يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


"شيخ الإسلام" منصب اخترعه العثمانيون لبسط سطوتهم العسكرية والسياسية على الدول التي احتلتها جيوشهم باسم الدين، فكانت أولى جرائمه تشويه الإسلام نفسه.
لم يكن هذا اللقب معروفا، قبل تدشينه رسميا في بلاط الحكم في إسطنبول، إلا على سبيل المجاملة في كتابات بعض الفقهاء وعلماء الدين المتأخرين في العصر المملوكي، وعلى سبيل المجاملة أو التعصب لفقيه بعينه.
شيخ الإسلام في تركيا كان أشد وبالاً على الإسلام والمسلمين، في كل الدول التي احتلتها تركيا وحولت حياة شعوبها إلى جحيم وأيام سوداء مظلمة، فلم تكن منظومة الإفتاء العثمانية ورئيسها الأعلى "شيخ الإسلام" بمعزل عن سطوة السلاطين وألعاب الساسة والنساء، فكان أول من أسند السلطان عثمان الأول إليه هذا اللقب هو الشيخ "إده بالي" في العام 1325، فأورث الذل للمنصب الذي ظل أسير نزوات السلطان، وكل سلطان من بعده حتى النصف الأول من القرن الـ 15، عندما أصبح "شيخ الإسلام" ركنا وشريكا في  الاستبداد التركي في المنطقة كلها.
أطماع السلاطين التوسعية فرضت عليهم خلق منصب يضفي الشرعية على جرائمهم، فوضع مراد الثاني خطة لـ"تأميم الدين"، ولكي يصبح، هو نفسه، متحدثا باسم الله، عين الشيخ شمس الدين الفناري كأول فقيه للخلافة وشيخا للإسلام، على الطريقة العثمانية في العام 1425، ويقول الصدر الأعظم لطفي باشا في العام 1560 إن "شيخ الإسلام أبو السعود أفندي لم يملك علما أو فقها يعادل ما بلغه من شهرة".
تمكن العثمانيون من بناء مرجعيتهم التشريعية الخاصة بالمال والمصالح المشتركة، فارتبط شيخ الإسلام بمنظومة الفساد العثماني، عندما حدد سليمان القانوني صلاحيات شيخ الإسلام وجعله رئيس هيئة العلماء، وأعطاه نفوذا غير محدود على الرعية، وأجاز له فرض الغرامات وتحصيل الإتاوات، واختصه السلطان بحصة من غنائم الحروب، كما منحه الجواري والغلمان، فانغمس أصحاب هذا المنصب في مكائد جمع الأموال ونبذوا الزهد الإسلامي وتحولوا إلى أثرياء و"أهانوا اللقب الشريف" كما يقول أكرم كيدو في كتابه "مؤسسة شيخ الإسلام في الدولة العثمانية".
لعب شيخ الإسلام دور "راعي الشريعة" في السلطنة، فسن التشريعات الوضعية للدولة فيما عرف باسم "قانون نامه"، بما يفترض أنه من وحي الأحكام الشرعية، ووضع بروتوكولات لاستصدار الفتاوى السلطانية التي كان يطلبها السلطان وفق الحاجة، فيرد عليها بالموافقة بعد اتصالات غير رسمية مع السلطة للاتفاق على صيغتها النهائية، بما يخدم مآرب السلطان ويظهرها أمام العامة بأنها "مطابقة لأحكام القرآن والسنة".
وجد العثمانيون المخرج الديني لكثير من معضلات الحكم لدى شيخ الإسلام، الذي لم يتورع يوما عن تسييس الفتوى لخدمة مصالح السلطان وحاشيته، فأطلق على سليم الأول لقب "خليفة المسلمين" بعد حروبه مع المماليك، تلك التي أضفى عليها قدسية خاصة، ليخلص أخيرا إلى الفتوى بأن "طاعة السلطان جزء من الدين، والخارج عليه مارق من الإسلام". 

فتوى "البغي".. سلاطين ساروا على رقاب إخوتهم
كثيرا ما أفتى شيخ الإسلام - في ثوبه العثماني- بقتل الإخوة والأبناء، لحسم تنازع عائلي على العرش لصالح الأقرب أو من يدفع من الأمراء. استغل محمد الثاني "الفاتح" تلك الفتاوى ودبر مؤامرات ضد اثنين من إخوته بعد أن خلصت إليهما الولاية، وتمكن أخيرا من قتلهما بعد أن استصدر فتوى من شيخ الإسلام فخر الدين عجمي أهدرت دماءهما تحت اسم "حد البغي"، وهي الفتوى التي رسمت طريق سلاطين الدولة على رقاب المعارضين، وجاء فيها: "إن قتل الأخ والابن جائز للسلطان لأجل المصلحة العامة وحفظ النظام".
أصبح شيخ الإسلام أداة طيعة في يد السلطان وبلاط القصر لتبرير جميع الإجراءات الشائكة، وصار الانقلاب على السلطان الحاكم عادة "يرضاها الله ورسوله" بفتواه القاتلة، فأفتى أحدهم بعزل 4 سلاطين بناء على طلب سيدات القصر "الحرملك"، وساعد آخر عثمان الثاني في خلع عمه مصطفى، فكافأه على فتواه بتزويجه من ابنته، الأمر الذي تكرر مرات في عصر سلطنة الحرملك.

ذبح 40 ألف مواطن بفتاوى الاضطهاد الديني 
أصدرت مشيخة الإسلام العثمانية عشرات الأحكام لاضطهاد الأقليات العرقية والدينية، فأصدر أحدهم فتوى للسلطان سليم الأول تبيح قتل القبائل الشيعية المجاورة للدولة الصفوية، فاتخذها فرصة وسفك دماء 40 ألف شيعي، كما أفتى بإكراه رعايا الدولة المسيحيين على اعتناق الإسلام وقتل المعترضين، وصار هذا الأمر تقليدا عثمانيا، كل واقعة اضطهاد تصاحبها فتوى شرعية.
أضفت المشيخة مشروعية على كل حروب العثمانيين، فكان السلطان كلما عزم على الخروج لمعركة لجأ إلى المفتي الأكبر لحمله على الإفتاء بأن "أهداف الحرب لا تتعارض مع الدين، القول إن أسبابها القوية "تعانق الشريعة الإسلامية"، إلى جانب بث الوعاظ في أرجاء الدولة لإيهام الرعية بأن "الحرب القادمة هي حرب الدين ضد أعداء خليفة المسلمين"، ومناشدتهم "الوقوف صفا واحدا مع جيش الإسلام في معركته".
هزائم العثمانيين تكفلت بإظهار الوجه المتناقض لمشيخة الإسلام، وفي كل مرة كانت تضطر الدولة إلى عقد معاهدات استسلام لم تكن مؤسسة الإفتاء تتورع عن تبريرها، مثلما حدث في معاهدة أدرنة العام 1829، عندما تجرع محمود الثاني مرارة الهزيمة على يد الروس، واعترف باستقلال اليونان تحت حمايتهم، وتنازل لهم عن الأفلاق والبغدان، وحاول تبييض وجهه باستصدار فتوى من شيخ الإسلام تبرر موقفه المتخاذل.

نقاط ضعف وخلل
بمرور الوقت، تحول شيخ الإسلام من جهة رقابة أخلاقية على الساسة والحكام، إلى نقطة ضعف الدولة القاتلة، ما جعله محل هجوم الكثيرين ممن  نادوا بدعوات الإصلاح السياسي في القرن الـ17، مثل دعوة قوجيه بك التي وجهها للسلطان مراد الرابع في العام 1630، وجاء فيها جملة من الملاحظات الكاشفة لوضع تلك المؤسسة وما أصابها من خلل، ليصرح أمام الناس بـ"ضياع هيبة المشيخة، وانحراف الشريعة، وانطفاء نور العلم، وتسليع مناصب القضاء".
وفي إشارة إلى تحجرهم، أفتى شيخ الإسلام بعزل السلطان سليم الثالث العام 1807، لأنه أعاد تنظيم الجيش وفق الأساليب الأوروبية، قائلا: "كل سلطان يدخل أنظمة الفرنجة وعوائدهم ويجبر الرعية على اتباعها لا يكون صالحا للملك"، على الرغم من أن تلك التحديثات انعكست إيجابيا على قدرات الجيش وقتها.
اللافت أنه تم للمشيخة ما أرادت بعزل السلطان وقتله على يد الإنكشارية الذين وقفوا، بدافع المصالح الشخصية، في وجه كل محاولة لإصلاح الجيش وتطوير نظامه وأسلحته.
أدى هذا الانقسام والفوضى إلى تراجع شرعية شيخ الإسلام أمام أصحاب النفوذ والوزراء في الدولة، وفي العام 1655 فجرت الإنكشارية والسباهية ثورة كان مطلبها الأول عزل وإعدام شيخ الإسلام، وفي العام 1703 اندلعت انتفاضة شعبية في إسطنبول ضد شيخ الإسلام بسبب احتكاره الوظائف العليا لعائلته، وأدت تلك الانتفاضة إلى عزل الشيخ ثم إعدامه.
حرصت جماعة الاتحاد والترقي، بعد أن آلت إليها السلطة عقب انقلاب 1909، على تقليص سلطة شيخ الإسلام، وتجريده من اختصاصاته وامتيازاته، فنزعت عنه مهمة الإشراف على القضاء، وانتهى المنصب في نهاية المطاف إلى مشايخ ضعاف، تلاعبت بهم أطراف خارجية، وأجبرتهم على مباركة مجازرهم ضد الأقليات الدينية، ثم روج أعضاء الاتحاد والترقي أنفسهم - رغم عدائهم المعلن للإسلام- للجهاد المقدس في الحرب العالمية الأولى، فاستعانوا من جديد بشيخ الإسلام بغرض حشد الأمة وراء المعركة، قبل سقوط الدولة العثمانية بعامين فقط، ليؤكد صيحة داعية الإصلاح جمال الدين الأفغاني في العام 1895 الشهيرة "شيخ الإسلام أصبح عائقا أمام التحديث والتنوير.. والإسلام".

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر:

1 - أحمد عبدالرحيم مصطفى في أصول التاريخ العثماني

2 - أحمد آق كوندز الدولة العثمانية المجهولة

3 - يلماز أوزتونا تاريخ الدولة العثمانية

4 - خليل اينالجيك تاريخ الدولة العثمانية من النشوء إلى الانحدار

5 - محمد جميل بيهم فلسفة التاريخ العثماني

6 - دائرة معارف الإمبراطورية العثمانية

7 - شيخ الإسلام أبو السعود أفندي رسالة في جواز وقف النقود

8 - أكرم كيدو مؤسسة شيخ الإسلام في الدولة العثمانية

9 - أحمد صدقي شقيرات تاريخ مؤسسة شيوخ الإسلام في العهد العثماني

Qatalah