يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


بينما تحاول حكومة الرئيس التركي رجب إردوغان، التظاهر بأنها غير مبالية بالعقوبات الأمريكية المحتمل توقيعها عليها، نتيجة شرائها منظومة الصواريخ الروسية S 400 من موسكو، تسعى مؤسسات نظام أنقرة، في سرية وكتمان، على تعزيز قدرتها على تجاوز تلك العقوبات عند فرضها.

المساعي التركية كشفتها شبكة «بلومبرج» الأمريكية، إذ نشرت - الأربعاء - تفاصيل خاصة بمحاولات تركيا تفادي عقوبات واشنطن الاقتصادية، منها أنها تواصلت مع موسكو من أجل الارتباط معها بنظام مالي بعيدًا عن الأنظمة المالية العالمية التي يمكن أن تمتد إليها العقوبات الأمريكية المحتملة. 

نظام «سويفت الروسي» هو كلمة السر في المحادثات التي أجريت بين روسيا وتركيا، في يوليو الماضي، حيث ترغب أنقرة في ربط الشركات والمقرضين الأتراك بذلك النظام المالي الذي وضعه البنك المركزي الروسي كبديل لنظام المراسلات المالية العالمي المعروف باسم «سويفت». 

و«سويفت الروسي»، بحسب ما يعرفه البنك المركزي في موسكو، عبر موقعه الرسمي على الإنترنت، هو «منظومة لتبادل المعلومات بين البنوك، وتسديد المدفوعات، ويعمل على أساس نظام معلومات واتصالات سلكية ولاسلكية ضخم».

أنشئ هذا النظام الجديد ليكون بمثابة «قناة بديلة للتعاملات، والتفاعل بين البنوك، من أجل ضمان توفير خدمات مضمونة، ودون انقطاع، لنقل الرسائل الإلكترونية حول المعاملات المالية (المراسلات المالية)، والتقليل من المخاطر التي تؤثر على أمن وسرية تقديم خدمة الرسائل المالية»، بحسب ما يؤكد البنك، مضيفًا أنه يمكن للمؤسسات الائتمانية الاستفادة من هذا النظام «وفقاً لاستعدادها الفني، وبناء على علاقات تعاقدية مع بنك روسيا».

وتشارك في هذا النظام 401 مؤسسة ائتمانية روسية، وقد انضمت إليه بعض المؤسسات المالية الأجنبية، منها بنك «كازاخستان الأوراسي»، فيما تدور أحدث الأنباء حول مناقشة تركيا الانضمام لهذا النظام، لكي لا تتوقف تعاملاتها المالية الدولية حال فرضت واشنطن عقوبات عليها. 

لقاء في موسكو
الجانبان التركي والروسي، التقيا في موسكو بعد فترة وجيزة من تهديد واشنطن لأنقرة بالعقوبات بعد تسلمها الدفعة الأولى من معدات منظومة الصواريخ الروسية، وتجاهل حكومة إردوغان المطالب الأمريكية الخاصة بإلغاء الصفقة، ما أثار غضب الإدارة الأمريكية.

وتأمل تركيا أن تسفر مباحثاتها مع الروس عن مخرج لمأزقها مع الولايات المتحدة، خاصة في ظل التفاهمات الأخيرة بين أنقرة وموسكو حول عدد من الملفات منها الوضع في سورية، في حين يرغب الأتراك في الاستفادة من الخبرة الروسية في تكييف نظامها المالي، استجابة للعقوبات الدولية المفروضة عليها منذ ضمها شبه جزيرة القرم من أوكرانيا في عام 2014

نائب وزير المالية الروسي أليكسي مويسيف أكد أن المحادثات مع المسؤولين الأتراك للانضمام لـ«سويف الروسي» جرت بالفعل، واضطر إلى الاعتراف بهذه المحادثات بعد أن ظهرت تفاصيل الاجتماع من وثيقة حكومية، تم العثور عليها ملقاة في مكب نفايات بالقرب من موسكو. 

وتم نشر صورة لرسالة وزارة المالية الروسية، التي تتناول بالتفصيل الاجتماع مع نائب وزير المالية التركي بولنت أكسو عبر قناة «التليجرام» الخاصة بالخدمة الإخبارية «بازا» الاثنين الماضي.

مويسيف قال في تصريحات عبر الهاتف في وقت متأخر الثلاثاء الماضي: «تمت مناقشة جدوى توقيع مذكرة في هذه المفاوضات، حيث تقرر أننا بحاجة إلى المزيد من العمل، والآن نحن نعمل عليها، وبناءً على ما سيرد في المذكرة، سنمضي في الإجراءات».

بنك روسيا، كان قد أنشأ نظام الرسائل المالية العالمي في عام 2014 بهدف «الحد من المخاطر الخارجية»، والحماية من تهديد الانقطاع عن خدمة (سويفت) العالمية. كما يهدف أيضا لضمان خدمات غير متقطعة لنقل الرسائل بتنسيقات (سويفت).

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، صرح في يونيو الماضي، بأن بلاده تجري محادثات حول ربط الصين بهذه الشبكة الروسية، كما أنشأ البنك المركزي البطاقة المصرفية الروسية الجديدة «مير» ونظام بطاقة الدفع الوطنية لمعالجة المدفوعات المحلية في عام 2015 استجابة لمخاطر العقوبات.

على الجانب التركي، أكد مسؤول كبير في وزارة الخزانة التركية حدوث الاجتماع، وقال المسؤول- الذي رفض الكشف عن التفاصيل وطلب عدم الكشف عن هويته - في تصريحات نقلتها «بلومبرج» إن الجانبين تحدثا عن «أمور روتينية». 

المسؤولون الذين شاركوا في تلك المحادثات التي جرت في موسكو، ناقشوا إمكانية وصول البنوك التركية إلى نظام الرسائل المالية الروسي، بالإضافة إلى توسيع استخدام «مير» ليشمل المزيد من المقرضين الأتراك، وفقًا للرسالة الحكومية.

تعاملات بالعملة المحلية 
تلك المحادثات شملت كذلك، الحديث عن اعتماد العملات المحلية في المدفوعات بين البلدين، علمًا بأن روسيا خفضت إلى حد كبير حصة الدولار في تجارتها واحتياطياتها الدولية خلال العامين الماضيين، وسط مخاطر من تمديد الولايات المتحدة عقوباتها على الجانب الروسي، لتشمل حظر البنوك الروسية من التسويات بالعملة الأمريكية.

بوتين نفسه كان قد صرح في نوفمبر الماضي بأن عقد بيع S 400 لتركيا لم يتم تسويته بالدولار.

اللافت أن تلك المناقشات بين تركيا وروسيا، بدت ملحة للغاية، لدرجة أن نائب مدير إدارة السياسة المالية بوزارة المالية الروسية دفع من جيبه الخاص تكاليف استضافة المسؤولين الأتراك في قاعة خاصة بمطار فنوكوفو بموسكو، وفقًا للرسالة الملقاة في مكب النفايات، والتي أظهرت أيضا أنه يسعى للحصول على تعويض مقابل ما دفعه من أموال.

المكتب الإعلامي لوزارة المالية الروسية، قال إن الوزارة طلبت الاستفسار عن المستند الذي جرى إلقاؤه في مكب النفايات، من الشركة التي تتعامل مع النفايات التي تخلفها الوزارة، في حين لا تزال حكومة إردوغان مصرة على تصدير فكرة أنها غير مبالية بعقوبات أمريكية محتملة قد تضر أكثر بالاقتصاد التركي الذي يعاني أزمة حادة منذ أغسطس 2018.

الأزمة الاقتصادية التركية المحدقة حاليًا، دفعت المستثمرين الأجانب إلى سحب استثماراتهم من البلاد، كما توقفت مشروعات كبرى، وأغلقت مصانع عدة، على وقع انخفاض قيمة الليرة التركية بنسبة وصلت إلى 40 %، فيما بلغت نسب التضخم خلال السنة الأخيرة نحو 25 %.

وتنظر شركات كبرى بعين القلق إلى الأسواق التركية، بسبب العقوبات الأمريكية المحتملة، ما ينذر بأزمة أشد ينتظرها الاقتصاد التركي في ظل حكم إردوغان.

Qatalah