يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


منذ أكثر من عامين، ازداد هلع رجب إردوغان من اسم خصمه فتح الله غولن، إلا أن هستيريا الرئيس التركي وصلت لدرجة مثيرة للسخرية، جعلته يقدم على تبديل أسماء شوارع أنقرة وإسطنبول، بينها 90 شارعا في إسطنبول وحدها، "قد تكون مرتبطة بجماعة غولن" على حد زعم إردوغان، وتضمنت التغييرات اسم الشارع الذي يضم مقر السفارة الأميركية في العاصمة التركية، ما اعتبرته وسائل إعلام أميركية مجرد رسائل رمزية "خائبة" تعكس ضعف وخيبة أمل الرئيس التركي بعد صفقة إطلاق القس أندرو برانسون، وظهور ضعفه أمام الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لكنها حذرت من أن تلك الرسائل قد تثير غضب واشنطن أيضا. 



رسائل رمزية مستفزة
تغيير اسم شارع سامانيولو، على سبيل المثال، لا يرجع إلى الخوف من اسمه الذي يعني "مجرة درب التبانة"، وإنما لأن إردوغان يخشى من ارتباطه بقناة تلفزيونية كانت تحمل الاسم ذاته وأغلقها، لاعتبارها تتلقى تمويلًا من رجل الدين المنفي.
وفقًا لصحيفة حرييت، تشمل التغييرات أسماء شوارع رئيسية في المدينة، فشارع سامانيولو أصبح "هرانت دينك" على اسم الصحافي التركي الأرمني، الذي قتل عام 2007، كما تغير إيسيك إلى أوغور مومشو الذي قتل في تفجير بالعاصمة أنقرة قبل 25 عاما.
وكلمة "إيسيك" تعني الضوء بالتركية، وهي دار نشر أصدرت كتبا لغولن، وشملت  التغييرات، وفق الإعلام الرسمي التركي، شوارع أخرى في مناطق مختلفة من إسطنبول، تحمل أسماء يعتبرها إردوغان ذات علاقة بعدوه اللدود "غولن".
اعتبر أعضاء في مجلس بلدية إسطنبول قرار تغيير الأسماء "يسهم في إرساء الأمن المجتمعي"، حسبما نقلت "حرييت"، إذ يدعي إردوغان تسخير غولن شبكة واسعة من المدارس والمنظمات الخيرية والشركات، التي أسستها وتديرها حركته في تركيا وخارجها على مدار عقود، لإنشاء "دولة موازية" تستهدف السيطرة على البلاد. فيما ارتبط غولن وحركته لسنوات طويلة بعلاقات قوية مع حزب العدالة والتنمية الحاكم، قبل تبدل الأوضاع، بعدما بدأ إردوغان يعبر عن غضبه من اتساع نفوذ أتباع غولن في الداخل والخارج.
وقد أصدر نظام إردوغان آلاف القرارات التعسفية ضد ضباط في الجيش والقضاء وموظفين في الخدمة المدنية والتعليم تم إيقافهم عن العمل، أو وضعوا قيد التحقيق، أو جرى سجنهم، عقب مسرحية الانقلاب، ضمن حملة عشوائية ضد خصومه بهدف تشديد قبضته على السلطة لا أكثر.



"مالكوم إكس يثير غضب واشنطن" 

صحيفة "صباح" التركية قالت إن بلدية أنقرة أصدرت، بيانا أول أمس، أعلنت فيه تغيير اسم شارع "1478" بالمنطقة المركزية، حيث مبنى السفارة الأميركية، إلى "مالكوم إكس" داعية الحقوق المدنية الأميركي الذي اغتيل على خلفية مطالبته بالمساواة بين البيض والسود في ستينيات القرن الماضي، وذلك فيما اعتبره المراقبون رسالة رمزية  ساذجة من قبل النظام التركي المحتقن من التجبر الأميركي، الذي أجبره على إطلاق سراح القس الأميركي أندرو برانسون.
كان إردوغان التقى ابنة مالكوم إكس إلياسة شهباز في سبتمبر الماضي، على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، وقال لها - وفق تصريحاتها - إن والدها "سيحيا في تركيا" على يديه. 
وتشير صحيفة إندبندنت البريطانية إلى أن "مالكوم إكس" كان يحمل اسم "غصن الزيتون"، وهو الاسم الذي أطلقته تركيا على عمليتها العسكرية الثانية في سورية - بعد عملية درع الفرات - واستهدفت "محو" الأكراد، كما عبر عن ذلك إردوغان كثيرا، وجاء تغيير "غصن الزيتون" ليعبر هو الآخر عن الخلاف التركي مع أميركا بشأن دعم واشنطن عسكريا لما يسمى وحدات حماية الشعب الكردية، التي يعتبرها إردوغان إرهابية.
وتوقعت شبكة "سي إن إن" الأميركية أن يثير تغيير اسم الشارع، الذي يقع فيه المبنى الجديد للسفارة الأميركية ويفتتح في عام 2020، استهجان الديبلوماسيين الأميركان ما فيه من إشارة رمزية تحمل دلالات غير مريحة، واعتبرته حركة مثيرة للخلاف بين البلدين، واستدلت بأن تغيير اسم الشارع سابقا إلى "غصن الزيتون" الذي يبدو لطيفا ويفيض بالسلام، هو في الحقيقة يثير الحنق الأميركي كثيرا، لأن العملية العسكرية التركية الأخيرة التي تعارضها واشنطن تحمل الاسم نفسه، فيما يعتبر إثارة لغضب أميركا.



مؤيد اغتيال الرئيس الأميركي

يرى بعض الأميركيين مالكوم ناشطًا حقوقيا ورجلًا مسلمًا دافع عن الأميركيين من أصل إفريقي وطالب بحقوقهم المدنية، فيما يذهب أميركيون كثيرون إلى أنه رجل عنف أثار الفرقة بينهم وأيد القتل والدماء، وقضى أكثر عمره متطرفا، حتى اغتيل شابا في عام 1965 ولم يتجاوز الـ 39 عاما.
تقول جريدة "إندبندنت" البريطانية في موقعها على شبكة الإنترنت، إن النظام التركي يستخدم الشوارع لتوجيه رسائل سياسية، وأن "مالكوم إكس" الذي أصبح مرتبطا بالسفارة الأميركية في أنقرة بات يعبر عن العلاقات المتدهورة بين واشنطن وأنقرة، وليس مجرد اسم عابر.
وأشارت الصحيفة إلى أن مالكوم أثار الكثير من الجدل في أميركا، فبينما يتلقى اسمه دعما ومدحا كبيرا لأنه كان مدافعا عن الحقوق والحريات وعن السود، حصل أيضا على كثير من النقد من الأميركيين باعتباره شخصا "راديكالي" أيد العنف (في إشارة إلى رفضه إدانة مقتل كيندي أو التزام الصمت).
وقد أثار مالكوم إكس الخلاف عقب اغتيال الرئيس الأميركي الـ 35 جون كيندي في عام 1962، بالتزامن مع تعيين مالكوم إمامًا قوميًا في منظمة أمة الإسلام، حيث أصدر وقتها إليجاه محمد مؤسس المنظمة ورئيسها أوامر لجميع الأئمة بعدم التعليق على مقتل كيندي، إلا أن مالكوم خالف القرار وخرج عن منظمته وأثار غضبا أميركيا لايزال يلاحقه بعد موته بأكثر من 50 عاما.
"سلاح كيندي ارتد إلى نحره، وحصد ما زرعه"، كانت هذه كلمات إكس التي أغضبت الأميركيين حتى غالبية أعضاء منظمته "أمة الإسلام"، وبأسرع مما توقع مالكوم نفسه جمدت عضويته في المنظمة، بعد نشوب خلافات داخلية لعدة أشهر، غادر مالكوم على إثرها  أميركا لأداء فريضة الحج، قبل أن يعود ويلقى المصير نفسه.

Qatalah