يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


الصحافة الفلسطينية لعبت دورا مهما في تنوير الرأي العام العربي وتنبيهه إلى المخاطر الجسيمة المترتبة على التغلغل الصهيوني في جسم حكومة الاتحاد والترقي، والذي من شأنه أن يؤدي إلى قيام كيان صهيوني على أنقاض الوجود العربي في فلسطين.

أصبحت المسألة الصهيونية الشغل الشاغل للصحافة الفلسطينية، والتي عملت على التنبيه بالخطر الصهيوني وطرق مواجهته، كما نقلت القضية الفلسطينية إلى خارج حدود فلسطين، وبفضل تلك الصحف أصبحت القضية الفلسطينية هي قضية العرب الأولى.

جريدة الكرمل
نجيب نصار صحافي لبناني ولد في قرية عين عنوب عام 1862، وأتم دراسته الثانوية في مدرسة سوق الغرب، ثم درس علم الصيدلة في مدينة صفد، وعمل صيدليا في مستشفى مدينة طبريا، ثم اشترى 10 أفدنة وعمل في الزراعة لعدة سنوات.

بدأت رحلة نجيب نصار مع الصهيونية عام 1905، عندما تعرف على باحث إنجليزي متخصص في دراسة الحركة الصهيونية، والذي أهداه عدة كتب، ومنها الموسوعة العبرية، والتي تذخر بكتابات عن المخطط الصهيوني بفلسطين، ومنذ تلك اللحظة كتب نجيب نصار عشرات المقالات عن خطورة الحركة الصهيونية، لكن "المكتوبجي" رقيب الصحافة العثماني منع أصحاب الصحف من نشر مقالاته.

نجيب نصار استبشر خيرا بإعلان المشروطية الثانية (الدستور العثماني) عام 1908، واعتقد أن الدستور الجديد سوف يزيل قبضة المكتوبجي عن الصحف العربية، لذلك باع قطعة الأرض التي يمتلكها في "غوربيسان"، واشترى مطبعة من بيروت واستقر في حيفا وأصدر جريدته "الكرمل".

صدرت جريدة الكرمل مرتين في الأسبوع، يومي الثلاثاء والجمعة، وتولى رئاسة تحريرها الصحافي إيليا زكا، وابتداء من العدد 15 الصادر في 27 مارس 1909 أصبح نجيب نصار رئيس تحرير الكرمل، وجاء في المقالة الافتتاحية بهذا العدد "تحولت صحيفة الكرمل لعهدتنا فكرسناها لخدمة الشعب الذي أذلته الحكومة الظالمة، فالكرمل ستنقل شكواه من الظلم والاستبداد".

فضح خيانة العثمانيين
نجيب نصار حاول لفت انتباه العثمانيين إلى خطورة الحركة الصهيونية على فلسطين، لذلك خصص 50 نسخة من كل عدد لجريدة الكرمل ليرسلها إلى السلطان والصدر الأعظم وولاة الشام ومتصرف القدس، وإلى جميع الجرائد التركية والعربية، حتى باتت جريدة الكرمل المصدر الأساسي لكل الصحف عن تطورات الأوضاع في فلسطين.

حملت جريدة الكرمل على عاتقها مهمة فضح تخاذل العثمانيين عن مواجهة الأنشطة الصهيونية في فلسطين، وامتازت الجريدة بجدية التصدي للصحف العميلة والأقلام المأجورة والولاة العثمانيين الذين فرطوا في أراضي فلسطين، حتى أن نجيب نصار جعل شعار صحيفته "أيها العرب بيعوا كل شيء باستثناء الأرض، ولا تشتروا من اليهود إلا الأرض".

تحت عنوان "استعمار أم استدرار" كتب نجيب نصار مقالة هاجم فيها صمت العثمانيين عن النشاط الصهيوني في فلسطين، وحذر من العواقب الوخيمة المترتبة على الهجرة اليهودية وعلى بيع الأراضي للمهاجرين، وأكد أن تخاذل العثمانيين سينتهي بكارثة تحل بعرب فلسطين، والتي ستكون مماثلة لما حل بالعرب في الأندلس.

وفي مايو1911 شن نجيب نصار حملة صحافية شرسة على الصدر الأعظم الاتحادي، والذي أصدر قرارات صريحة إلى والي القدس يأمره بتسهيل بيع الأراضي إلى اليهود المهاجرين، كما نشرت الكرمل مقالات عن معنى الصهيونية وأهدافها السياسية، ولما غضت حكومة الاتحاد والترقي الطرف عن تحذيرات الكرمل، أطلقت الصحيفة مبادرة لتوحيد جهود الصحف القومية العربية لمواجهة الخطر الصهيوني، ونجحت المبادرة في توجيه الجرائد إلى فضح خيانة العثمانيين لفلسطين.

ونظرا لإدراك نجيب نصار لجسامة الخطر الصهيوني، ورغبة منه في تعريف أبناء شعبه بهذا الخطر، ترجم مادة الصهيونية من دائرة المعارف اليهودية من العبرية إلى العربية، وخصص 16 عددا من الكرمل لنشرها، ثم جمعها في كتاب تحت عنوان "الصهيونية: تاريخها، غرضها، أهميتها"، والذي نشر في عام 1911.

وفي 7 يوليو 1914 نشرت الكرمل بيان "المنظمة الوطنية في القدس"، والذي طالب بالضغط على الدولة العثمانية لحظر بيع الأراضي العربية لليهود، وتطوير الصناعة المحلية ومقاطعة الصناعات الصهيونية، ودعا الأهالي لمقاومة دعوات بيع الأراضي لليهود بكل وسيلة، وطالب بطرد السماسرة خارج البلاد".

سماسرة فلسطين
جريدة الكرمل تميزت بقدرتها على الاطلاع على كواليس صفقات بيع أراضي فلسطين لليهود، وفضحت كل الوزراء والولاة العثمانيين المتورطين في صفقات السمسرة، وحذرت الأهالي من رهن أراضيهم لدى الشركة الأنجلو - فلسطينية، لأنها الوكيل الرسمي للمنظمات الصهيونية.

وفي مايو 1909 نشرت الكرمل خبرا عن مشاجرات وقعت بين المزارعين اليهود بمستوطنة "الشجرة" وأهالي قريتي كفركنا والرينة، بعد أن اعتدى المستوطنون بالضرب على 8 فلاحين عرب، واعتبر ذلك نتيجة التساهل مع الصهيونية، ولكن مندوب شركة الاستيطان اليهودي "ايكا" قدم احتجاجا لدى حكومة الاتحاد والترقي، واعتبر هذا الخبر معاديا للدور الاقتصادي الذي يقوم به اليهود بفلسطين، ولذلك صدر أمر بإغلاق جريدة الكرمل لمدة شهرين.

ونتيجة للحملات الصحافية التي شنتها الكرمل ضد الصهيونية فقد تقدم النواب العرب بمجلس المبعوثان (البرلمان العثماني) بطلب إحاطة حول حقيقة الصفقات التي فضحتها جريدة الكرمل، واستطاع النواب أخذ تعهد على طلعت باشا وزير الداخلية بحكومة الاتحاد والترقي بأن "لا يسمح لليهود بامتلاك أراض في فلسطين، وعدم السماح بهجرات يهودية جديدة".

وفي أواخر عام 1910 اهتمت جريدة الكرمل بالأراضي المدورة، أي الأراضي التي تنازل عنها أصحابها للسلطان عبد الحميد الثاني تخلصا من الضرائب، والتي آلت ملكيتها للخزانة العثمانية بعد خلع عبد الحميد عام 1909، لكن الحركة الصهيونية استغلت نفوذ نجيب إبراهيم الأصفر مساعد والي بيروت وكلفته باستئجار هذه الأراضي لصالحها لمدة 99 عاما، وقد شملت تلك الأراضي مساحات شاسعة من أراضي حيفا ويافا والقدس وطبريا وغزة والخليل، لكن جريدة الكرمل فضحت جريمة نجيب الأصفر، وأشارت إلى أن شركة بلجيكية صهيونية هي المستأجر الحقيقي في تلك الصفقة، وبفضل جريدة الكرمل فشل نجيب الأصفر في عقد الصفقة.

أقلام مأجورة
الحركة الصهيونية المدعومة من حكومة إسطنبول جندت بعض الأقلام المأجورة للدفاع عنها والتقليل من مخاطرها، وروجت للمنافع الاقتصادية التي ستعود على عرب فلسطين من جراء الهجرة اليهودية، كما عمدت هذه الحركة إلى التقليل من أهمية العداء العربي للصهيونية، بل إن تلك الصحف المأجورة روجت إلى أن العداء العربي للصهيونية سببه "جهل العرب باللغة العبرية وعادات وتقاليد اليهود، بالإضافة إلى ترسخ فكرة معاداة السامية".

حكومة الاتحاد والترقي المناصرة للمشروع اليهودي جندت عدة صحافيين للرد على جريدة الكرمل داخل فلسطين وخارجها، ومولت "متري الحلاج" لإصدار جريدة "جراب الكردي"، والتي اتهمت نجيب نصار بمعاداة العثمانيين، كما نفت أطماع اليهود في إقامة دولة على أرض فلسطين، وأكدت على أن المهاجرين اليهود يسعون من أجل تحصيل الأرزاق، بل إدعا أن المدن الفلسطينية ستشهد حالة الرواج الاقتصادي بعد إنشاء المستوطنات.

متري الحلاج كتب مقالا في جريدة "جراب الكردي" يدافع عن الاستيطان اليهودي جاء فيه: "خير لنا أن يأتي أصحاب الأموال من أي بلاد كانت ومن أي جنس كانوا، ليستخرجوا كنوز أرضنا، فيستفيدون منها، وهو خير لنا وأبقى في أن تبقى هذه الجواهر ضائعة ونحن نتبجح بكلمة الوطن والوطنية وجيوبنا أفلس من طنبورة أو رباب".

ونتيجة لحملات نجيب نصار ضد الصهيونية وتبني صحف فلسطينية ودمشقية وبيروتية خطه النضالي، فقد أنشأت الجمعيات الصهيونية مكتبا خاصا لمتابعة الصحافة المناوئة للصهيونية وتهيئة الردود عليها، وبعد الاتفاق مع والي القدس فقد تم إصدار عدة صحف مأجورة، وأوكل إلى نسيم ملول مهمة إدارة مكتب الصحافة الصهيونية ومقره القدس، وأخذت الصحف التي يمولها المكتب الصهيوني كجريدة "النصير" البيروتية تدافع باستماتة عن المشروع الصهيوني.

مؤامرة التطبيع
مهدي بك تولى حكم القدس في 15 يونيو 1912، والذي عرف بترحيبه بحركة الاستيطان اليهودي، وبعد أسبوع من توليه مهام منصبه زار مستوطنة "ريشون لتسيون"، وألقى خطبة في جموع المستوطنين اليهود جاء فيها: "لقد سمعتم بأنه يوجد أناس يشيعون أن لليهود مطامع سياسية في فلسطين، وهذا ليس بصحيح".

"لأننا نحن الأتراك أكثر الناس معرفة بمقاصد اليهود في هذه البلاد، وهي ليست سياسية بل دينية، لأن هذه البلاد هي أرض آبائهم وأجدادهم"، تابع مهدي بك: "الحكومة تسعى جاهدة للتقرب من الشعب اليهودي في كل آن وزمان، ولم تنفك عن الترحيب بهم في كل وقت اضطهدوا فيه".

في ختام خطبته نصح مهدي بك المستوطنين اليهود بإنشاء بلدية وشرطة حراسة تكون على صلة بدوائر السلطة في يافا والقدس لتهب السلطة لنجدتهم عند كل خطر.

جريدة الكرمل انفردت بنشر أخبار زيارة مهدي بك حكم القدس إلى مستوطنة ريشون لتسيون، وعلقت على خطبة الوالي بقولها :"إن متصرف القدس يجهل أو يتجاهل المقاصد الاستعمارية للصهيونية"، ورأى نجيب نصار أن "بقاء مهدي بك في منصبه بعد خطابه المخزي إنما يدل على رضى حكومة إسطنبول عن أعمال الجمعية الصهيونية، والتي تسعى إلى تأليف قومية صهيونية في البلاد السورية".

جريدة "النصير" العثمانية المأجورة روجت لضرورة التفاهم بين العرب والصهاينة في فبراير 1913، لكن جريدة الكرمل ردت بقولها: "على ماذا يتفقون؟، أعلى بيع البلاد؟، الصهيونيون يريدون تملك أراضي فلسطين العربية، ألا يكفي ما عندنا من الخونة الذين يدعون الزعامة وهم سماسرة أدنياء النفوس، يمدون أيديهم بكل ذلٍّ ليقبضوا ثمن وطنهم دريهمات معدودة".

نجيب نصار وجه تساؤلا إلى "كتبة الصهيونية الذين يكذبون على الحقيقة وعلى أنفسهم ويقولون إن الصهيونيين قرروا أن يتفقوا مع العرب ليعيشوا معهم، باتفاق وكإخوة تحت راية الهلال، كيف يوفقون بين هذه الأقوال وكتابات الصهيوني هرتزل؟، هل تريدون الاتفاق لتسلبونا أوطاننا وثرواتنا وتؤسسوا أمة وملكا لكم على حسابنا؟".

تصدي جريدة الكرمل لدعاة التفاهم الكاذب حرك الرأي العام في فلسطين باتجاه الرفض المطلق لهذه الدعوة، فانبرت صحيفة "الرأي العام" و"الإصلاح" لتحاكي "الكرمل" في التحذير والتنبيه، مظهرة دور المال والنفوذ الأجنبي وتعاطف الاتحاديين بقوة مع الحركة الصهيونية، وصورت جريدة "فتى العرب" مخاوف الفلسطينيين من أن "يصبحوا غدا مماليك لا مالكين"، كما تجاوبت جريدة "المؤيد" المصرية مع دعوة نجيب نصار، والتي رأت أن هدف الصهيونية هو "إقامة حاجز بين سورية ومصر عاصمتي البلاد العربية".

صفقة البلقان
اندلعت حرب البلقان عام 1912، واحتاجت الدولة العثمانية إلى أموال كثيرة لتمويل الجيش التركي، فاستغلت الحركة الصهيونية تلك الفرصة لتقديم مساعدات ومنح مالية للخزانة العثمانية، في مقابل التنازل عن قرى فلسطينية للمهاجرين اليهود، ومنحهم عقود تملك لتلك الأراضي، مع إعفائهم من دفع الضرائب.

جريدة الكرمل كشفت تفاصيل الصفقة العثمانية - الصهيونية، ونبهت الأمة العربية إلى تسرب الأراضي الفلسطينية من يد العرب، ودعت للوقوف بحزم أمام المخطط الصهيوني وإلا "فالصهيونية ستمتلك فلسطين لا محالة، والعثمانيون خارجون منها كما خرجوا من طرابلس ومقدونيا".

"هجوم من كل الجهات يا هو واحدة واحدة" هو عنوان مقال نجيب نصار في افتتاحية الكرمل يوم 15 يناير 1913، والذي تساءل فيه "ما هذا الهجوم من كل الجهات؟، أيريد الصهيونيون أن يستولوا على فلسطين دفعة واحدة، أو يريد العثمانيون بيعها مرة واحدة، أين الأوامر بمنع البيع لليهود بأسمائهم المستعارة؟، يبدو  لنا أن الحركة الصهيونية تتقدم بانتظام ونحن نتقهقر ونبيع أرضنا بسرعة أيضا".

حكومة الاتحاد والترقي كافأت الحركة الصهيونية على تمويل حرب البلقان بإصدار قرار بتمثيل المستوطنين اليهود بعضو في مجلس المبعوثان عام 1913، ومولت الجمعيات الصهيونية الحملة الانتخابية لعزرائيل بن يوشع حتى اقتنص مقعد القدس في البرلمان، ونددت جريدة الكرمل بقرارت إسطنبول المناصرة للصهيونية، وأكدت أن هذا أول اعتراف رسمي من العثمانيين بالكيان الصهيوني في فلسطين.

حظر بأمر جمال باشا
دخلت الدولة العثمانية الحرب العالمية الأولى بجانب ألمانيا في عام 1914، وشنت السلطات التركية حملة اعتقالات موسعة بحق الصحافيين المعارضين، وقد أصدرت حكما بالإعدام ضد نجيب نصار صاحب جريدة الكرمل بتهمة الخيانة العظمى في نوفمبر 1914.

نجيب نصار اختبأ في بيت صديقه "فضل الفاهوم"، ثم عند عرب السردية، ثم انتقل إلى شرق الأردن حتى انتهاء الحرب العالمية الأولى وتوقيع معاهدة استسلام الدولة العثمانية، والتي تنازلت فيها عن جميع الولايات العربية لدول الحلفاء، وبعد انتهاء الحرب عاد نصار إلى حيفا، وواصل إصدار جريدته "الكرمل" في 9 فبراير 1920، والتي أصبحت منصة العرب ضد الصهيونية والاستعمار البريطاني.

Qatalah