يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


بينما يرتع سلاطين آل عثمان في أحضان الجواري، كانت الخادمات تتسللن جاثيات إلى غرف الجنس السلطانية لإضاءتها بالشموع، أسندت تلك المهمة لإماء سوداوات طاعنات لضمان عدم إزعاج صاحب الحضرة في لياليه الحمراء.

"سلاطين يأكلون السحت من الرشاوى والبقشيش، سلطانات تحكمن الدولة وتترأسن الديوان، ودراويش يعبدون المشايخ والأولياء"، هكذا وصف سفير البندقية أتفيانو بون أوضاع إسطنبول عاصمة العثمانيين في مطلع القرن الـ17.
بون وثق مسيرته في إسطنبول البالغة 4 سنوات في كتابه "سراي السلطان"، رصد فيه انحلال العثمانيين، وميلهم إلى استعباد الجميع: أطفال ونساء وشيوخ، ووصف طقوس السلاطين في أحضان الجاريات داخل الحرملك.

بخشيش سلطاني
سفراء البندقية قدموا العديد من الرشاوى السياسية لبناء علاقات قوية مع العثمانيين تمكنهم من تسريع مهامهم، شملت الصدر الأعظم وقادة الجيش وشيخ الإسلام والرئيس أفندي والبستنجي باشي والجاويش باشي وآغا الحريم والمترجمين وغيرهم.

بون لاحظ فعالية الرشى وقدرتها على تيسير المهام وإزالة العراقيل واستقصاء المعلومات، ولم يكن التركي يتحرج من قبولها، بل كان يتبجح في طلبها، مثلما طالب الصدر الأعظم إبراهيم باشا سفير البندقية جوفاني إيمو بجلب أنواع من الأقمشة الفاخرة.

أكد أن السلاطين فرضوا على السفراء الأجانب رشاوى كبيرة، أصدروا تسعيرة لإنجاز المهام، وقدموا المال لضمان الحظوة عند السلطان، فيما أسرف السفراء والقناصل في منح الهدايا لكبار المسؤولين وعدم قصرها على السلاطين والصدور العظام.
الرجل رصد ظاهرة الامتيازات المادية والعينية التي منحها السلاطين لممثلي الدول الأوروبية، إذ تكفلوا بجميع نفقات السفراء والقناصل في إسطنبول، فصرفوا لهم اللحوم والدواجن والقمح والحبوب، وهو إحسان ونعيم لم تمنحه السلطنة لرعاياها.

السلاطين كدسوا الثروات، ورثوا عن أجدادهم تلالا من الذهب والمجوهرات، تولى الإشراف عليها الخزندار باشي، يقول السفير بون :"ادخر السلاطين جميع الضرائب والإتاوات والبقشيش والرشاوى، وكان والي مصر يرسل 600 ألف دينار ذهبي سنويا".
اكتنزوا كذلك الأثاث وأقمشة الحرير والصوف والجلود والسيوف وريش النعام، ويشير بون في كتابه إلى أن "حصيلة الرشاوى المقدمة للسلطان لقاء تعيين الولاة والقضاة كانت تنتهي إلى الخزائن، فضلا عن إيرادات السلب والنهب دون وجه حق من الأسواق".

الليالي الحمراء
بون زار جناح الحرملك في قصر طوب قابي، أجرى حوارا مع أغا الحريم الذي أبلغه أن "الجناح يضم ألفي جارية وأمة ومخصي"، مؤكدا أن أحمد الثالث استخلص لنفسه 300 جارية أوروبية شابه للسهر في أحضانهن بعد تدريبهن على العزف والرقص.

الكتاب تطرق إلى عادة السلاطين في اختيار شريكات الليالي الحمراء، فوضعوا بروتوكولا لتنظيم العملية، يقضي بأن تقوم رئيسة الجواري بتزيين جميلات القصر وصفهن في طابور طويل، فيتقدم السلطان لاختيار الحسناء المبتغاة، بإلقاء منديل في يدها.

رئيسة الجواري "القادين" كانت تعمد إلى تزيين الجارية المختارة وتطييب رائحتها بأزكى العطور، قبل إرسالها إلى الغرفة السلطانية في جناح الحريم لإمتاع السلطان، وكان يطلق على كل من تحبل من السلطان لقب "خاصكي سلطان" أي السلطانة الملكة.
بون قدم الرشى إلى رئيسة الخدم في القصر للتعرف على حكايات السلاطين في أحضان الجاريات، وعرف منها أنها كانت تخصص خادمات سوداوات لضمان عدم ظهورهن أمام السلطان أثناء المناوبة كل 3 ساعات لإضاءة غرفة الجنس السلطانية بالشموع.

السفير البندقي رصد نبذ العثمانيين للزواج الشرعي، وشغفهم بمعاشرة الجواري، وقابل شيخ الإسلام مصطفى صنع الله الاسكليبي الرومي، وسأله: "لماذا ترك السلاطين الزواج الرسمي؟"، فأجابه بأن السبب يرجع لحرصهم على التهرب من راتب النفقة السنوي.

عبيد الدوشرمة
السفير البندقي رصد تاريخ فرق الإنكشارية مطلع القرن الـ17، وسجل مشاهد الألم والأسى التي انتابت الأسر المسيحية في البلقان على يد جباة ضريبة الدوشرمة بخطف الأطفال، واقتيادهم سيرا على الأقدام إلى إسطنبول.

بون أطلق على رحلة أطفال الضريبة اسم "رحلة الموت"، حيث عانوا خلالها أهوال الجوع والمرض والاعتداء الجسدي وهم مكبلون من أيديهم، ما أسفر عن وفاة الكثير منهم قبل الوصول إلى عاصمة السلطنة.

موظفو القصر انتقوا أفضل شباب البلقان جسديا وأكثرهم جمالا للعمل في خدمة قصر طوب قابي سراي، وأطلقوا عليهم "عجم أوغلان"، وبلغ عددهم 700 شاب وتراوحت أعمارهم بين 10 و30 عاما.
جباة الدوشرمة أرسلوا عشر الأطفال المخطوفين إلى إسطنبول، وكان الصدر الأعظم يعقد مجلسا بحضور كبار موظفي السراي لاختيار أفضلهم، ثم إدخالهم إلى البستنجي باشي لإجبارهم على اعتناق الإسلام.

الصدر الأعظم سخر بعض الأطفال المنبوذين لخدمة الحدائق والقصور، وأهدى بعضهم إلى الباشاوات وكبار مسؤولي القصر لخدمتهم والعمل في المزارع والإسطبلات والمطابخ وغيرها من الأدوار الوضيعة.
"عجمي أوغلان" لم ينعموا بوضع أفضل من أخوتهم لدى الباشوات، بل خضعوا لنفوذ الخصيان، عاملوهم بقسوة وخشونة، حتى عرف عن أفراد العجمي أوغلان أنهم الرجال الأكثر ذلا وصبرا، فضلا عن إخصاء بعضهم لخدمة الحرملك.

نخاسة إسطنبول
السفير وثق في كتابه ظاهرة شراء الجواري من سوق العبيد في إسطنبول واتخاذهن بدائل للزوجات، وكان يوجد في العاصمة سوق للنخاسة من جميع الجنسيات يعقد كل أربعاء، وكان البيع يتم بالمزاد العلني.

بون يقول عن تجواله في أحد أسواق النخاسة: "بيعت الجواري والإماء كالدواب، كانوا يتحسسون أجسادهن العارية، دون أي اعتبار للكرامة والشرف، ويوجد في سوق العبيد موظف مهمته تحصيل الضرائب على صفقات البيع".

رصد تحكم دراويش البكتاشية في الحياة المدنية والدينية في إسطنبول، بقوله: "ثمة أناس يعيشون خلاف المألوف، ويدعون بالدراويش، يلبسون على نحو رث، ويضعون على رؤوسهم القبعات، ويقتاتون بالتسول، ويروجون بدعا في العقيدة".

تطرق إلى انحراف النساء في إسطنبول وعموم تركيا، قائلا: "كن تتظاهرن بتجنب الغرباء، تمكثن في أجنحة مستقلة، وتخرجن منتقبات، والحقيقة أنهن شديدات الميل إلى الشهوات والخيانة، شجعهم على ذلك إلغاء أحكام الزنا".

المصادر :

1 - أتفيانو بون: سراي السلطان

Qatalah