يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


24 ديسمبر 2018 سياسة ترامب السورية امتداد لسياسة أوباما

أسئلة عديدة باتت اليوم تشغل الكثير من المهتمين في المنطقة وفي الولايات المتحدة والعالم، مثل: هل ستنفذ الإدارة الأميركية حقا قرار الرئيس دونالد ترامب بالخروج من سورية أم لا؟ ثم: ماذا بعد هذا القرار؟ أو ما هي استراتيجية الولايات المتحدة إذا في سورية؟.

قبل الإجابة عن كل تلك التساؤلات يجدر التذكير هنا بثلاث مسائل.. الأولى، هي أن الولايات المتحدة الأميركية، منذ بداية الصراع السوري، ظلت تنأى بنفسها عن التدخّل العسكري المباشر في هذا الصراع، وإن كانت، من الناحية السياسية، وقفت في جبهة المعارضة، ودعمت فصائل المعارضة العسكرية، بل وشجعت، من خلال إيحاءات رئيسها السابق باراك أوباما وأركان إدارته، على تصعيد ذلك الصراع للإطاحة بنظام الأسد، من خلال الحديث عن انتهاء شرعيته وأن عليه أن يرحل، ومن خلال الحديث عن الخطوط الحمر (في حال استخدام الكيمياوي)، من دون أن تأخذ موقفا من القصف الجوي والقصف بالبراميل المتفجرة.

بيد أننا يجدر أن ننتبه أن هذه التشجيعات وتلك الإيحاءات لم تصل إلى حد الدعم الإيراني ولاحقا الروسي لنظام الأسد، بل إن الولايات المتحدة تراجعت عن خطوطها الحمر، كما تبين بعد قصف الغوطة بالكيمياوي (أغسطس 2013)، حيث جرى التوافق حينها على تصفية السلاح الكيمياوي من ترسانة النظام السوري، بقرار من مجلس الأمن الدولي في حينه.

أيضا يفترض أن نلاحظ هنا أن الولايات المتحدة مانعت تسليم المعارضة أية أسلحة مضادة للطائرات، ولم تتجاوب مع المطالب الخاصة بفرض منطقة حظر جوي، أو منطقة آمنة، في أية منطقة في سورية، لوقف قصف النظام للمناطق المتمردة، كما أنها سكتت عن التدخل العسكري الإيراني ثم الروسي في الصراع السوري.

وعلى الصعيد السياسي فإن الولايات المتحدة (في عهد أوباما) تساهلت مع التفسير الروسي الخاص بتعويم بيان جنيف 1 (2012)، بحيث تم إفراغه من مضمونه، خاصة تلك الفقرة المتعلقة بإيجاد هيئة حكم انتقالية ذات صلاحيات تنفيذية كاملة، بل إنها قبلت ببقاء الأسد لمرحلة مقبلة، ثم قبلت التحولات التي فرضها دي مستورا، المبعوث الدولي إلى سورية، بخصوص التركيز على "السلال "الأربع (الدستور والانتخابات والحكم ومكافحة الإرهاب)، الرئيس ترامب كان من دعاة الخروج من سورية، منذ البداية، والتي اختصرت في ما بعد إلى سلة واحدة هي لجنة صوغ الدستور، التي لم تتحقق كما تبين أخيرا، هذا فضلا عن تجاوبها مع مسار آستانة ثم مؤتمر سوتشي.

أما المسألة الثانية، التي يفترض التذكير بها، هي أن سياسة الولايات المتحدة قامت على أساس استراتيجية مفادها، الحفاظ على ديمومة هذا الصراع، من خلال، أولا: عدم السماح لأي طرف في الصراع السوري الانتصار على الطرف الآخر، لا النظام ولا بالمعارضة، وثانيا: استدراج الأطراف الأخرى، أو تشجيعها على الانخراط في هذا الصراع، وهذا يشمل إيران وروسيا وتركيا، لاستنزافها وإرهاقها ووضعها في مواجهة بعضها، من دون إتاحة المجال لأي طرف التمدد على حساب الطرف الآخر.

تبقى المسألة الثالثة، وهي المتعلقة بإدارة الصراع السوري وفقا لمتطلبات أمن إسرائيل، بحيث، كما شهدنا، تم تقويض أو فكفكة، بنى الدولة بل والمجتمع في سورية، وسابقا في العراق، بل ووضع مكونات تلك المجتمعات في مواجهة بعضها، بحيث اختفى ما يسمى "الجبهة الشرقية"، التي تحمل تهديدا ولو مستقبليا، أو نظريا، ضد إسرائيل، ليس باختفاء الجيشين السوري والعراقي فحسب وإنما بحكم الخراب والتفكك والاستنزاف الذي تحقق في هذين البلدين نتيجة استمرار الصراع.

على ذلك يمكن القول إن القرار الذي أصدره ترامب ليس جديدا، وأنه يشكل استمرارا للسياسة التي انتهجها سلفه باراك أوباما، وهو يأتي ضمن الفكرة التي طرحها أوباما بشأن أن على العرب أن يتدبروا أمورهم بأنفسهم وأن عليهم هم أن يدفعوا الأثمان لتغيير أو لتحسين أوضاعهم، وليس انتظار الولايات المتحدة أن تفعل ذلك عنهم، وإن كان ترامب يختلف في كلماته، عن الرئيس السابق، بحكم الفارق الشخصي والثقافي بين الرئيسين المذكورين.

في غضون ذلك يفترض الانتباه إلى العديد من المسائل، ضمنها، أولا، أن قرار ترامب بالخروج من سورية، أتى بعد إعطاء الكونغرس الإشارة لتمرير صفقة "الباتريوت" (3.5 بليون دولار) مع تركيا، وبعد الحديث الهاتفي بين الرئيسين الأميركي والتركي، ما يثير شبهة تلزيم أو توكيل تركيا بالدور الأميركي في سورية، وهذا يحتمل وجهتي نظر، أولاها، أنه بات ثمة توافق أميركي ـ روسي على كيفية العمل في سورية.

وثانيها، أن الولايات المتحدة في هذا الإجراء تتحدى أو تهدد تركيا بإخلائها الساحة لها بعد التجاذب الحاصل بشأن اعتزام تركيا الدخول إلى منطقة شرقي الفرات، وهو الأمر الذي ينسجم مع الاستراتيجية الأميركية بخصوص ترك القوى الخارجية للتصارع في ما بينها على الصراع السوري (روسيا وتركيا وإيران)، ثانيا، أن خروج الولايات المتحدة من سورية لا يعني الخروج من المنطقة، بل إنه لا يعني الخروج من سورية حقا، إذ إن هذا الوجود لا يتحدد فقط بالمئات من الجنود، ولا بألف أو ألفين، ذلك أن ثقل الولايات المتحدة السياسي والاقتصادي والتكنولوجي والعسكري يظل قائما، كما يظل قائما بوجودها وثقلها على مختلف الأطراف بما فيها روسيا ذاتها. ثالثا، إن موقف ترامب لا يعني أن الولايات المتحدة تخلت عن موقفها السابق بخصوص إنهاء النفوذ الإيراني في المنطقة، فهذه المسألة ستظل على رأس السياسات الأميركية في الشرق الأوسط.

في كل الأحوال يفترض أن ننتظر مدى جدية الإدارة الأميركية على تنفيذ قرارها المذكور، وما إذا كان طرح لمجرد الابتزاز والتهديد والمناورة، سيما مع معرفتنا أن تركيا أرجأت قرارها بشن حملة عسكرية على شرقي الفرات.
نقلا عن صحيفة العرب

Qatalah