يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


6 أكتوبر 2018 شركات تركية تواجه الإفلاس.. وكبار أنصار أردوغان يزدادون ثراء

خلال الساعات الثماني والأربعين الأخيرة، أشهرت أربع شركات تركية تعمل في مجال المقاولات منذ عقود، بل إن لإحداها نصف قرن من الخبرات، إفلاسها طلبا للحماية القانونية.

الشركات هي باليت للإنشاءات - التي تأسست قبل 52 عاما - وجيلان ونوح أوغلو، ولكل منهما ما يزيد على 30 عاما في هذا المجال، والشركة الرابعة هي نافيا.

كانت شركة باليت تعتمد بنسبة 90 بالمئة في عملها على المشاريع التي تطرحها الحكومة، والتي تساوي مجتمعة 600 مليون ليرة تركية (107 ملايين دولار).

في عام 2014، قدّم علي باباجان الذي قضى فترة طويلة في منصب نائب رئيس الوزراء وصفا واضحا مبسطا للفترة الصعبة التي واجهها قطاع الإنشاءات في تركيا عام 2014. كان هذا قبل رحيله عن حزب العدالة والتنمية الحاكم.

قال باباجان "إن لم ننتج شيئا، نحن بأنفسنا، وبدون أن نحقق أرباحا، فإننا سنستمر في استهلاك الديون التي نحصل عليها من الخارج لإنفاقها في مشاريع الإنشاءات الفخم والمراكز التجارية الضخمة والإسكان الفاخر.. سيودي هذا الأمر بتركيا في مشاكل، لن يمر وقت طويل قبل أن نشهد ذلك."

في الواقع، فإن النموذج الاقتصادي الذي يطرحه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وحكومة حزب العدالة والتنمية وقوامه الإنشاءات والعطاءات والرهن العقاري لم يكن يستند إلى شيء باستثناء توصيات قدمتها شركة ماكنزي الأميركية للاستشارات التي كلفت الأسبوع الماضي – وسط الكثير من الانتقادات - بالإشراف على الاقتصاد التركي.

في عام 2003، نشرت ماكنزي تقريرا عن الاستراتيجية الاقتصادية في تركيا حمل عنوان "تحقيق إنتاجية وطفرة في النمو"، وبدأت حكومة أردوغان في تطبيق توصيات الشركة اعتبارا من مارس في ذلك العام.

ارتفعت نسبة النمو بواقع 8.5 بالمئة خلال السنوات العشر التالية، وتضاعف الدخل القومي، وتوفرت وظائف لأكثر من ستة ملايين شخص.

كان قطاع الإنشاءات بمثابة العمود الفقري لاستراتيجية ماكنزي، التي أوصت بالتحرك سريعا لضخ أموال في الإنشاءات والبنية التحتية، وبصفة خاصة في سوق الإسكان، وتوفير سوق للرهن العقاري طويل الأمد وإنشاء هيئة وطنية مستقبلة لتنظيمها.

أوصت الشركة الأميركية كذلك الحكومة بإنشاء الآليات الضرورية لهذا النظام في قطاع البنوك، ووضع خطط ملائمة لتوفير الأراضي لمشاريع الإنشاءات المقبلة، وإزالة العوائق القانونية التي تحول دون إنشاء مراكز تجارية.

نفّذ حزب العدالة والتنمية الخطة بحذافيرها، لدرجة أن أردوغان نفسه أجبر على الإقرار بأن التوسع الهائل في الإنشاءات لم يترك أي مساحة خضراء في إسطنبول، باستثناء المدافن.

طُرحت مشاريع عامة، بينها ما وصفها الرئيس نفسه بأنها مشاريع "مجنونة" في قطاع البنية التحتية، في إطار يسمح للمقاول الذي ينفذ العمل بإدارته أيضا لفترة محددة، تضمن الحكومة خلالها مستوى معينا من الإيرادات، عادة ما تكون أكبر من الإيرادات التي تدرها المشاريع نفسها.

إن المحفزات الكبيرة التي منحتها الحكومة لشركات الإنشاءات التي تفوز بمناقصات لمشاريع عامة في ذلك الإطار الذي تم شرحه أعلاه تعني أن وزارة الخزانة ملزمة بسداد 35.5 مليار دولار لتلك الشركات على مدى السنوات العشرين أو الثلاثين المقبلة.

وفي الواقع، فإن تدافع شركات الإنشاءات العملاقة على إشهار الإفلاس وضمان الحماية القانونية لهو أوضح دليل على انهيار النموذج الذي قدمته شركة ماكنزي عام 2003.

حتى الشركات الأجنبية لم تسلم من انتقال عدوى المشاكل التركية، وبينها شركة أستالدي الإيطالية للإنشاءات، وهي شركة تعمل في المشاريع العامة التركية لكنها أجبرت على السعي لإشهار إفلاسها تحت وطأة الاضطرابات الهائلة التي تضرب الاقتصاد التركي هذا العام.

لقد سعت أستالدي لبيع حصتها البالغة 33 بالمئة في مشروع جسر السلطان سليم الأول في إسطنبول، لكنها لم تتمكن من ذلك فلجأت إلى روما للحصول على حماية ائتمانية شاملة من أجل تغطية ديونها حول العالم البالغة 2.3 مليار دولار.

لقد ضمنت وزارة الخزانة التركية لأستالدي، ومعها شريكتها التركية شركة إجتاس، دخلا يوميا على مدى عشر سنوات في مشروع الجسر، تساوي قيمة رسم المرور البالغة ثلاثة دولارات تضاف إليها الضريبة، بحساب 135 ألف مركبة.

وحين افتتح الجسر عام 2016، كان سعر صرف الليرة يساوي 2.95 مقابل الدولار، وبحساب الضريبة قفز هذا الرقم إلى 9.90 ليرة. ومنذ ذلك الوقت، تراجع سعر صرف الليرة إلى نحو ست ليرات مقابل الدولار.

حين تقدمت شركة أستالدي بطلب إشهار إفلاس، أبلغتها المحكمة في روما بأنها عاجزة عن العثور على مشتر لحصتها في الجسر التي خططت لبيعها من أجل سداد ديونها، وذلك بسبب الأزمة الاقتصادية الحاصلة في تركيا والانهيار الكبير في سعر الليرة.

في النهاية، اشترت مؤسسة جولدمان ساكس ديون الشركة الإيطالية البالغة قيمتها 2.3 مليار دولار. وسيتم وضع خطة تهدف للبدء في سداد الديون بحلول عام 2020.

أما وزارة الخزانة التركية فستستمر في سداد ملايين الدولارات على مدى السنوات العشر المقبلة في إطار الصفقة التي أبرمتها مع هذه الشركة المتعثرة.

لا يجب أن ننسى أن أستالدي هي جزء من عدد كبير من تحالفات الشركات التي تدين بمليارات الدولارات للبنوك التركية في صورة ديون تراكمت أثناء تنفيذ مشاريع إنشائية كالجسور والطرق ومستشفى إتليك سيتي في أنقرة التي تبلغ قيمة إنشائها 1.1 مليار ليرة، ومشروع آخر يضمن الحصول على إيرادات من وزارة الخزانة التركية.

وحتى لو انهار عدد كبير من الشركات مثل أستالدي، فإن حكومة أردوغان ستستمر في سداد المليارات - سواء باليورو أو الدولار - من أموال وزارة الخزانة طيلة عشرات السنوات، بفضل العقود التي أبرمتها الدولة لضمان إيرادات لشركات الإنشاءات لفترة طويلة.

لكن بينما يعيش قطاع الإنشاءات أزمة حادة ونشهد حالة إفلاس وراء الأخرى، فإن حفنة صغيرة من الشركات تحظى بالحماية في صورة مشاريع "مميزة" تساوي قيمتها الإجمالية أكثر من 35 مليار دولار يتم العمل فيها من خلال نموذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص الذي وضعه حزب العدالة والتنمية وأساليب منح العطاءات التي تضمن للشركات دخلا لفترة طويلة.

لقد ازدادت شركات مثل جنجيز للإنشاءات وليماك وكولين وكايلون، وكلها ترتبط بصلات مع أردوغان، ثراء بشكل واضح بفضل هذا النموذج، بعد أن عملت في مشاريع عامة تدر أرباحا كبيرة بينها المطار الثالث في إسطنبول.

هناك أيضا مجموعة قليلة من شركات الإنشاءات الأخرى وبينها رونيسانس وواي.دي.إيه وأتفكين وتركيلر حصلت على العشرات من المشاريع لإنشاء مستشفيات تساوي مليارات الدولارات.

بعبارة أخرى، فإن هذه الشركات تتمتع بوضع ممتاز في ظل وجود هذه المشاريع، حيث تضمن وزارة الخزانة التركية ديونها.

كما أن طرق عبور السيارات والمستشفيات والمطارات وغيرها من المشاريع التي ستتولى هذه الشركات إدارتها بعد إنشائها ستضمن لها دخلا بالدولار أو باليورو على مدى عشرين أو ثلاثين عاما تالية.

وبينما يضطر عدد كبير من شركات الإنشاءات التركية لإشهار الإفلاس مع انهيار سعر صرف الليرة وارتفاع نسب التضخم وتضاعف أسعار الإسمنت مرتين أو ثلاث، فإن المال الذي يواصل التدفق على هذه الشركات مع ضمان الحكومة لها دخلا بالعملات الأجنبية يزداد يوما بعد يوم، ويتسبب في مشاكل أكثر لوزارة الخزانة.

وبينما مرر أردوغان في سبتمبر الماضي تشريعا يحظر منح عقود بالعملات الأجنبية، فإن الحكومة تجاهلت دعوات المعارضة لتوسيع مظلة هذا التشريع ليشمل المقاولين المقربين من الرئيس والذين يحققون أرباحا ضخمة بفضل نموذج الدخل المضمون.

لعل هذا هو السبب الذي يجعل عمالقة الصناعة المقربين من الحكومة من أمثال مراد أولكر وفريد شاهينك وعلي جابانجي قادرين على العيش ببذخ وتبديل طائراتهم الخاصة القديمة بأخرى أحدث، فالكل يتمتع بالضمانات التي توفرها وزارة الخزانة التركية.

في الوقت نفسه، نجد ميثاد ينيجون رئيس اتحاد المقاولين الأتراك يقول في تعليقات لموقع "أحوال تركية" إن بقية الشركات في قطاع الإنشاءات بالبلاد قد تم دفعها إلى طريق المعاناة.

لقد توقعت شركات المقاولات من الحكومة اتخاذ إجراء لتخفيف المشاكل التي يعاني منها القطاع، خاصة فيما يتعلق بفروق الأسعار التي تسبب فيها انهيار سعر صرف الليرة.

منذ أكثر من عام وهذه الشركات تطالب بإصدار "مرسوم للتصفية" من أجل إنقاذ الشركات التي تنفذ أعمالا مع الحكومة من الإفلاس.

لكن الحكومة لم تتخذ أي خطوة في هذا الطريق، في الواقع، عجز كثيرون عن الحصول على مستحقات لهم في مشاريع تابعة للدولة.

قال ينيجون "أعضاء الاتحاد قاموا بتنفيذ أعمال في مشاريع حكومية في تركيا لم يتمكنوا من الحصول على مستحقاتهم عنها منذ فترة طويلة. لقد أوقفت الدولة والمؤسسات العامة سداد المستحقات.. المشكلة تتفاقم من الطرفين. إننا نتعرض لخسائر حقيقية بسبب تراجع قيمة الليرة وتأثيرات ذلك على الأسعار، وفي الوقت نفسه، لا نحصل على مستحقاتنا نظير ما نقوم به من أعمال."

عامل آخر أضاف إلى متاعب الشركات التركية المتعثرة، إذ يقول ينيجون إن ارتفاع سعر الفائدة البالغ 25 بالمئة وهو من بين الأعلى في العالم قد تسبب في عجز تلك الشركات عن الحصول على قروض تبقيها قادرة على مواصلة العمل.

لقد تسببت السياسات الخارجية وعدم الاستقرار والأزمات الدبلوماسية التي تشهدها المنطقة على مدى السنوات الأخيرة أيضا في مضاعفة المتاعب التي يعيشها هذا القطاع.

خلال الفترة من 2004 و2015، زاد دخل تركيا من عقود نُفذت في الخارج من ملياري دولار إلى نحو 30 مليارا، لكن ينيجون يقول إن حادث إسقاط طائرة عسكرية روسية في ذلك العام وكذا تراجع الأعمال بسبب الصراعات في كل من ليبيا والعراق وسوريا، قد تسبب في خسارة جزء كبير من هذا الدخل.

ورغم استئناف العلاقات الطيبة مع روسيا، لا يرجح لهذا الرقم أن يتجاوز 20 مليار دولار خلال العام الحالي.

ويقول ينيجون إن المساعي التركية لإيجاد أسواق بديلة في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى تواجه مصاعب هي الأخرى بسبب المشاكل المالية والمنافسة الشرسة من قبل الصين.

نقلا عن  موقع "أحوال تركية"

Qatalah