يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


بينما تشكو أنقرة من جفاء واشنطن تجاهها، على الرغم من تنفيذ طلباتها المتعلقة بقضية القس أندرو برونسون الذي كانت تحتجزه قبل أن تطلق سراحه منتصف أكتوبر الماضي، جاء استحواذ الديموقراطيين على أغلبية مجلس النواب كالصاعقة على صانعي القرار في تركيا، إذ من المرجح أن يلعب هؤلاء دورًا في معاقبة تركيا على سياساتها المناهضة للحريات.
جاء فوز الديموقراطيين في الانتخابات التي أجريت في الأسبوع الأول من الشهر الجاري، بواقع 222 مقعداً من أصل 435، مقابل 199 للحزب الجمهوري، ليضع تركيا على مفترق طرق مع أميركا، إذ يمتلك مجلس النواب سلطات واسعة تتعدى السلطات التي يتمتع بها مجلس الشيوخ الذي فاز بأغلبيته حزب ترامب.


يحق لمجلس النواب مراقبة السلطة التنفيذية، ومشاركة الرئيس في وضع السياسات الخارجية، فضلًا عن صلاحية إقالة أي مسؤول رفيع آخر في الحكومة الأميركية، إلى جانب فتح تحقيقات في بعض القضايا التي تتعلق بالرئيس، لذلك يعد المجلس مصدرا ضاغطًا على الرئيس الأميركي إذا ما جاءت أغلبية المجلس معارضة له.


لجم الجمهوريين
يهدد استحواذ الديموقراطيين على أغلبية مجلس النواب الأميركي، العلاقات التركية الأميركية، المتوترة في الأساس، لكون أنقرة ترى واشنطن مصرة على الانفتاح على ألد خصومها؛ قوات حماية الشعب الكردية في شرق الفرات بسورية، إذ يرفض الديموقراطيون الانتهاكات الحقوقية التي يرتكبها إردوغان، وكان ترامب يتغاضى عنها وفق قاعدة لعبة المصالح، بينما منحت انتخابات التجديد النصفي خصوم ترامب السياسيين سلطات رقابية عليه تسمح لهم بالتدخل في ضبط السياسات الداخلية والخارجية.

يرفض الديموقراطيون ممارسات إردوغان المنتهكة للحقوق والحريات، حيث يتبع رجب سياسة النار والحديد مع معارضيه، وتمتلئ سجونه بالخصوم السياسيين ونشطاء المجتمع المدني، أبرزهم رجل الأعمال التركي عثمان كافالا، رئيس مؤسسة الأناضول الثقافية، القابع خلف الأسوار منذ أكثر من عام.


عقوبات في الطريق
تكررت دعوات النواب الديموقراطيين في الكونغرس الأميركي لفرض عقوبات على نظام إردوغان القمعي، لمواصلته التنكيل بالمعارضة وتضييق الخناق على الأتراك، فضلا عن تلفيق الاتهامات الجاهزة لجميع خصومه.


 

يرى الحزب الديموقراطي أن ترامب لا يهتم بتحقيق الديموقراطية، وسيلعب دورا في الضغط عليه لاتخاذ موقف أكثر تشددا حيال بعض الدول مثل تركيا، ويعتزم الكونغرس الأميركي سن تشريعات تسمح بفرض عقوبات جديدة على أنقرة، نتيجة ملفها الحقوقي السييء، وإصرارها على التقارب مع روسيا، وإتمام صفقة شراء منظومة "إس 400" الدفاعية الروسية.

مخاوف أنقرة

يتحسب نظام العدالة والتنمية من عودة الديموقراطيين إلى صادرة المشهد داخل الكونجرس، فلا تنسى الأزمات التي عشاتها أنقرة في فترتي رئاسة باراك أوباما (2009-2017)، فالعلاقات الأميركية التركية طوال هذه السنوات لم تكن ربيعا دائما، بل شهدت الكثير من الصفعات الأميركية، فلا تنسى أنقرة أن أوباما هو من تحالف مع الأكراد السوريين، ورفع الكارت الأحمر ضد أي محاولة تركية لاستهدافهم.

كما أن إدارة الديموقراطيين هي من توصلت إلى الاتفاق النووي مع إيران، والذي فتح صفحة ودية من العلاقات بين واشنطن وطهران، كانت ولا شك على حساب المصالح الاستراتيجية لتركيا في منطقة الشرق الأوسط، فخطوات التقارب الديموقراطي مع نظام الملالي، كانت كفيلة بإطلاق يد الأخير لتنفيذ مشاريع مد النفوذ في العراق وسورية ولبنان، وهي دول تعتبرها تركيا مداها الحيوي والاستراتيجي.

ويتخوف نظام إردوغان من اهتمام الديموقراطيين الملح بملف حقوق الإنسان والحريات، وهو الملف الذي تحصل فيه أنقرة على صفر كبير، مع الحملة غير المسبوقة لقمع المعارضة والتي شملت اعتقال عشرات آلاف، كما أن تركيا تخشى أن يعيد الديموقراطيون فتح ملف مذابح الأرمن، فأنقرة اعترضت صراحة على خطاب أوباما العام 2016، والذي وصف خلاله مذابح الأرمن بـ "الكارثة الكبرى"، الأمر الذي اعتبر على نطاق واسع خطوة على طريق اعتراف أميركا بإبادة الأرمن على يد الأتراك العام 1915.

Qatalah