يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


يتفنن الرئيس التركي رجب إردوغان في التنكيل بمعارضيه، ويتوسع في بناء السجون لتسع الكم الهائل من المعتقلين الذين يزج بهم إلى الزنازين بتهم واهية وأحيانا مثيرة  للسخرية، ويشهد سجن سيليفري المسمى على اسم المدينة التابعة لإسطنبول على حال تركيا في ظل حكومة حزب العدالة والتنمية، إذ يتشابه مع سجن "الباستيل" في فرنسا الذي اندلعت منه شرارة الثورة في يوليو 1789.
تأسس السجن عام 2008 بعد سنوات قليلة من صعود حزب إردوغان إلى السلطة، ويعد الأحدث في تركيا والأكبر في قارة أوروبا، وتصاعدت شكاوى التعذيب في "سيليفري" عقب مسرحية الانقلاب، حتى الفتيات لم يسلمن من زبانية إردوغان إذ جرى تعذيب 29  فتاة من قبل الحراس.
أحدث وقائع التعذيب في السجن دهس مجموعة من الجنود بأحذيتهم المعتقل جيم أوزجان وسحله، عندما وجد الحراس دفترا يدون فيه أحد المعتقلين يومياته في مكان تجمع السجناء.
أخبر الحراس إدارة السجن بالأمر وصدرت تعليمات بالدخول إلى الزنازين للتفتيش، وبناء على الأوامر نكلت القوات بالسجناء وأخرجتهم من أماكن احتجازهم، تذمر جيم أوزجان ورفض تكبيل يديه، رد الحراس بسيل من الشتائم وهجم عليه ما يقرب من 20 فردا واعتدوا عليه بالضرب المبرح حتى تورم كل جسده وتكسرت أصابع يديه قبل تكبيله بالقوة.
صدمت زوجة جيم عندما ذهبت لزيارته وشاهدت آثار التعذيب، وأكدت أن المدعي العام رفض شكوى تقدمت بها بشأن ما حدث مع زوجها دون توضيح أسباب. 


تعذيب الأطفال

واقعة أخرى تكشف ما يعانيه سجناء "سيليفري"، فقد تعرض أوموت جون دوز التين، ومراد يوكسل، وموسى كورت، المتهمون بالانتماء لحزب التحرير الشعبي، للضرب المبرح من قبل ما يقرب من 30 حارسا.
قال موسى كورت ومراد يوكسل، إنهما منذ واقعة ضربهما لا يستطيعان الرؤية، بينما قال جانجيز التين والد المعتقل أوموت جون دوس التين، إن ابنه تورم جسده وتكسرت ضلوعه، مؤكدا إحضار قوات خاصة إلى السجن من أجل تعذيب المعتقلين.
جريدة جمهورييت التركية كشفت وقائع انتهاكات في قضية المعتقل أوموت جون دوس التين الذي لا يتعدى عمره 18 عاما، والذي قبض عليه بدعوى أنه عضو في  جبهة  حزب  التحرير  الشعبي، وأرسل إلى سجن مالتبه للأطفال، ثم نقل إلى "سيليفري".
يشرح جانجيز التين وقائع تعذيب ابنه "هجم  30 حارسا على الزنزانة وضربوا ابني واثنين من أصدقائه بحجة أنهم أغلقوا الكاميرات، وتم إحضار قوات خاصة من أجل تعذيبهم، وعندما أرسلوهم إلى المشفى التابع للسجن قال لهم الدكتور: أنتم ضربتم بعضكم البعض ولم يعتد عليكم أحد". 
أضاف التين: لم أستطع مقابلة إدارة السجن، ما أريد قوله إن هذه الدولة ليست دولة عدل.. نحن نريد إيصال أصواتنا إلى العالم، ما يحدث في السجون شيء خرافي لا تصدقه العقول.
حسب تقارير صحافية فإن الأطفال من نزلاء السجن يجدون صعوبة في النمو بسبب الزنازين المكتظة، حيث يصابون بالأمراض باستمرار ولا يتلقون الطعام المناسب ويتم منح الأم والطفل وجبة واحدة.
وتكشف قصة نور حياة يلماز، 28 عاما، ما تعانيه الأمهات وأطفالهن في سجون تركيا، إذ تم اعتقالها أثناء حملها وفقدت توأمها داخل "سليفيري" ولم تتسلم حتى الآن جثامين الطفلين.
وتضم سجون تركيا 560 رضيعا بسبب اعتقال أمهاتهم بتهمة المشاركة في مسرحية الانقلاب، كما بلغ عدد النساء المسجونات بموجب قرارات حالة الطوارئ 17 ألف امرأة، وفق الإحصائيات الرسمية.


التعذيب حسب الجنسية

الصحافي الألماني من أصل تركي دنيز يوجيل المتهم بعضوية حزب العمال الكردستاني قال إنه لا يزال في الحبس الانفرادي في سجن سيليفري غربي إسطنبول، مضيفا "الحبس الانفرادي تعذيب"، مشيرا إلى أنه يشاهد انتهاكات يومية ضد المسجونين إلا أنه لا يتعرض لها بسبب جنسيته الألمانية. 
وتشير تقارير حقوقية، إلى انتهاكات حقوق الإنسان في سيليفري، فيما لا يوجد صوت يعكس معاناة السجناء، حيث يتم استخدام القوة والعنف المفرط من قبل الحراس ضدهم، بينما يتعرض سجين الرأي إلى سلسلة من الانتهاكات الممنهجة فضلا عن مصادرة حقوقه الأساسية، ويجد السجناء صعوبة بالغة في الحصول على الرعاية الصحية.
تقول شفق باوي عضو البرلمان التركي عن حزب الشعب الجمهوري، في مقال بصحيفة نيويورك تايمز الأميركية، إن منصبها أجبرها على أن تصبح متخصصة في السجون بعد الاضطهاد الذي تقوم به حكومة العدالة والتنمية بحق العديد من السياسيين والنشطاء والمهنيين والمواطنين ممن يعارضون حكم إردوغان.
انتقدت "باوي" نظام الزيارات في السجون قائلة: "يعتمد وزير العدل تصاريح الزيارة بعد تقديم طلب يتضمن أسماء السجناء واقتراح مواعيد للزيارات، ومع تزايد أعداد المعتقلين في الفترة الأخيرة بشكل ملحوظ، وجب توخي الحذر من الخلط بين اسم السجين وموقعه، وإلا جرى إلغاء التصريح".
وتضيف أنها بدأت زيارة خمسة سجناء سياسيين عام 2011، والآن تزور أكثر من 50 معتقلا ممن يشكلون جزءا صغيرا من مجموع أسرى حكومة العدالة والتنمية، بينهم موسى كارت، رسام الكاريكاتير في جريدة جمهورييت، الذي تم سجنه في "سيليفري" مع 11 زميلا له بتهمة مساعدة حزب التحرير الشعبي.
يرى حقوقيون أن الاتهامات الموجهة ضد الكتاب والصحافيين المعتقلين تحمل طابعا هزليا، حيث شملت الأدلة الجنائية ضد أتيلا تاش، المغني وكاتب العمود المسجون في "سيليفري"، واحدة من تغريداته تقول: "لم يكن إديسون ليخترع المصباح الكهربائي إذا عاش هذه الأيام!"، وزعموا أنه رمز بذلك إلى حزب العدالة والتنمية، وأمرت المحكمة بإطلاق سراح "تاش" في أول جلسة استماع أواخر شهر مارس الماضي، ما نتج عنه إقالة القضاة من مناصبهم عقب المحاكمة وفي اليوم نفسه، أعيد اعتقاله مرة أخرى ولا يزال في السجن، ما كشف التدخل السافر من جانب نظام إردوغان في أحكام القضاء.
 
انتحار السجناء
يشهد السجن إجراءات أمنية مشددة، تقول باوي عضوة البرلمان التركي: نتعرض للتفتيش في جميع مراحل الدخول، بما في ذلك فحص بصمة العين، وتعتبر مرحلة الدخول الأصعب بالنسبة إليَ، بسبب أطرافي الصناعية إذ تُطلق صفيرا عاليا في أجهزة الأمن، ويُسمح لي فقط بحمل دفتر ملاحظات وقلم، ولا يسمح للسجناء بالكتابة في الدفتر أو مشاركة أية ملاحظات مكتوبة، دوري أن أنقل ما يودون إخباره لأقربائهم ومحاميهم فقط.
وتوضح "حتى حراس سيليفري ينتابهم الخوف والقلق، فإذا طلبت كوبا من الماء لن يعطوك إياه خوفا من اتهامهم بمساعدة المعارضين منذ أن تمت إقالة العديد منهم بعد مسرحية الانقلاب الفاشلة".
تتابع: لا يتم تحديد أعراض الأمراض داخل السجن من قبل الطبيب إنما من قبل وزارة العدل، ولكي يذهب السجناء لزيارة الطبيب، يتم شحن المرضى بأعداد كبيرة لمدة ساعات مضغوطين داخل شاحنة تقلهم إلى الطبيب وهم مكتوفو الأيدي وراء ظهورهم، وفي عام 2015 انتحر 43 سجينا وارتفع العدد عام 2016 إلى 66 وفقا لبيانات الحكومة.
تشير تقارير صحافية إلى عدم تمتع السجناء بأية خصوصية حتى في استخدام دورات المياه حيث تثبت كاميرات مراقبة مكبرة على أبواب الزنازين والنوافذ والأسرة وتتم مراقبتهم حتى أثناء نومهم، ولا يُسمح بتغطية النوافذ بأوراق الصحف أو حتى بوضع ستار.
وتضيف أنه على الرغم من الاعتقالات التعسفية ذات الأجل الطويل، التي قد يصل بعضها إلى 10 أشهر، لا يتم تجهيز قائمة الاتهامات لبدء المحاكمة، ويُسمح للسجناء بمقابلة محاميهم ساعة واحدة في الأسبوع، ولا يستطيع الكثير منهم تحمل تكاليف المحامين.
الجدير بالذكر أن منظمة العفو الدولية نددت بإساءة معاملة المعتقلين وتعذيبهم داخل السجون التركية، حيث يتم إجبارهم على الجثو على ركبتيهم ثم يُضربون بالعصي ويُحرمون من النوم حتى يوقّعوا على ورقة الاعترافات التي توضع أمامهم.

Qatalah