يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


عقول خاوية على عروشها، ونفوس تهيم عشقا بالجهل، وسلاطين كان القتل عندهم جزاء سنمار الدائم بحق العلماء. 
كلما توسع العثمانيون في احتلال الأراضي والبلدان،  ضاقت صدورهم بالعلم وأهله، حتى تحولت حياة العلماء في ظلامهم إلى جحيم، وكان مصير غالبيتهم القتل رميا بالرصاص.
أربعة مشاهد تلخص مأساة العلماء في عهد آل عثمان الذين فرضوا جهلهم على المشرق العربي كله، فضلا عن الأناضول وشرق أوروبا، وعملوا بكل إخلاص لمحو آثار الحضارة والتفوق العلمي الذي صنعه العرب طوال عشرة قرون: تحويل مرصد إسطنبول إلى وكر شعوذة وقراءة الطالع، و تحريم الطباعة ومحاربتها 400 عام، وتحريم فنون التصوير وآلاته على الشعب وترخيصه لحريم السلطان وحاشيته فقط، لكن المشهد الأهم كان مطاردة العلماء وإعدامهم في محاكمات هزلية، خوفا من نشر النور في خلافة الظلام.
 
سطع نجم العالم الدمشقي تقي الدين بن معروف، الذي رحل من القاهرة إلى إسطنبول، فرشحه معلم السلطان عام 1571 لمنصب رئيس الفلكيين "منجم باشا"، ثم عرض على السلطان مراد الثالث إنشاء مرصد إسطنبول ليحاكي مرصد يورانيبورغ، وقدم إليه تقريرا حول أخطاء الحسابات الفلكية وقتها، وطالبه برعاية العلماء والأبحاث الجديدة، لمواصلة إنجازات العرب السابقة في هذا المجال، لكن صدمة تقي الدين كانت كبيرة، حيث سخر السلطان من كلامه، وأمره أن يقتصر المرصد على أعمال التنجيم وقراءة الطالع لرجال وحريم القصر.
 
نسف خدام التضليل كتب التنوير وأرسوا الرق والجاهلية، على الرغم من أنهم كانوا على علم كامل بتقنية الطباعة منذ اختراعها في مدينة ماينز الألمانية على يد يوهانس غوتنبرغ عام 1439، فلم تجد الطباعة موطئ قدم في دولة العثمانيين قبل عام 1494، عندما أقحم يهود السفارديم، الذين طردتهم إسبانيا، مطابعهم على أرض المهجر الجديد، وأقاموها في أماكن تجمعاتهم بين إسطنبول وسالونيك وإزمير و أدرنة، لكن التحريم العثماني باستخدام الطباعة حرم المسلمين والعرب من الاستفادة من التكنولوجيا العصرية الوافدة حتى سقوط دولتهم.
 
يذكر أحمد صدقي شقيرات في كتابه "تاريخ مؤسسة شيوخ الإسلام في العصر العثماني" أن علماء إسطنبول كانوا يحرمون التصوير على الجميع، إلا أن شيخ الإسلام أبو السعود أفندي أفتى بحلها للسلاطين فقط بشرط "أن لا تكون الصورة كبيرة"، ليظل رجال الدين الأتراك حصنا منيعا أمام انتشار الفن والحداثة والتطور، وغطاء لانتشار الغموض والجريمة.
 
شكوى كيدية، فمحاكمة، فإعدام..كانت هذه طريقة السلاطين العثمانيين في التخلص من العلماء، جرت مقاضاة محارب التخلف الملا لطفي أمام العلماء الذين تقدموا بشكوى ضده، ومع أنه رد جميع الاتهامات حول انحرافه عن صحيح الدين، صدر الحكم بإعدامه، بعد شهادات الزور التي تقدم بها الشاكون وعلى رأسهم شيخ الإسلام. وبالفعل تم إعدامه في ساحة "آط ميداني" عام 1494، وعلق رأسه على باب قصره ليكون عبرة لطلاب العلم والخلاص من جهل آل عثمان.. وهو المصير ذاته الذي لقيه عالم الفيزياء بيري ريس الذي اتهمه شيوخ السلطان بالجنون لأن أبحاثه قادته للقول بكروية الأرض ووجود قارات غير مكتشفة، في مصير مؤلم طال أول صانع للصواريخ حسن لاغاري، الذي نجح في أول تجربة طيران وهبوط مظلي في العصر الحديث.

Qatalah