يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


لأنه مسلم مستنير وكردي، اشتد عداء النظام الحاكم في أنقرة تجاه رجل الدين الراحل بديع الزمان سعيد النورسي، وتفننت عصابة حزب العدالة والتنمية الحاكمة في الانتقام من هذا العالم الذي رحل عن دنيانا قبل 58 عاما، لا لشيء إلا لأنه يعد الأب الروحي لحركة الخدمة التي يتزعمها فتح الله غولن، ويعتبره الرئيس التركي رجب إردوغان عدوه الأول.
آخر حلقات هذه السلسلة تمثل في رفض دار الإفتاء طلبا للسماح بإحياء ذكرى النورسي بتلاوة المدائح النبوية في مسجد كوجا تبه بالعاصمة أنقرة،  وقالت صحيفة يني آسيا، الذراع الإعلامية لجماعة النور التي أسسها النورسي، إن مراسم إحياء ذكرى مولد النورسي كانت تقام رسميا بين عامي 1990 و 2000 ثم تم إيقافها، إلا أنها عادت مرة أخرى في 2014، لتتوقف ثانية في 2015 عقب تفجير أنقرة، قبل حظرها تماما في 2016 في أعقاب مسرحية الانقلاب الفاشل، وفي عام 2017 رفضت الحكومة إحياء الاحتفالات بسبب حالة الطوارئ التي فرضها الرئيس رجب إردوغان.
في العام الجاري، عادت دار الافتاء التركية لتجدد الرفض الرسمي لإحياء ذكرى مولد النورسي دون إبداء أسباب، في إجراء وصفته الصحيفة النورسية بـ"التعسفي".
 
 
حرية الصوفي تقلق المستبدين
 فتح الله غولن الخصم اللدود للرئيس التركي كان من مريدي الشيخ الصوفي بديع الزمان سعيد النورسي، ويرى بعض الباحثين أنه إذا كان النورسي يعد منظر التنوير الديني في تركيا، فإن غولن هو المهندس التنفيذي لأفكار النورسي والقائم على تطبيقها وتحقيقها على أرض الواقع. 
يعد النورسي أحد أعلام الإصلاح الديني والسياسي في تركيا خلال مرحلة أواخر الخلافة العثمانية ومرحلة الجمهورية الحديثة منذ نشوئها مع كمال أتاتورك في عام 1923 وحتى عام 1960. 
ولد النورسي في 1877 في ولاية بتليس شرق الأناضول لأسرة كردية، وتعرض خلال عهد عبد الحميد الثاني ومصطفى كمال أتاتورك لعمليات نفي واعتقال ومحاولة اغتيال، بسبب توجهاته الإصلاحية والرافضة للتمييز والمطالبة بحقوق الكرد.
انتقد النورسي نظام الحكم وسياسة الاستبداد في السلطنة العثمانية، مبينا أن لا استبداد في الإسلام ومشددا على ضرورة بسط العدالة على القضاء، ومال إلى جمعية الاتحاد والترقي لكونه من دعاة الحرية والشورى ورفض الاستبداد، وعندما اتضح له انحرافهم عن الدين ابتعد عنهم.
 
 
هلع من جثمان سعيد
يقول الكاتب إبراهيم سليم أبو حليوه في كتابه "بديع الزمان النورسي وتحديات عصره" إن النورسي لم يشارك في ثورة زعيم العشائر الكردية سعيد البيراني عام 1925 ضد حكومة أتاتورك، وقرر الرجوع إلى ولاية  وان حيث اختار العزلة والتأمل والتدريس، ورغم ذلك  اقتيد من ذلك الجبل إلى إسطنبول ليبدأ رحلة المنافي إلى بلدة بارلا عام 1926. 
 
 
واعتقل عدة مرات إلا أن المرة الأشهر كانت في عام 1943 حين اتهم بتكوين جمعية سرية ومحاولة قلب نظام الحكم. خرج من السجن بعد ستة أعوام، وبين خروجه من السجن ووفاته عام 1960 شهدت تركيا تطورات سياسية مهمة، بعد سيطرة الحزب الواحد على الحياة السياسية عقب الاستقلال، ولم يكن لدعاة الحرية مكان في تلك الفترة.
في عام 1950 عندما سمح بتشكيل الأحزاب، ساند النورسي الحزب الديموقراطي، الذي ترأسه عدنان مندرس وقال النورسي: إن سيطرة حزب الشعب الجمهوري المعارض على مقاليد الحكم تعني سيطرة القوى الشيوعية على البلد تحت ظل ذلك الحزب.
بقي اسم النورسي مطاردا رغم وفاته عام 1960، فبعد شهرين من الوفاة وقع انقلاب عسكري، أمر قادته بنقل رفاته من قبره في أورفة إلى جهة ظلت مجهولة إلى اليوم، ويبدو أن إردوغان يمضي في الطريق ذاته لمحو ذكرى الشيخ الذي نادى بالحرية والعدل.

Qatalah