333 كيلومترا، الأمر الذي يسهل من عمليات الهجرة غير الشرعية.
وتعتبر إسطنبول، إزمير، موغلا، مرسين أكثر النقاط المرورية للمهاجرين من تركيا وإليها، ويتمتع الأشخاص الذين يقومون بأعمال تهريب البشر بأكبر درجة من الحرفية بداية من خداع المهاجرين والتلاعب بآمالهم ومرورا بتحديد المبلغ الذي يدفعه كل شخص قبل أن يضع أقدامه على القوارب وانتهاء بتسليمهم إلى الموت.

صحافي يفضح مافيا التهريب 
وفي تجربة فضحت مافيا الاتجار بالبشر على الأراضي التركية  تقمص مراسل صحيفة هابرترك  شفيق دينتش، دور لاجئ سوري يحلم بالذهاب إلى أوروبا، وفي أكساراي طلب من تجار التهريب جواز سفر مزيفا إلى فنلندا وحصل عليه بالفعل بعد يومين فقط مقابل 500 يورو، ورصد وجود عدد كبير من المحلات التي تبيع الهواتف المحمولة القديمة رخيصة الثمن للتجار والمهاجرين الذين يقومون بتغيير هواتفهم وخطوطها باستمرار لإعاقة تتبع الشرطة لهم.
 وبحسب صحيفة "بي بي سي" الناطقة باللغة التركية،  فإن العبور إلى أوروبا  بالنسبة للمهاجرين واللاجئين الراغبين في حياة جديدة يمكنهم الوصول إليها عن طريق اجتياز البحر من خلال تركيا، فأصبح مألوفا أن تشاهد القوارب المحملة بالبشر في الصباح الباكر وهي في طريقها لعبور بحر إيجة.
ويؤكد مراقبون أن ألمانيا أكثر المتضررين من أزمة اللاجئين في أوروبا، ووفقا للموقع الألماني "دويتشه فيله" الناطق بالتركية فإن هجرة اللاجئين السوريين الحاصلين على تصريح إقامة في ألمانيا، بطرق غير شرعية إلى تركيا تزداد بشكل مستمر من أجل العودة بعائلاتهم إلى ألمانيا من جديد، ورصد موقع "اي ار دي" الألماني، أحد مهربي البشر وهو يقوم بنقل 50 سورياً، فيما قالت النائبة عن حزب الخضر الألماني، لويزا أمتسبرج: "وقعنا اتفاقا مع الحكومة التركية حول قبولنا اللاجئين لتخفيف الحمل عن تركيا، واستدركت: : "عودة اللاجئين الحاصلين على الحماية المؤقتة إلى تركيا للاجتماع مع عائلاتهم في مكان واحد وضع سخيف، قد يتسبب في خلق مانع من ناحية اتفاق إعادة اللاجئين بين تركيا والاتحاد الأوروبي".    

13% من القادمين إلى أوروبا من تركيا 
بحسب الموقع الألماني "دويتشه فيله" الناطق باللغة التركية، زاد عدد اللاجئين الهاربين إلى أوروبا بالطرق غير الشرعية عبر تركيا حتى بداية شهر مارس 2018، مقارنة بالفترة نفسها في العام الماضي إلى 15 ألفا و 450 مهاجرا غير شرعي، وأعلنت مفوضة الاتحاد الأوروبي أنه بالرغم من اتفاقية إعادة اللاجئين بين تركيا والاتحاد الأوروبي، إلا أن الوضع لايزال غير مستقر، ووفقا لبيانات المفوضية، زاد أعداد اللاجئين إلى أوروبا عن طريق الحدود التركية بشكل غير قانوني مقارنة بالشهور الـ3 الأولى من 2017، بنسبة 100%. 
وبلغ عدد المهاجرين إلى أوروبا عبر تركيا في عام 2015، بحسب البيانات، 850 ألف مهاجر نصفهم من السوريين، و 13% منهم قادمون من تركيا، وقالت صحيفة "فيلت آم زونتاج" الألمانية، استنادا إلى تقرير داخلي للمفوضية الأوروبية، إن الدول الأوروبية تلقت  38687 مهاجرا من تركيا، خلال الفترة من يناير حتى منتصف سبتمبر عام 2018، بزيادة قدرها 43% مقارنة بـ 2017.

وكشفت البيانات الرسمية  خريطة التنقل بين تركيا وأوروبا كالتالي: 
 36423 شخصا فروا من تركيا إلى اليونان، وسلك 12147 مهاجرا الطرق البرية، وذهب  1965 آخرين من تركيا إلى إيطاليا و239 إلى بلغاريا و71 إلى قبرص، بينما لا تقتصر الهجرة الشرعية من تركيا على القادمين من دول أخرى بل إن الأتراك أنفسهم يسجلون أرقاما كبيرة بلغت  4500 فرد أي 45% من الذين وصلوا إلى أوروبا بالطرق البرية، يحملون الجنسية التركية.
ويسجل اليوم الواحد من 2 إلى 3 آلاف شخص يصلون إلى جزر اليونان انطلاقا من السواحل التركية على متن قوارب صغيرة تسع من 10 إلى 15 شخصا، مما يعني أن  ما يزيد على 200 قارب يتحركون من تركيا إلى اليونان.


10 مليارات أرباح أنقرة من الاتجار في أرواح البشر 
40 مليار دولار تحققها الأرباح من الهجرة غير الشرعية سنويا، نصيب تركيا منها قرابة 10 مليارات حسب صحيفة "خبر ترك" التركية، أما أغلب التجار الذين دخلوا مهنة تهريب البشر حديثا وفق موقع وكالة الأنباء الروسية "سبوتنيك" الناطق بالتركية،سوريون، ويتقاضى المهرب منهم 2500 يورو عن كل شخص. 
فككت النمسا عصابة تتاجر في تهريب البشر عبر تركيا، بعد تحريات أظهرت أن العصابة حققت 15 مليون يورو أرباحا من تهريب لاجئين سوريين وعراقيين في عام واحد، وخلال زيارة رجب إردوغان إلى ألمانيا الشهر الماضي، أبرزت وسائل إعلام في برلين مسألة تصاعد أعداد المهاجرين غير الشرعيين إلى بلادهم من تركيا لإيصال رسالة إلى إردوغان مضمونها " كفوا أذاكم عنا". 

أتراك يديرون العصابات داخل السجون 
جمعت الفرق التابعة لـ"شعبة مكافحة تهريب المهاجرين وتجارة البشر" بمديرية أمن مرسين، معلومات حول إحدى عصابات مافيا تجارة البشر التي تقوم بتهريب المهاجرين، وألقت القبض على 61 شخصا بينهم زعيم  عصابة يدعى "أ.د"، و"محمود. ي" الملقب بـ"الدب محمود"، ومراسل العصابة البالغ من العمر 87 عاما. 
وحسب صحيفة "ستار" التركية، بدأت مراقبة العصابة قبل 6 أشهر من القبض على عناصرها، وأثبتت التحريات أن المدعو "أ.د" يدير أكبر تنظيم لتهريب المهاجرين في تركيا وأوروبا.
ولم يقتصر نشاط التنظيم على تهريب المهاجرين القادمين من أفغانستان، وباكستان، وإيران، وسورية، والعراق، بل تهريب أشخاص ينتمون إلى جماعة غولن، وحزبي العمال الكردستاني، وحزب التحرر الشعبي الثوري.


 

وفي العمليات المتفرقة التي نظمتها الشعبة لمداهمة العصابة، اعتقلت 137 شخصا، 4 منهم ينتمون إلى جماعة غولن، وواحد إلى حزب العمال الكردستاني، وتمكنت من إعادة أحد الأشخاص المنتمين إلى حزب التحرر الشعبي الثوري، والذي تم تهريبه من قبل إلى خارج البلاد.
وكشفت التحريات أن المدعو "محمود. ي" الملقب باسم "الدب محمود" معتقل في أحد السجون وهو الرجل الثاني في العصابة، ويعطي تعليمات باستخدام الهاتف من داخل محبسه، بينما يتم تسليم جوازات السفر المزيفة إلى المهاجرين بواسطة (أي. ب) البالغ من العمر 87 عاما. 
وخلال مداهمة العصابة عثر على 422 جواز سفر، و146 بطاقة تحقيق شخصية، و26 رخصة قيادة، وهوية شرطة مزيفة، وشيك بقيمة 435 ألفا و 500 ليرة تركية، و424 ألف ليرة و 245 ألف يورو، و 219 ألف دولار، والختم المستخدم في جوازات السفر، وأدوات تجهيز الوثائق المزيفة.     
 ووفق التقرير الذي أعده "هابرلر" التركي، تم الكشف عن مجموعة من الأشخاص تعمل تحت قيادة المدعو (ت.ك) المطلوب للعدالة من قبل 5 دول. وفي أبريل 2018 ألقي القبض على 112 لاجئا سوريا وإحالة  9 أشخاص إلى القضاء، لاشتباههم في نقل اللاجئين السوريين إلى ساحل ميناء طاشوجو في بلدة سيليفكا بولاية مرسين.     
وذكر وزير الداخلية النمساوي وولفغانغ سوبوتكا أن بلاده فككت عصابة تركية لتهريب البشر، نجحت في تهريب نحو 10 آلاف شخص إلى غرب أوروبا في السنوات الـ10 الماضية، مؤكدا  اعتقال أغلبية أفراد العصابة باستثناء 3 من قادتها وصدور أحكام بحق عدد من الموقوفين.

قصص برائحة الموت 
تفيض قصص المهاجرين بالأسى، وأشهرها حكاية الطفل الذي طفت جثته على الشاطئ بعد نشر صورة إيلان كردي، البالغ من العمر 3 سنوات، والذي مات مع شقيقه غالب (5 سنوات)، وأمه ريحان (35 عاما).
انكفأ إيلان على  وجهه على أحد الشواطئ التركية بعد أن أصبح جثة هامدة، إثر انقلاب قارب يحمله أثناء محاولة عائلته  الانتقال من مدينة بودروم التركية إلى جزيرة كوس اليونانية للوصول في النهاية إلى كندا، حسب صحيفة "صباح" التركية.
وحملت الأمواج في  3 نوفمبر 2014 12 جثة مثل إيلان، إضافة إلى 7 سيدات غرقن في منطقة روملي فنري، التي تربط مضيق البوسفور بالبحر الأسود، بعد أن غدرت بهن سفينة كانت تقلهن  مع قبطان و4 رجال، ووجدت السلطات جثث 24 بينهم قبطان السفينة، بينما لا يزال بقيتهم مفقودين.
وتحولت شواطئ تركيا إلى ما يشبه المقبرة، بعد أن خرجت الشاحنة التي كانت تقل مهاجرين يخططون للذهاب إلى جزيرة ساموس اليونانية عن سيطرة السائق ووصلت إلى مجرى النهر، في ساعات الصباح في إزمير، ما تسبب في وفاة 19 شخصا، وإصابة 5 أشخاص.
وقع الحادث - الذي يشبه المجزرة - بالقرب من مطار عدنان مندريس في مقاطعة غازيمير، وتبين أن الشاحنة كانت في طريقها  إلى جزيرة ساموس اليونانية، ولم تستطع تجاوز المنحنى.
عبرت  الشاحنة التي تمتلئ بمهاجرين غير الشرعيين فوق طاقتها، الحاجز من الجهة المقابلة، ووصلت إلى مجرى نهر ديغيرمين شايي، ثم انقلبت رأسا على عقب لتقتل وتصيب النساء والأطفال، كما غرق قارب كان يقل مهاجرين غير شرعيين خارج منطقة قرابورون في إزمير، ووفقا للتصريحات الأولية، تم الوصول إلى جثة 9 أشخاص.
وتروي ناجية تحمل الجنسية العراقية، وجدها رجال الدرك في قرابورون،  أنهم أبحروا في قارب على متنه 35 شخصا، وبعد وقت قصير  أغرق الماء القارب، وتضيف: "استطعت الوصول إلى الشاطئ  ولم أر أحدا، لقد اختفى الآخرون"، أما خفر السواحل فقد عثروا على جثث 9 أشخاص، بينما تم الإعلان عن فقد 26 شخصا آخرين.


 

وكتب موقع الأخبار "قبرص جازاتاسي"  عن قصة أحد المهاجرين السوريين الذين تم إنقاذهم من قبل فرق خفر السواحل التركية قرابة منطقة "يني أرنكوي"، بعد غرق السفن التي كانت تحملهم في طريقها إلى جنوب قبرص، وسبحوا في البحر قرابة 9 ساعات. 
وقال بعض الناجين، إن تجار تهريب البشر طلبوا من كل منهم 2500 دولار، من أجل نقلهم إلى شمال قبرص، دفعوا جزءا منها ولم يدفعوا الجزء المتبقي بعد أن شاهدوا بأعينهم أقاربهم يغرقون.
ووصفوا الحادث المروع بقولهم: بعد فترة من إبحار السفينة المثقوبة بدأ الماء يتسرب إليها، فتتوقف محرك السفينة، ومن شدة الأمواج غرقت السفينة بعد فترة.
ويقول أحمد جمعة، أحد الناجين: "قبل 7 أيام جئت مع أصدقائي من إدلب إلى مرسين بهدف الانتقال إلى قبرص، حاولنا تفريغ المياه، ولكن موتور السفينة توقف فجأة، كانت هناك أمواج عالية زادت من كمية  الماء على السفينة التي لم تستطع تحمل المزيد فغرقت وأصبح  150 شخصا كانوا على متنها في الماء، لنسبح قرابة 9 ساعات، حتى شاهدتنا إحدى السفن المارة التي طلبت الإغاثة من فرق خفر السواحل الذين وصلوا متأخرين مما تسبب في وفاة الكثيرين.

Qatalah