يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


الصمت، أو السجن، أو التأييد، ثلاثة خيارات مذلة يضعها الرئيس رجب طيب إردوغان أمام شعبه الذي قرر أن يحكمه بالحديد والنار في محاولة منه لإخفاء جرائمه التي تفضحها الوثائق يوما بعد آخر.

إردوغان هو حاكم برغماتي، نزع قلبه ووضع بدلا منه صخرة من جبل آرارات - أعلى قمة في تركيا -  وقتل ضميره ليستطيع أن ينفذ مخططاته الإرهابية دون أن يشعر بتأنيب، رجل عملي يؤمن بأن الوقت ليس في صالحه، وبالتالي لابد من الاستفادة من كل دقيقة تمر لبناء إمبراطوريته التي يحلم بأن تمتد رقعتها على مساحة شاسعة من الأراضي العربية بوصفه السلطان الأوحد على المسلمين.

ثلاث شاحنات
استهل إردوغان فترة رئاسته الأولى لتركيا بإرسال 3 شاحنات مُحملة بالأسلحة والذخيرة إلى المسلحين في سورية، وحتى يضمن مرورها خبأها تحت الأدوية داخل الصناديق المصنفة كمساعدات إنسانية، إلا أن الشرطة المحلية في منطقتي: أضنة، ولواء اسكندرون الحدوديتين استطاعت العثور على الشحنات الثلاث في 19 من يناير 2014.

كان من الممكن أن يتم التغطية على الجريمة الإرهابية ولا يعلم بها أحد، لكن الخبر وصل إلى جريدة "جمهوريت" المعارضة فسارعت بنشره في صباح 29 مايو2015 تحت عنوان: "هذه هي الأسلحة التي نفى إردوغان وجودها على متن الشاحنات".

ذكرت الصحيفة أن شاحنات جهاز الاستخبارات التي استوقفتها قوات الدرك كانت محملة بالسلاح وفي طريقها إلى المقاتلين بسورية، ودعمت التقرير بالصور التي أظهرت خروج صواريخ من الشاحنات، إضافة إلى قاذفات: آر بي جي وهاون، ومضاد طيران، فضلًا عن تداول مقطع فيديو لعملية التوقيف، واستخراج الذخائر منها. 

رد إردوغان 
بمجرد أن شاهد إردوغان الخبر قرر مصادرة الصحيفة وحذفه من الموقع الإلكتروني لها، وبرر الأمر بقوله :"إن الشاحنات الثلاث بالفعل تتبع جهاز المخابرات، لكنها كانت تنقل مساعدات إنسانية إلى التركمان"، مضيفا أن المدعين ليس لديهم سلطة لتفتيش المركبات، وأنهم جزء من الدولة الموازية التي يديرها غولن والتي تحرص على تشويه سمعة الحكومة".

وحتى يضمن الديكتاتور عدم تكرار مثل هذه الأمور المزعجة فيما بعد وجه تهم التجسس والعمالة لرئيس تحرير الصحيفة جان دوندار، قائلا: لقد رفعت دعوى قضائية. فهؤلاء شغلهم الشاغل تشويه سمعة تركيا. والشخص الذي تعمد نشر هذا الخبر تحت عنوان "خاص" سيدفع الثمن غاليا. ولن أتركه دون أن ينال عقابه.

اعتقال جان دوندار
الأتراك وحدهم يدركون أن تهديدات إردوغان ليست مجرد كلام في الهواء، ولكنها بمثابة رصاص من قناص ماكر يصيب أهدافه بدقة متناهية، ففي نوفمبر 2015 نشرت صحيفة " صباح " الموالية، خبرًا عن إصدار أمر باعتقال رئيس تحرير صحيفة "جمهورييت" جان دوندار ، على خلفية نشره تقارير عن توريد الحكومة التركية أسلحة لإرهابيي سورية.  

وفي مايو عام 2016، أدين دوندار بتهمة الحصول على معلومات سرية بغرض التجسس، وحكم عليه بالسجن 5 أعوام و10 أشهر، إلا أن محكمة استئناف ألغت الحكم مطلع مارس 2017، وقررت إعادة محاكمته من جديد بتهمة التجسس، والتي قد تصل العقوبة فيها إلى السجن 20 عاما، وفي أبريل 2018 أصدرت محكمة تركية نشرة حمراء بحق جان دوندار الذي استطاع الفرار بجلده إلى ألمانيا. 

تفاصيل العملية القذرة
أوضح دوندار في الخبر الصحافي الذي نشره أن الصور التي وصلت إليه كانت عن طريق نائب يساري هو بربر أوغلو، وبسماع التسجيلات الصوتية بينهما تبين محادثته مع أوغلو.

وقالت النيابة في مذكرة الادعاء، إن المكالمة الهاتفية استمرت 21 ثانية، يوم 27 مايو 2015 عند الساعة 14:32، مشيرة إلى أنه سلم دوندار الصور على ذاكرة تخزين رقمية.

حصانة بربر أوغلو لم تمنع عنه التنكيل والتشهير فسرعان ما وجهت إليه النيابة تهم مساعدة تنظيم إرهابي والتجسس على مصالح الدولة، ورفعت عنه الحصانة البرلمانية، وأصدرت المحكمة قرارها المجحف عليه بالسجن المؤبد، إلا أن العقوبة تم تخفيفها في درجات التقاضي إلى السجن 5 سنوات و10 أشهر.

 

مصير قوات الدرك
بقي الضلع الثالث في مثلث كشف الجريمة الإرهابية التي ارتكبها إردوغان، وهم قوات الدرك التي قامت بواجبها بتفتيش الصناديق واستخراج الأسلحة فقد أصدرت محكمة تركية في إسطنبول قرارا باعتقال 17 عسكريا من أصل 32 وإحالتهم إلى النيابة، ووجهت إليهم تهمة إيقاف شاحنات المخابرات المزعوم أنها كانت محملة بالأسلحة لإرسالها إلى المجموعات المتطرفة المقاتلة في سورية، والتي تم إيقافها وتفتيشها.

 

كما أصدرت محكمة الجنايات في بلدة طرسوس في محافظة مرسين جنوب تركيا قرارها باعتقال 4 مدعين عموم "سليمان باغرييانيك، أحمد كاراجا، عزيز تاكتشي وأوزجان شيشمان" مع العقيد أوزكان تشوكاي القائد السابق لقوات الدرك في مدينة أضنة على خلفية توقيفهم للشاحنات.

تعتيم إعلامي
وتضامنا مع صحيفة "جمهوريت" ورئيس تحريرها، أعادت عدة مواقع تركية نشر الخبر بالصور فتم ملاحقتها على الفور، وأصدرت محكمة تركية قرارًا بحجبها وعقاب من يديرها وحتى لا يظهر الخبر الذي يدين إردوغان مجددا أعلن المجلس الأعلى للإذاعة والتليفزيون (RTÜK) ومحكمة الصلح الجزائية قرارا بحظر نشر أو تداول أية أخبار مقروءة أو مسموعة أو على مواقع الإنترنت تتعلق بواقع شاحنات جهاز المخابرات الوطنية المحملة بالأسلحة.

تنديد محلي وعالمي
المتحدث الرسمي باسم الأمين العام للأمم المتحدة ستيفان دوجاريك، أكد أن المنظمة الدولية لا تقبل أن يتم إرسال أسلحة ومهمات عسكرية لأي طرف من الأطراف المتصارعة في سورية، مشيرا إلى أن المسؤولين الأتراك لم يستطيعوا تقديم أية معلومات للأمين العام حول الواقعة.

وهاجم الرئيس المشارك السابق لحزب الشعوب الديموقراطي، صلاح الدين دميرطاش، عمليات اعتقال المدعين العموم الذين تولوا توقيف الشاحنات وتفتيشها، موضحا أن إردوغان يفعل كل شيء من أجل الدخول في حرب سورية، وتمنى لو يخسر حزب العدالة والتنمية الحكم في تركيا حتى تتم محاكمته على الجرائم الإنسانية التي يقترفها بتسليح المجموعات الإرهابية في دمشق، ودعم العمليات الوحشية التي يرتكبها تنظيم داعش الإرهابي.

واستنكرت نقابة المحامين في تركيا بشدة قرار اعتقال المدعين العموم، مؤكدة أن حكومة حزب العدالة والتنمية تنتهك القانون انتهاكا صارخا، وأنه لم يحدث في تاريخ الجمهورية التركية اعتقال القضاة والمدعين العموم، إضافة إلى احتجاج نحو 50 من مؤسسات المجتمع المدني في أنقرة على انتهاك القوانين وحملة الاعتقالات، وخرج أعضاء هذه المنظمات في مسيرة تلبية لنداء رابطة القضاة والمدعين العموم ونقابة القضاة.

ووصف رئيس نقابة القضاة مصطفى كاراداغ العدالة بأنها باتت غائبة عن المحاكم بعد اعتقال القضاة والمدعين العموم، مؤكدا أن هذه الحكومة لا هم لها سوى ملاحقة من يكشف جرائمها.

ونشر الكاتب الصحافي الفرنسي لورينت ريتشارد، تقريرا مفصلا عن الشاحنات التابعة لجهاز الاستخبارات التركي، مؤكدا أن السلاح والمعدات العسكرية كانت مرسلة من نظام إردوغان إلى الجماعات الجهادية في سورية، وأن الدولة التركية سهلت عملية انتقال المجاهدين عبر أراضيها، مشيرا إلى أن المحققين والمدعين العامين ورجال الشرطة المحققين في الواقعة صدر في حقهم مذكرات اعتقال، مشددا على أنه لا أحد يجرؤ على الحديث في الموضوع.

ودعا النائب عن حزب الشعب الجمهوري، رضا تورمن، حكومة حزب العدالة والتنمية للاستقالة على خلفية نشر صحيفة جمهورييت التركية مقاطع فيديو تظهر الأسلحة والمعدات العسكرية المحملة في شاحنات تابعة لجهاز المخابرات التركي. وقدم نائب حزب الشعب الجمهوري، حسين ايجون، شكوى قضائية ضد إردوغان بتهمة الخيانة الوطنية. 

Qatalah