يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


كل شيء في تركيا قابل للبيع والشراء، لا يستثنى من ذلك شرف أداء الخدمة العسكرية، بعد أن صار الرئيس رجب إردوغان على أعتاب مقايضة الواجب الوطني بحفنة من الدولارات، يقدر عليها الأغنياء والمنتفعون من نظامه المستبد، ويعجز عنها السواد الأعظم من الشعب الفقير، الأمر الذي يعزز الانقسام الطبقي، ويوسع الهوة بين أطياف المجتمع.

مرر البرلمان التركي، الذي يستحوذ حزب العدالة والتنمية الحاكم وشريكه حزب الحركة القومية على أغلبيته الساحقة، في يوليو 2018، مشروع قانون يقلص الخدمة العسكرية الإلزامية للشباب إلى 21 يومًا مقابل 15 ألف ليرة، ما يعادل 2800 دولار، فضلًا عن إعفاء المقيمين في الخارج لمدة لا تقل عن 3 سنوات من أداء الواجب الوطني مقابل 1300 دولار.

المتاجرة بواجب
المتاجرة بشرف الجندية وقصرها على الفقراء وحدهم ليس جديدًا على إردوغان، بعد أن ضحى بدمائهم في سبيل أطماعه التوسعية الخبيثة في دول الجوار، حيث سقط 30 جنديا من جيشه قتلى وأصيب 500 آخرين في عملية غصن الزيتون التي استهدفت عفرين السورية في يناير 2018، بينما الأزمة الاقتصادية التي تأتي بسبب سياساته المتغطرسة تعصف بشعبه.

يتفق المراقبون على أن القانون يعد مناصرة للأغنياء، ويشيرون إلى أن عرض امتياز الإعفاء من أداء الخدمة العسكرية بمقابل مادي سيحدث شرخا كبيرا في بنية المجتمع التركي، بينما الرئيس إردوغان مستمر في تبرير أفعاله والترويج لها بحجة "المساهمة في تلبية احتياجات الجيش، والتحول إلى الدفاع التكنولوجي".

وطبقت تركيا قانون الإعفاء من الجندية بمقابل مادي 5 مرات، وكانت المرة الأولى عام 1987، عندما أعفت القوات المسلحة التركية 18 ألفًا و433 شخصًا ممن تخلفوا عن أداء الخدمة بعد تجاوزهم سن الـ40، ونص القانون على الإعفاء النهائي مقابل 5 آلاف و425 ماركا ألمانيا ، بإجمالي قيمة 100 مليون مارك.

في العام 2014، شرعت السلطات قانون الإعفاء من الخدمة العسكرية مقابل 8 آلاف ليرة، واستهدف القانون إغراء شريحة عريضة من الشباب التركي حتى 28 عامًا، ووصل عدد المنتفعين به آنذاك 611 ألف شاب، وجنت الحكومة بموجبه عائدات بلغت 3.6 مليار ليرة.

فيما جاءت آراء الأتراك على مواقع التواصل الاجتماعي ساخطة من تمرير القانون، وقال أحدهم ممن أدوا الخدمة العسكرية :"دفعنا البدل بدمائنا وأرواحنا، الخدمة العسكرية في هذا البلد للفقراء فقط"، وأضاف آخر "الغلابة هم من يؤدون الواجب الوطني، أما أصحاب الأموال فلا يعرفون عنها شيئًا".

شاب يبيع جمله
عرض شاب تركي جملًا للبيع على إحدى منصات البيع الإلكترونية مقابل 3300 يورو، حتى يتمكن من سداد رسوم الإعفاء من التجنيد، حسبما أفادت وكالة الأنباء الألمانية، وقال الشاب البالغ 28 عامًا في إعلانه "هذا جملي الحبيب، لكني مضطر لبيعه، فأنا بحاجة إلى النقود لإتمام مسألة الخدمة العسكرية".

اندفع إردوغان وحكومته لتبرير خفض سن الإعفاء إلى 25 سنة، وزعم أنه "سيفيد 5 ملايين شاب، وتصل القيمة المالية المرجوة منه إلى 16 مليار دولار، تستعمل في دعم الصناعات الدفاعية للجيش"، بينما الدين العام للبلاد يتجاوز الدخل القومي بنسبة 27%، بعد أن بلغت قيمته الإجمالية 3 تريليونات و947.9 مليار ليرة، فضلًا عن انهيار العملة المحلية أمام الدولار، وتراجعها بما يزيد على 27% من قيمتها.

Qatalah