يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


لم يكن مجرد قنصلٍ يمثل حكومته لدى دولة أخرى، بل كان أكثر نفوذا وسطوة وأقوى تأثيرا في البلاد من حاكمها نفسه.. إنه المقيم البريطاني (القنصل) في بغداد، جيمس كلوديوس ريج، إبان حكم الدولة العثمانية للعراق.
العراق كان مهما بالنسبة لبريطانيا، لقربه من مصالحها في الخليج وإيران والهند، وكان التمثيل الدبلوماسي فيه يتبع شركة الهند الشرقية، لا وزارة الخارجية في لندن. ومن أجل السيطرة على التجارة التي تمر بالعراق، وإنشاء خطوط مواصلات مع الأناضول عبر نهري دجلة والفرات وصولا إلى شط العرب، والآثار، أنشأت بريطانيا مقيمية (قنصلية) لها في بغداد.
جيمس كلوديوس ريج، كان أول من شغل منصب المقيم، وكان مؤهلا بحق له فقد كان ملما بعدد كبير من اللغات والعادات والأعراف الشرقية. وبفضل مهاراته وذكائه ودهائه والأموال وفساد العثمانيين وتنازع المسؤولين أصبح ريج الرجل الأقوى في العراق وأحد اللاعبين الأساسيين في شؤونه السياسية والاقتصادية ووظف ذلك في خدمة مصالح بلاده.
وصل الأمر بكلوديوس إلى دعم المناوئين للولاة، دون أن يجرؤ أي منهم على الاحتجاج، ولعب دورا كبيرا في تعيين الولاة بعد وفاة سليمان باشا.
 
قنصل وولاة
مطلع القرن التاسع عشر كانت التجارة البريطانية مع العراق قد نمت بشكل كبير وكان لها السيادة منفردة على الخليج العربي وبدأت خطط السيطرة على العراق واستعماره تنضج في أذهان البريطانيين فكان إنشاء قنصلية في بغداد أمرا ضروريا للتمهيد لهذا الهدف.
وصل كلوديوس جيمس ريج المقيم البريطاني إلى بغداد عام 1808 كأول قنصل بريطاني فيها وتزامن وصوله مع فترة حرجة في أوروبا حيث الحروب النابليونية وتهديد نابليون بغزو إنجلترا والهند. ريج اكتسب احترام الحكومة والأهلين بفضل دهائه السياسي وسعة اطلاعه على العادات والتقاليد واحترامه لها.
ريج عمل على تمكين النفوذ البريطاني في العراق ونجح في ذلك نجاها باهرا، حتى أصبحت شخصيته في بعض الأحيان أقوى من شخصية الوالي، وأدرك الناس أن الولاة في تبدل دائم، وقد يقتل أحدهم الآخر، بينما يبقى مستر ريج في منصبه لا يتغير.
 
ولتدعيم نفوذه في المجتمع البغدادي، اعتمد ريج على المظاهر الزاهية والمواكب الفخمة، فقد أدرك أن منزلة الإنسان في هذا المجتمع تقاس بما تحف به من الأبهة والفخامة، ولهذا جعل للقنصلية حرسا من الفرسان بملابس مزركشة، ولهم طبولهم وأبواقهم، وهم يسيرون في موكب مهيب عند خروج القنصل، وكانت الناس تقف على الجانبين لمشاهدة الموكب.
جريًا على ما كان معتادًا في الحكم العثماني، نشبت في عهد مقيميته ثورات حكومية وحصلت تبديلات بين الباشوات، وقد تمكن ريج بفضل قوته ونفوذه الكبير في العراق من منح الحماية في بيته لكثير ممن كان حياتهم في خطر، جراء الانقلابات السياسية ودعم المتنافسين على الحكم.
بلغ نفوذ ريج مدى كبيرا، حتى أن الناس كانوا لا يقيمون وزنا لوعود الباشوات والأعيان إلا إذا كانت مدعومة بضمانه.
الصحفي الأمريكي جيمس باكينجهام زار العراق خلال عمل ريج مقيما فيها وكتب تقريرا ضمن كتابه "رحلات إلى ميسوبوتاميا (أرض الرافدين)" أكد فيه أن ريج المقيم البريطاني هو الرجل الأقوى في العراق كله، بحيث أنه لا توجد مسألة يمكن أن تتم في بلاط بغداد إلا بعلمه وبعد مشورته، وخاصة في المناحي العسكرية.
كان ريج قد وضع خطة سياسية بعيدة المدى عميقة الجذور في سبيل وضع العراق تحت النفوذ البريطاني، لكن خلافه مع الوالي داود باشا عطل مشاريعه. حيث أنشأ القنصل شبكة من العملاء في البلاد وكسب دعم عدد كبير من رجال الحكم والإمارات الكردية. 
 
ريج وداود
عندما تولى داود باشا (1817-1831) ولاية بغداد، ذهب المستر ريج في موكبه ليهنئه بمنصبه، لكن هذه الزيارة لم تفلح في التقريب بين الرجلين الطامحين للسلطة ونشب بينهما صراع لإثبات من الأقوى.
عام 1820 أعلن دواود باشا فجأة مضاعفة الرسوم المفروضة على الصادرات والواردات البريطانية ولما احتج المستر ريج على ذلك بقوله إن القرار يخالف الامتيازات التي حصلت عليها بريطانيا، أجاب داود بأنه لا يقبل بأي حق أوروبي خاص في بغداد.
داود ظن أن استقلاله النسبي عن السلطنة، والدعم الفرنسي الذي حصل عليه في إعداد جيش شبه نظامي، قادرين على هزيمة ريج، لكن الأخير لم يكن ممن يرهبه والٍ أو سلطان عثمان.
كان لدي ريج باخرة نهرية مسلحة بالمدافع تحرس القنصلية وعدد من الحراس، وكان بإمكانه تجنيد عدد من المرتزقة والتصدي عسكريا للوالي لو أراد، لكنه فضل كسر أضلاع الوالي أولا.
 
ريج أمر نائبه في البصرة بمنع السفن الواردة من الهند من الدخول إلى ميناء البصرة ومنع السفن الموجودة فيه من الخروج ثم أعلن عزمه الرحيل إلى بومباي من أجل عرض القضية على المسؤولين هناك وخاف داود باشا من مغادرة ريج وهو حانقا عليه فأمر جنوده بحصار القنصلية ونصب مدفع على الجهة المقابلة لها من نهر دجلة لقصفها إذا استدعى الأمر.
لم يقف ريج إزاء ذلك ساكنا وأراد أن يثبت لأهل بغداد أنه القنصل صاحب الطول والسلطة الذي يعهدونه، وصمم على الدفاع عن القنصلية بما لديه من حرس، وكان في ضيافته عدد من ضباط شركة الهند أشركهم في خطة الدفاع.
إجراءات ريج تكشف إلى أي مدى بلغ نفوذ بريطانيا في السلطنة، وأن قنصلا واحدا كان بإمكانه إشعال حرب على أرضها. كتب محمد أغا المنشي الذي عمل كاتبا عن ريج عن عظم نفوذه ما يلي: "إن ريج كان قادرا أن يستولي على بغداد في تلك الحادثة لأن الإنكشارية كانوا من أعوانه وكذلك أعيان بغداد وعامة الناس ولكنه لم يفعل ذلك لأنه كان محبا للسلام".
الوالي أدرك ما سوف تؤدي إليه حماقته من مشكلة دولية، فأرسل بعض موظفيه إلى ريج للتفاوض، لكنه طردهم من القنصلية طردا مخزيا. أرسل داود وفدا آخر مكونا من أهم موظفيه وهم الدفتردار والصراف باشي عزرا، وتم الاتفاق على أن يخرج ريج من العراق بحرية شرط أن يكتب مذكرة يعترف فيها أنه تلقى معاملة حسنة ويغادر البلاد بمحض إرادته ويدفع داود باشا له تعويضا ماليا.
داود تراجع عن قراره تحت الضغط البريطاني وأعاد الضرائب وفق ما حددته الامتيازات، ومنذ تلك الحادثة عمل داود على توفيق أوضاعه مع الإنجليز وخدم مصالحهم، حتى أنهم دافعوا عنه لدى السلطان وحاولوا منع إرسال حملة علي باشا ضده عام 1831.
 
جامع الآثار
اهتمام ريج بالدراسات الشرقية امتد إلى امتلاك ثروة الشرق الثقافية التي أهملها العثمانيون حتى شارفت على الضياع. كانت السلطنة تمنح الفرمانات لجامعي الآثار والمنقبين لاستخراج ما يشاؤون ونقله إلى بلادهم فلم يكن العثمانيون ليهتموا بماضي شعوب يقتلون حاضرها اليوم.
ريج جمع المخطوطات العربية وقام برحلات لاستكشاف بابل والمدن التاريخية في العراق وجمع الآثار ودخل في منافسة مع الفرنسيين الذين دعمهم الوالي داود باشا.
تمكن ريج خلال إقامته من جمع مجموعة كبيرة من الآثار والمخطوطات أصبحت أثمن وأوسع مجموعة يمتلكها أي شخص عن الشرق وقد اشتراها البرلمان البريطاني بعد وفاته وتم وضعها في المتحف البريطاني في لندن.
 
كلوديوس جيمس ريج
كلوديوس جيمس ريج ولد عام 1787 في فرنسا ونشأ في بريطانيا وأتقن اللغتين اللاتينية واليونانية في عمر التاسعة ولم يكد عمر الخامسة عشر حتى كان يجيد عدة لغات شرقية وهي التركية والعربية والعبرية والفارسية.
عام 1803 التحق بالعمل في شركة الهند الشرقية وزار تركيا ومصر ودرس فيهما اللغتين التركية والعربية وقام بجولات في الشام والعراق وإيران والهند.
تم اختياره ليكون أول من يشغل منصب "المقيم البريطاني" وممثل شركة الهند الشرقية في بغداد والبصرة عام 1808 لما تمتع به من كفاءة في العلوم واللغات الشرقية وظل في منصبه حتى عام 1821.

Qatalah