يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


تحكي أطلال مدينة "سور" جريمة بحق 1700 عام من التاريخ، فأسوارها التي تعود إلى العام 350 أصبحت أثرا بعد عين، لا المآذن نجت ولا أبراج الكنائس، الكل سقط بفعل جرافات العدوان الرسمية، بيوتها التي تحمل بصمات حياة الأكراد جرى محوها من وجه الأرض برغبة مجنونة للتدمير تملكت عصابة أنقرة، بهدف واحد فقط: إبادة قصة أمة تأبى الانكسار.
تلخص مهزلة تسوية معالم "سور" التاريخية - المدرجة على قوائم اليونسكو- بالأرض قصة الهمجية التركية التي تعلمت في مدارس المغول وأتقنت أساليب داعش لإبادة شعب بشرا وحجرا.
"إذا أردتم هدم البيت، اهدموه وسأموت بداخله وأنا راض، لن أترك منزلي، ولن أتخلى عنه"، لم تكن هذه مجرد كلمات أطلقها ابن "سور" التابعة لولاية ديار بكر الكردية في تركيا، رافضا التخلي عن منزله لجرافات البطش، لكنها تعبير عن فطرة إنسانية تتمسك بأرضها، ولا ترى الوطن حفنة تراب يداس عليها بالأقدام، كما يراها رجب إردوغان وحكومته.
تتعرض منطقة سور التاريخية، للهدم بحجة تطوير المدينة من قبل الحكومة التركية، التي زعمت استعدادها لتشييد المباني الجديدة، وتجميل واجهاتها، وجعلها منطقة سياحية جذابة، لكن هذا كله لم يعد كونه لافتة عريضة تخفي الأغراض الحقيقية لأنقرة فيما تفعله بسور، فالخطة الرسمية تقوم على طمس معالم المدينة الكردية في إطار الهدف البعيد: طمس كل ما يمت للأكراد بصلة، ونزع أي ارتباط لهم بالأرض التي عاشوا عليها لقرون عدة من قبل ميلاد الدولة العثمانية نفسها.

إردوغان ذهب لديار بكر خلال جولة قبيل الاستفتاء الدستوري في أبريل 2017، وقال علنا :"سننشئ 2000 منزل هنا ونقدمها لخدمة السياحة"، وعد براق ولا شك، لكنه أخفى مخططا خبيثا يهدف لاستبدال واقع جديد يخضع لمقاييس الحكم الإردوغانية بالبناء الكردي، والانتقام من سور التي رفعت يوما لواء الثورة ضده، منذ أعلن قادة حزب العمال الكردستاني في ديسمبر 2015 إقامة حكم ذاتي في أجزاء من مدن الجنوب الشرقي، وحفر مقاتلوه الخنادق وبنوا الحواجز لمنع الجيش من الاقتراب من حلمهم الوليد، فردت قوات إردوغان بالأسلحة الثقيلة ونيران الدبابات والمدفعية، وواصلت اللغة التي لا تعرف غيرها، لغة القمع وإهدار حقوق الأكراد في تنسم بشائر الحرية، لتنشب اشتباكات بين الجانبين في المدينة التاريخية ما بين ديسمبر 2015 ومارس 2016.
أعلنت السلطات التركية إبان تلك الفترة فرض حظر التجوال، ونشرت دباباتها وجنودها في المدينة، ثم شرعت في تسوية المباني التاريخية والجداريات والنقوش بالأرض، ما دفع مئات الآلاف من السكان للنزوح من بيوتهم، حيث تُظهر صور الأقمار الاصطناعية أن ما يقرب من ثلاثة أرباع أحياء سور هدمت تمامًا، أغلبها عن طريق الجرافات بداعي إعادة التطوير، بعد طرح التاريخ أرضا وانتصار همجية الأتراك.

شعارات التحديث المضللة
فرضت الحكومة التركية حظر التجول بسور أربع مرات في 15 حيا، خلال الفترة ما بين 6 سبتمبر و30 نوفمبر العام 2015، وأعلنت أطول حظر للتجوال يوم 11 ديسمبر من العام ذاته، والذي استمر حتى يومنا هذا في 6 أحياء، لفرض قبضتها الحديدية على جنبات المدينة، ومحاصرة الكرد، وإجبارهم على مغادرة مدينة أجدادهم.
وزير الداخلية التركي آنذاك أفكان ألا عبر صراحة عن الخطة، وقال إن آلية حظر التجوال سمحت لجنود أنقرة باقتحام كل البيوت في سور، بعد انتهاء الاشتباكات في 6 مارس 2016، مع استمرار عمليات البحث والتمشيط لفترة غير محددة.
بعد انتهاء الاشتباكات، تقدمت الجرافات وشرعت في هدم كل المباني القديمة، وعلى امتداد شوارع سور نُصبت لافتاتٌ إعلانية تروج لشعارات الجمل المزيفة مثل "سور تنهض من الرماد"، و"التاريخُ يولدُ من جديد في سور"، وكذلك عبر وسائل الإعلام الموالية للحكومة.

تهجير قسري
بلغ إجمالي تعداد 15 حيًا بالمدينة قبل فرض حظر التجوال نحو 49 ألفا و711 نسمة، يتنوعون بين الأكراد والسريان والأرمن والكلدانيين بل والأتراك أيضا، ويعتبر السبب الرئيس في هذا التنوع الكبير لسكان سور ذات الثقافات المتعددة أن نسبة كبيرة منهم جاءوا مهاجرين للمدينة بين أعوام 1990 و1999، كما دخل العرب والأكراد والإيزيديون الهاربون من الحرب الأهلية برعاية تركية في سورية منذ العام 2011 في تعداد المدينة التي ظلت تحتفظ بأغلبية كردية.
كانت سور بشكل عام في سنوات التسعينيات مأوى للذين احترقت قراهم والمهاجرين، كما كانت مأوى للهاربين من الحروب في العراق وسورية، لكن 40 ألفا من سكانها اضطروا للهجرة عقب احتلالها بقوات إردوغان.
الحرص على استئصال بقايا التواجد الكردي دفع حكومة إردوغان في 27 أبريل 2017، لترويج مجموعة من الإعلانات في مساجد وشوارع المدينة تطالب المواطنين بمغادرة منازلهم قبل أول مايو من العام نفسه، وتهديد الرافضين بإلحاق الضرر بهم.

مجزرة حظر التجوال
أعلنت منظمة العفو الدولية بعد حظر التجوال، في أعقاب مقتل رئيس مكتب حقوق ديار بكر طاهر إلتشي، في 28 نوفمبر2015، أن 321 شخصاً منهم 79 طفلًا فقدوا حياتهم طوال فترة الحظر ، بينما تم تهجير قرابة 40 ألف شخص من منازلهم.
يتحدث رئيس أحد أحياء سور عبد الله تشالك عن ردود فعل المواطنين الذين تم تبليغهم دون سابق إنذار بأن منازلهم ستهدم، قائلًا "يأتي إلينا كل يوم العديد من المواطنين الأبرياء، ويصرخون لنا قائلين لم يتوفر لدينا الأموال لترك منازلنا والذهاب إلى منازل جديدة"، وأضاف "جاء لنا مواطن يبلغ من العمر 70 عاما يقول إلى أي مكان سيذهب مُسن مثلي؟ أنا حتى لا أمتلك أي دخل إضافي؟ كما جاءت سيدة أخرى تعول أيتاما تستنجد بنا لعدم توافر أموال لديها لدفع أجرة السيارة التي تنقل أغراض منزلها".
في إطار خطة أنقرة الممنهجة ضد الوجود الكردي، تم هدم قرابة 450 مبنى، وتهجير آلاف السكان، فيما رفع نحو 700 مواطن دعاوى قضائية للاحتفاظ ببيوتهم، إلا أن المحكمة الإدارية التركية رفضت نظرها، لتبدأ أعمال الهدم فورا في حماية الشرطة، بعد قطع المياه والكهرباء عن المنازل، ثم تخريب البنية التحتية بالكامل لإجبار السكان على الهجرة دون أن يأخذوا متعلقاتهم.

خيمة على الأنقاض
عائلة "أك" هي إحدى العائلات التي تهدمت منازلها في حي علي باشا، فاضطرت لبناء خيمة فوق أنقاض المنزل، يقول أحد أفرادها :"لقد بقينا بلا حيلة، لا يوجد لنا مأوى ولا مال، إلى أين سنذهب؟ إيجار المنزل يكلفنا 900 ليرة شهريًا، أين سنجد هذه الأموال؟ حتى الخيمة اشتريتها من عائلة سورية بـ 250 ليرة".
أغرقت الدموع عينيه وقهر الرجال يغلب معالم وجهه، فيما مضى يقول :"لقد أصبحنا لاجئين في أحيائنا، يعطوننا تعويضات هزيلة جدًا مقابل البيوت، ونحن لا نقبل بها، عندما يسمع المسؤولون أصواتنا يقولون لنا اذهبوا وسنساعدكم، ولكن لا أعلم إذا ذهبنا فيساعدوننا شهرا أو اثنين ثم يتركوننا"، وتابع متمسكا بأرض أجداده "لو أمطرت جليدًا بارتفاع متر فلن أذهب، سأظل هنا".
وزير البيئة التركي محمد أوزاسيكي قال في مارس الماضي إن الحكومة ستوفر المسكن لكل الذين تشردوا بسبب أعمال الهدم في سور "سنمنح بيوتا لكل الذين تعرضت بيوتهم للتدمير، فعند تشييد البيوت وتسليمها سنكون قد ضمدنا الجراح"، لكن الوزير لم يوضح كيف ستعيد حكومة العدالة والتنمية بناء الأسوار التاريخية أو المنازل الكردية العريقة التي أطاحت بها خطة التطوير الوهمية.
أهالي سور قالوا إن السلطات لم تعرض عليهم سوى إضافات هزيلة على التعويضات التي قررتها مسبقا، وبينما جرى استئناف قرارات المصادرة أمام المحكمة الدستورية قال مسؤول بالمحكمة إنها لم تدرج دعاوى الاستئناف على جدول أعمالها، ومن غير الواضح متى ستفعل ذلك.

سور الصين الثاني
تعد سور إحدى المدن التاريخية في قلب إقليم ديار بكر، وهي أكبر مدن جنوب شرق تركيا التي تحتوي على غالبية كردية، ويستقر فيها ما يقرب من 120 ألف مواطن، وتتميز بوجود عدة مبانٍ مدرجة على قوائم منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) للتراث العالمي، خاصة القلعة التاريخية التي تتوسط المدينة، فضلا عن حدائق هوسال الواقعة خلف جدرانها التي تعد ثاني أطول حائط حماية في العالم بعد سور الصين العظيم، حيث يبلغ طولها 5.5 كيلو متر، وقد بنيت من البازلت الأسود، وفي العام 2015 أدرجتها منظمة اليونسكو على قائمة التراث العالمي.


تم الإعلان عن سور كموقع تراثي العام 1988 بقرار من مؤسسة حماية الأوقاف الثقافية والطبيعية في ديار بكر، قبل أن يتم طمس العديد من معالمها على يد الجرافات التركية، ما أثار موجة استياء داخل صفوف المعارضة داخل البرلمان، إذ قالت نائبة حزب الشعوب الديموقراطي عن ولاية ديار بكر سيبل ييت ألب إن المعالم الأثرية التي تم هدمها لم يعلم المكان الذي نقلت إليه، وأنها تقدمت بطلب إحاطة لتحديد مكان الأحجار الأثرية.
النائبة الساخطة قالت: "كان من الواجب أن يتم حماية مثل هذه الأحجار، وتسجيل إلى أي مكان ستنقل، ومعرفة من أخذها، ولكن لا يوجد شيء كهذا، يتم هدمها بأكبر ماكينات الهدم ولا يعرف أين ذهبت الآثار الموجودة هناك، يجب أن أقول أين الآثار؟ نريد أن نسأل أين نقلتموها؟ وكيف حافظتم عليها؟ كيف أخرجتموها؟".
الأحزاب السياسية هبت مع منظمات المجتمع المدني والاتحادات المهنية والعمالية، وأسست منصة "لا لهدم سور"، يقول المهندس المعماري هاردام دوغرول، نيابة عن اتحاد غرف المعماريين بديار بكر، إنه تم تقديم شكوى ضد قرار هدم مباني سور التاريخية، غير أن السلطات والجهات المختصة لم تأبه له، مؤكدًا أن المباني التي شيدت حديثا لا تتماشى مع الطراز الأثري القديم، "إنه عبث بالتاريخ والحضارة".

Qatalah