يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


الأدلة على تمويل تركيا للإرهابيين بالمال والسلاح في ليبيا باتت مفضوحة، أنقرة لا تكف عن إرسال شحنات الأسلحة إلى المجموعات المتطرفة التابعة لها لإغراق البلاد في بحور الدماء، واستمرار حالة الفوضى والصراع في مختلف المناطق، ما تسبب في إدانات دولية ضخمة، ومطالبات بتحقيق تشرف عليه الأمم المتحدة لوقف مسلسل التدمير والقتل. 
 
صحيفة واشنطن إكزامينر الأمريكية، كشفت في تقرير لها نشرته نهاية يناير الماضي، عن علاقة وطيدة بين دعم أنقرة لتنظيم القاعدة في سورية، وضبط جهاز الجمارك في ميناء مصراتة البحري في ليبيا قبل أسابيع شحنة أسلحة داخل إحدى الحاويات على متن باخرة قادمة من تركيا.
الحاوية كانت معبأة بعشرين ألف مسدس تركي الصنع من عيار 8 ملم، وضعت في أكثر من 550 صندوقا مخصصا لنقل الأسلحة والعتاد، وفق  مصادر أمنية.
لم تكن الشحنة هي الأولى التي تصل إلى ليبيا على متن بواخر قادمة من تركيا، ضبط أفراد الجمارك في مدينة الخمس شحنة مماثلة قبلها بنحو شهر، إضافة إلى شحنتين في مناطق خاضعة لسيطرة الميليشيات المسلحة.
وفي مطلع فبراير الجاري أعلنت السلطات الليبية عن ضبط أسلحة وذخيرة ومعدات عسكرية تركية، قبل دخولها إلى البلاد وتسليمها إلى الكيانات الإرهابية المدعومة من أنقرة، بهدف استمرار حالة الصراع والتوتر في البلاد.
 
موقع المرصد الليبي، قال إن الشحنة تتكون من 9 سيارات هجومية مصفحة مع مدرعات قتالية تركية الصنع، قادمة من أحد الموانئ التركية بدون أي مستندات أو جهة تسليم شرعية محددة في ليبيا كوزارة الدفاع أو الداخلية، ما يعني أنها موردة لصالح الميليشيات أو المجموعات المسلحة المجهولة.
تقارير إعلامية ليبية أكدت وصول سفينة محملة بـ 80 سيارة عسكرية مزودة بنظام حماية متطور من القذائف والألغام إلى ميناء الخمس البحري قادمة من تركيا.

تغذية الإرهاب 
عبد الله الثني رئيس الوزراء الليبي المعترف به دوليًا في ذلك الوقت، اتهم  أنقرة في فبراير 2015 بإرسال أسلحة للميليشيات وعناصرها من المتشددين الذين استولوا على العاصمة طرابلس قائلا: "إن تركيا بلد لا يتعامل بصدق معنا،"، مضيفًا للتلفزيون المصري: "إنها تصدر أسلحة لنا يقتل بها الليبيون بعضهم البعض".
التقارير المتعلقة بالتدخل التركي بدأت في الظهور منذ يناير 2013، صحيفة ''حرية'' التركية ذكرت أن السلطات اليونانية عثرت على أسلحة تركية على متن سفينة متجهة إلى ليبيا بعد توقفها في اليونان بسبب سوء الأحوال الجوية.
في ديسمبر من العام نفسه  كشفت الصحافة المصرية أن إدارة الجمارك اعترضت أربع حاويات من الأسلحة قادمة من تركيا وفي طريقها إلى الكيانات المتطرفة في ليبيا.
المشير خليفة حفتر قائد الجيش الليبي اتهم تركيا بدعم "الإرهاب" في يونيو 2014 طالبا من الأتراك مغادرة البلاد في ظرف 48 ساعة، وفي أغسطس من العام ذاته أمر حفتر قواته بقصف سفينة متجهة إلى ميناء درنة محملة بأسلحة قادمة من تركيا. 


في أواخر أكتوبر 2014 التقى المبعوث التركي في ليبيا، أمر الله إيشلر، علنا بحكومة الحاسي في طرابلس، ما لم تفعله دولة أخرى، معلنا  أن الخطوط الجوية التركية ستستأنف رحلاتها إلى مصراتة الخاضعة لسيطرة الميليشيات المسلحة، والتي يشكل المسلحون فيها المكون الأكبر في تنظيم "فجر ليبيا".
فجر ليبيا، تنظيم مسلح هاجم عام 2014 مطار طرابلس واستولى على العاصمة، يمتلك أسلحة ثقيلة بما فيها الطائرات تبسط نفوذها على معظم المدن الساحلية قبل أن تتمكن قوات حفتر من طردها.

وسائل إعلام تركية، قالت في نوفمبر 2014 إن السلطات اليونانية عثرت على 20 ألف قطعة كلاشينكوف (AK-47) على متن سفينة متجهة من أوكرانيا إلى ليبيا. 
الربان التركي زعم أن السفينة كانت متجهة إلى ميناء هطاي جنوبي تركيا، فيما أكدت السلطات الليبية أن بيانات حركة المرور البحرية أشارت إلى أنها كانت متجهة إلى ليبيا.
في الشهر التالي اعترضت السلطات الليبية باخرة كورية كانت في طريقها إلى مدينة مصراتة الساحلية المحاصرة، وفقًا لتقرير أعدته الصحافة اللبنانية قالت فيه إن السفينة  منطلقة من تركيا، ومحمّلة بحاويات الأسلحة والذخائر المتجهة إلى ميليشيات متطرفة، مسؤول بالجيش الليبي أوضح في يناير2015 أن تركيا تزود تنظيم فجر ليبيا بالأسلحة، ما يمثل انتهاكًا مباشرًا لحظر الأمم المتحدة على الأسلحة المفروض على البلاد منذ 2011.
"أنصار الشريعة"، إحدى الميليشيات الليبية المتطرفة، أكدت مصرع قائدها، محمد الزهاوي، بمستشفى تركية، حيث كان يتلقى علاجًا لـ" إصابة لحقت به في معارك بنغازى"، وأرسلت أنقرة جسده ليدفن في مصراتة.
المجموعة المسلحة المقربة من "تنظيم القاعدة"، كانت تتمركز في شرق ليبيا، ودخلت في مواجهات دموية مع قوات "الجيش الوطني" في بنغازي إلى أن تمكن الأخير من القضاء على وجودها في المنطقة.


2018 شهد منع السلطات اليونانية مرور سفينة محملة بالأسلحة والمتفجرات كانت في طريقها إلى ليبيا، فيما أشارت وسائل إعلام يونانية أن خفر السواحل تمكنوا من ضبط سفينة محملة بمواد تستخدم لصنع متفجرات.
السفينة التي كانت تحمل علم تنزانيا أخذت حمولتها من مينائي مرسين والإسكندرونة التركيين، حيث عثرت السلطات اليونانية على ما يقارب 29 حاوية تحتوي على مواد تستخدم لصناعة المتفجرات، ما يتعارض مع سياسات الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة اللذين فرضا حظرًا على بيع ونقل وتوريد الأسلحة إلى ليبيا منذ 2011.

المتحدث باسم الجيش الوطني الليبي، أحمد المسماري، اتهم تركيا بالتدخل في الشؤون الداخلية لبلاده ودعم المتطرفين، وقال في مؤتمر صحفي ببنغازي آنذاك: إن الجيش الوطني الليبي يخوض معركة شرسة ضد الإرهاب.
المسماري عرض صورا لإرهابيين قاتلوا في ليبيا وهم يتلقون العلاج في مستشفيات تركية "فخمة"، لافتا إلى وجود مؤامرة على القوى الوطنية في ليبيا تجلت في زيارة الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان الأخيرة إلى المنطقة.
إردوغان أجرى زيارات إلى مالي وموريتانيا أوائل عام 2018، ما فتح باب التساؤل حول أسبابها وتوقيتها، خاصة مع تزامن الزيارات مع زيادة وتيرة العمليات الإرهابية داخل ليبيا.
القوات الليبية تمكنت في ديسمبر 2018 من ضبط حمولات قادمة من ميناء مرسين التركي على أنها مواد بناء، وبتفتيشها تم العثور على شحنة كبيرة من الأسلحة والذخيرة التي أشارت المصادر الرسمية في مجلس النواب الليبي والجيش الوطني أنها كانت في طريقها إلى دعم الميليشيات الليبية في طرابلس.
صحيفة المرصد الليبية قالت إن حمولة السفينة التركية  التي أفرغتها في الميناء تضم حاويتين بحجم 40 قدما معبئة بأطنان من الأسلحة والذخائر القادمة من تركيا.
وأكدت مصلحة الجمارك في ميناء الخمس هذه المعلومات، وقال مسؤول بمصلحة الجمارك إن الأمن نجح في ضبط أسلحة في حاوية بحجم 40 قدما كانت على متن السفينة.
أضافت الصحيفة أنها اطلعت على وثيقة، "تتحفظ على نشرها حفاظا على سرية وسلامة المصادر"، تشير إلى أن " السفينة تحمل اسم BF ESPERANZA وترفع علم دولة أنتيغوا وباربودا".
الوثيقة ذكرت أن السفينة "أبحرت يوم 25 نوفمبر الماضي من ميناء مرسين جنوبي تركيا ومنه إلى عدة موانئ تركية أخرى حتى وصلت إلى ميناء إمبرلي في الشطر الأوروبي من إسطنبول إلى الغرب من مطار أتاتورك الدولي".
الشحنة تضمنت أكثر من مليوني "طلقة مسدس تركي من عيار 9 ملم"، ونحو 3 آلاف "مسدس من عيار 9 ملم و120 مسدس بيريتا و400 بندقية صيد، ليصبح إجمالي الطلقات على متن الحاويتين 4.8 مليون طلقة".
حسب الوثيقة التي اطلعت عليها صحيفة المرصد، فإن الشركتين اللتين استوردتا الحاويات إلى ليبيا هما: "السحب وناردين الحياة، ولا يعرف على وجه التحديد مُلّاكهما بسبب حجب إدارة السجل لمنظومة الشركات على الإنترنت"، لافتة إلى أن "الحمولة تركية المنشأ ومصنعة من قبل شركة zoraki للصناعات الحربية وشركة Retay للنظم الدفاعية".
القيادة العامة للجيش الليبي شددت  في بيان على ضرورة إحالة الأمر برمته إلى مجلس الأمن الدولي للتحقيق، خاصة أنها ليست المرة الأولى التي يتم فيها الكشف عن أسلحة تركية مهربة إلى الداخل الليبي.


إدانات دولية
تصدير الأسلحة إلى ليبيا أثار حفيظة المجتمع الدولي استنكرته بعثة الأمم المتحدة واعتبرته تعديًا على قرار مجلس الأمن الدولي القاضي بحظر استيراد وتصدير الأسلحة إلى البلاد.
الحدود الليبية الجزائرية شهدت حالة من الاستنفار الأمني، حيث قام رئيس أركان الجيش الجزائري الفريق أحمد فايد صالح بزيارة عمل إلى المنطقة العسكرية الرابعة المتاخمة للحدود، في محاولة لمنع وصول أذرع الإرهاب التركية إلى الجزائر.
القاهرة تبنت موقفًا متشددًا ضد الدور التركي في ليبيا مطلع 2018 بعد إعلان أثينا ضبط سفينة تحمل أسلحة كانت متجهة إلى مدينة مصراتة، دعت مصر إلى تحقيق دولي بشأن خرق الجانب التركي للقرارات الأممية التي تفرض حظرًا على تصدير الأسلحة إلى ليبيا خاصة قرار مجلس الأمن رقم 2292.
وزير الخارجية المصري سامح شكري في 12 فبراير الجاري وجه  انتقادات شديدة اللهجة، إلى إردوغان على هامش القمة الـ 32 للاتحاد الإفريقي في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا.
شكري وصف في مقابلة لمحطة "إكسترا نيوز": الدور الذي تلعبه تركيا في بعض الدول الإفريقية، خاصة ليبيا، بالمقلق محذرا من امتداده إلى دول أخرى في القارة السمراء.

فايز السراج رئيس حكومة الوفاق بطرابلس لدى استقبال وزير الخارجية التركي عبر عن انشغاله التام بمسألة الأسلحة التركية المضبوطة في ميناء الخمس البحري، وأعلن عن إجراء تحقيق محلي مشترك بين الجانبين التركي والليبي للوقوف على ملابسات الحادثة.
المشير خليفة حفتر قائد الجيش الليبي، اتهم  تركيا بتأجيج الفوضى في بلاده عبر دعم الميليشيات المسلحة بالعتاد لتقويض استقرار الدولة، داعيا إلى فتح تحقيق دولي للكشف عن الأطراف المتورطة في الدم الليبي من خلال إشعال الحرب وإطالة أمدها.

Qatalah