يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


تظل لعنات التاريخ تطارد الوالي العثماني  بيرقدار الذي قلب حياة الأكراد في شمال العراق إلى جحيم، رجم بيوتهم بطلقات المدافع، وعلق لهم المشانق، وقتل زعماءهم بلا محاكمة، وشق بمفرده نهرا من الدماء الكردية أنبتت ثورات لا تنتهي ضد المحتل العثماني.
إذا كان محمود الثاني الذي تولى عرش الدولة العثمانية عام 1808 قد فشل في بسط نفوذه الكامل على الولايات التي تخضع له مثل مصر واليونان إلا أنه نجح في بلاد الرافدين نتيجة تنوع الفرق وتناحرها في البلاد.
بداية من الإثنيات والطوائف الدينية ومرورا بالأكراد والتركمان والعرب وانتهاء بالإيزيديين والآشوريين، امتلأ شمال العراق بتشكيلة شديدة التنوع، في حين مارس بكوات وباشوات المماليك في الموصل وبغداد والبصرة سلطة مستقلة بعيدة عن إملاءات إسطنبول، في الوقت الذي كانت فيه إيران بمثابة شوكة في ظهر جميع القوى المحلية ولا تتوقف عن التدخل في شؤون البلاد، وحصلت بريطانيا أيضا على موضع لأنفها لتدسه في العراق من خلال رجالات الديبلوماسية والاستخبارات المنتشرين في المدن الرئيسة ممن مهدوا لاحتلال البلاد في الحرب العالمية الأولى.
بين الفرق المتخاصمة ضاعت وحدة البلاد، الأمر الذي ساعد الدولة العثمانية على أن تفرض سلطتها بقوة، التهم  محمود الثاني الولاة الذين خرجوا عن طاعته، فتخلص عام 1826 من آل الجليلي حكام الموصل قبل أن يجهز على باشوات بغداد من المماليك عام 1831، ومن أجل ضمان الولاء له، ابتعث رجالا من إسطنبول وعينهم حكاما على المدن.
أرسل السلطان إلى العراق حملة ضمت مجموعة من الوزراء والباشوات بقيادة محمد رشيد باشا الذي تولى الصدارة العظمى في إسطنبول لفترة قصيرة وحافظ باشا والي أرضروم، ثم لحق بهم علي رضا باشا والي بغداد الجديد وأينجة محمد باشا بيرقدار والي الموصل الذي ارتبط اسمه بالمذابح الأكثر دموية خاصة في شمال العراق وبالتحديد بين الأكراد.

مشانق الوالي العثماني للجميع
بتفويض من السلطان بات محمد باشا بيرقدار عام 1835 واليا على الموصل، بينما جاء اختياره بسبب قسوته ووحشيته وولعه بمشاهدة الرؤوس المقطوعة، وبمجرد أن تسلم منصبه نصب المشانق للسكان الأكراد في شمال العراق، ليستمتع بحفلات الموت الجماعي لمن وصفهم بـ "العصاة" من أهالي القرى التي رفضت الاحتلال العثماني. 
اتبع بيرقدار سياسة مالية متطرفة قامت على مصادرة أموال الجميع (مسلمين ومسيحيين ويهودا) وتشدد في جباية الضرائب من الفلاحين حتى أجبرهم  على الهروب الجماعي من أراضيهم، حتى تحولت الموصل وكردستان على يديه إلى صحراء جرداء بعد أن كانت تكتسي بالتلال الخضراء. 
لم يهتم الباشا بمواجهة مرض الطاعون الذي ضرب الموصل وشمال العراق وخلف عشرات الموتى، اكتفى بتأسيس مستشفى القشلة، وخصصها لمعالجة جنوده، والمتعاونين معه وترك الأكراد لأنياب المرض اللعين الذي لا يفرق بين الأطفال والكبار، وفرض التجنيد الإجباري على جميع أهل المدينة لمعالجة النقص في أعداد جنود الدولة الذين كانوا يقتلون أثناء هزائمهم الثقيلة في البلقان والقوقاز أمام روسيا والنمسا.

ثورة الأكراد ضد التجنيد العثماني 
رفض السكان تجنيد أبنائهم، فجاءهم الرد الفوري من الباشا بقصف المدينة بـ 20 مدفعا صوب فوهاتها على البيوت فصارت أنقاضا، سلب الأسواق، ونفذ حملة اعتقالات عشوائية قتل فيها زعماء المدينة بدون محاكمة على أمل إخماد الرفض الشعبي الكردي للتجنيد في مدن العمادية وراوندوز وتلعفر ومركز تجمع قبائل الشمر في الحرونة، والإيزيديين في سنجار، بعد أن رفض أهل العراق الزج بهم في حروب لا ناقة لهم فيها ولا جمل.
وكانت المواجهة الكبيرة التي خاضها بيرقدار باشا ضد القبائل الكردية التي ثارت على حكم العثمانيين بقيادة محمد ميركور الراوندوزي الذي قويت شوكته ووسع أراضيه حتى ماردين وأطراف الموصل بعد أن انفجر الأهالي من ظلم الوالي العثماني.
استولى محمد باشا على أماديا عاصمة إمارة بهدينان الكردية عام 1835، ليستدير نحو الأمير الكردي ميركور زعيم قبيلة صوران أقوى القادة المحليين شمال العراق وأوسعهم نفوذا، حيث ملك من مقره في مدينة راوندوز إمارة كردية امتدت من ماردين إلى أذربيجان، وفي سعيه للاستعداد للمواجهة المرتقبة ضد بيرقدار باشا، قام ميركور بعقد تحالفات واسعة مع التركمان وعرب الشمر لم تغنه في النهاية عن ملاقاة مصيره المحتوم على جيوش الاحتلال العثماني.
عمد بيرقدار باشا إلى تجهيز حملة عسكرية إلى راوندوز، وحتى لا تنقلب المسألة إلى صراع تركي كردي واسع النطاق كانت إسطنبول ستخرج منه دون انتصار إن لم يكن بخسائر فادحة، فإن بيرقدار انتهج سياسة فرق تسد، حيث أقنع مجموعات كردية متنافسة مع "ميركور" بالتعاون مع القوات العثمانية.
شرخ الباشا البناء الكردي وتمكن عام 1836 بالتعاون مع ولاة البصرة وبغداد حافظ باشا ومحمد رشيد باشا من إلحاق الهزيمة بأمير راوندوز وارتكاب مذبحة بشعة في حق أكراد المدينة، والتي أرسل ميركور في نهايتها إلى إسطنبول مكبلا بالحديد، في حين قرر العثمانيون إعادته إلى مسقط رأسه في وقت لاحق بعد أن دسوا له السم وهو في طريق الرجوع إلى راوندوز وتخلصوا منه ليتحول إلى بطل شعبي لدى الأكراد في القرن التاسع عشر.
بمجرد القضاء على الأمير الكردي استطاع الباشا العثماني الاستيلاء بسهولة على بوهتان مرتكبا مجموعة من المذابح ضد الأكراد، وعلق المشانق مجددا لهم كوسيلة ترويع وإجبارهم على الركوع لحكم العثمانيين، ومكافأة له على دمويته منح بيرقدار عام 1840 خلال عصر السلطان عبد المجيد الأول _ والذي خلف والده محمود الثاني _ حكم كل من أماديا وبوهتان ليصبح السيد الأول في شمال العراق ودون منازع حتى وفاته عام 1844.

الركوع أمام الغرب 
انقلب عنف الوالي العثماني إلى وداعة وخنوع أمام الإنجليز والفرنسيين إذ سمح لهم خلال ولايته التي استمرت تسع سنوات بالتنقيب على الآثار دون ضوابط، ففرط من لا يملك العراق لمن لا يستحق، إذ تم الكشف عن آثار الحضارة الآشورية العراقية في أطلال نينوي ومدينة سرجون القديمة، ونقلت التحف التي لا تقدر بثمن تحت سمع وبصر الوالي العثماني الجاهل إلى متاحف أوروبا، فيما شهدت الموصل نشاطا هائلا للبعثات التبشيرية للكنائس البروتستانتية والجزويت الفرنسية والإيطالية، بينما ساهمت المذابح التركية في نمو بطئ وفعال للهوية الكردية، فبرزت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر من خلال ثورات متكررة ضد الوجود العثماني.

المصادر:
هيرميس أبوونا، الآشوريون، الأكراد والعثمانيين
بروس ماسترس، دائرة معارف الإمبراطورية العثمانية

Qatalah