يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


6 أكتوبر 2018 سياسة تركيا في سورية تتعثر على حدود إدلب

لم يكن الرئيس السوري بشار الأسد حاضراً في القمة التي انعقدت الأسبوع الماضي بين رؤساء تركيا وروسيا وإيران، لكن ظله كان هناك في طهران، وبقوة.

على مدى سنوات، دعمت تركيا مجموعات مسلحة سعت للإطاحة بحكم الأسد، وبذلت أنقرة في الوقت نفسه جهدا هائلا لتعزيز العلاقات مع أبرز داعمي الرئيس السوري: روسيا وإيران.

يمكن القول إذا إن تركيا حين حضرت القمة الخاصة بسورية كانت تتحدث مع الأسد، وإن بشكل غير مباشر، من خلال روسيا وإيران.

خلال القمة التي انعقدت في طهران، مارس الرئيس التركي رجب طيب إردوغان ضغوطا من أجل إبرام اتفاق لوقف لإطلاق نار بهدف إجهاض هجوم تستعد قوات الجيش السوري لشنه على محافظة إدلب في الشمال الغربي للبلاد، وهي آخر معقل كبير يسيطر عليه مقاتلو المعارضة في سورية.

غير أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين رفض المقترح التركي. ولو أن الأسد كان حاضرا في تلك اللحظة لما اختلف رد فعله عن ذلك في شيء.

الآن وبعد فشلها في تجنب مذبحة محتملة في إدلب عبر السبل الدبلوماسية، فإن تركيا تواجه مشكلة معقدة تتعلق بسياساتها الخارجية. فبعيدا عن التكلفة الإنسانية، تشعر أنقرة بقلق بالغ على مصير العديد من المجموعات المسلحة في إدلب.

إن تركيا بحاجة للتعاون من قبل الكثير من المجموعات المسلحة في إدلب، بالنظر لسوء علاقاتها مع الحكومة السورية أو الأكراد الذين يسيطرون على شمال شرق سورية.

لكن تعاون تركيا مع هذا الطيف الهائل من المجموعات المسلحة الجهادية في شمال سورية يفرض عليها أمرين بتكلفة باهظة.

الأول أن تركيا نفسها باتت هدفا لمخاطر أمنية يسببها وجود العديد من المجموعات المسلحة في المنطقة. وهذه المجموعات ستتسبب في زعزعة استقرار تركيا أيضا، أما الأمر الثاني هو نظرة المجتمع الدولي إلى تركيا حاليا باعتبارها بلدا يوفر الحماية للمجموعات المسلحة.

ستفلت تركيا على الأرجح من الأمر الثاني، فلقد قامت في الفترة الأخيرة بتصنيف حركة هيئة أحرار الشام، التي كانت تعرف في السابق باسم جبهة النصرة وتربطها صلات بتنظيم القاعدة، باعتبارها جماعة إرهابية.

لكن لا يمكن لتركيا التخلي عن التعاون مع العديد من المجموعة المسلحة في سورية، فهذا سيعني ببساطة التخلي عن هدفها الطموح لتغيير النظام، غير أن النظام السوري لم يتغير، وبالنسبة لتركيا، أصبحت المشكلة الكردية أشد تعقيدا.

فالآن بعد أصبح تغيير النظام في سورية أمرا مستبعدا، خرجت أنقرة بخطة بديلة تقوم على تأسيس نفوذ طويل الأمد في سورية من خلال نشر العديد من المجموعات المسلحة داخل هذا البلد.

جزء آخر من الاستراتيجية التركية في سورية يكمن في كسب القلوب وعقول السكان في مناطق شمال سورية الخاضعة لسيطرتها، من خلال آليات بينها على سبيل المثال إنشاء المدارس.

لكن ليس من الواضح رغم ذلك إن كانت تركيا تملك من القوة الناعمة ما يكفي لإنشاء تركيبة سكانية موالية لها داخل سورية، أساليب كهذه تستغرق وقتا طويلا لتؤتي ثمارها، لكنها أيضا تحقق نتائجها بتكلفة عالية.

فالتكلفة المالية لعبت دورا كبيرا في إرهاق الاقتصاديات في تلك الدول المتورطة بقوة في الصراع السوري، وهي روسيا وإيران وتركيا.

على الأرجح، ستتحول استراتيجية تركيا لتحقيق نفوذ طويل الأمد في سورية إلى مصدر قلق بالنسبة لروسيا وإيران وقد تتسبب في المزيد من التكاليف الباهظة لأنقرة في المستقبل.

سيكون الأفضل بالنسبة لتركيا لو حذت حذو الولايات المتحدة باتخاذ موقف براغماتي وواقعي حيال سورية وهي تتطلع لمرحلة ما بعد الحرب هناك.

حينها سيكون النفوذ الأكبر في سورية بعد الحرب لصالح روسيا وإيران، وستركز الولايات المتحدة جهودها على أجندتها المعتادة بدعم الأكراد، وهم المجموعة الوحيدة التي تخدم المصالح الأميركية.

الولايات المتحدة، رغم التحذيرات التركية المتكررة، تواصل دعمها للأكراد وتسليحهم؛ وفي الفترة الأخيرة التقى جنرال أميركي مع أحد قادة أكراد سورية تضعه تركيا ضمن قائمة أكثر الأشخاص الذين تسعى للقبض عليهم.

الدعم الأميركي للأكراد مستمر أيضا في العراق، وعلى تركيا أن تتعلم من هذا درسا، فالدول تحتاج لتحالفات مع مجموعات كبرى، سواء عرقية أو سياسية أو طائفية، من أجل الحصول على نفوذ في دول أخرى، واستراتيجية كهذه لا يمكن أن تتحقق من خلال مجتمعات صغيرة مقسمة أو مجموعات مقاتلة.

نقلا عن موقع "أحوال تركية"

Qatalah