يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


عن أجدادهم، ورث العثمانيون كره العرب وحضارتهم، قادوا جيوشهم وقتلوا أبناء الشعوب العربية، ونهبوا ثرواتها حتى عم الفقر والجوع والخراب، العثمانيون ورثوا أيضا حب الخيانة والمؤامرة، فكلما دب الضعف في جيوشهم، وتلقوا هزائم ساحقة شرقا وغربا، عقدوا المعاهدات والاتفاقيات، وتنازلوا عن الأراضي العربية لصالح المستعمرين، ولم يفرقوا بين التنازل للدول الأوروبية، أو الدولة الصفوية الشيعية.

بلاد العراق وقعت بين فكي الدولتين الصفوية والعثمانية، اللتين خاضتا حروبا شرسة من أجل نهب ثروات وخيرات بلاد الرافدين، والتي تمتعت بأراضٍ زراعية خصبة، يمكنها أن تؤمن الاحتياجات الغذائية للبلدين، كما أن العراق تمثل منفذا رئيسا لبلاد الشام ومنها إلى البحر المتوسط، والذي يتحكم في طريق التجارة العالمية بين الشرق والغرب.

الأطماع العثمانية في أراضي العراق تكشفت مع تنصيب السلطان سليم الأول، والذي أعلن نواياه باحتلال البلاد العربية، وبدأ مشروعه باغتصاب أراضي العراق، وفي سبيل ذلك خاض معركة جالديران، ضد الشاه إسماعيل الصفوي في عام 1514، وذبح الآلاف من أهالي العراق الشيعة، بالإضافة لآلاف العراقيين السنة الذين عارضوا الاحتلال العثماني.

جيش الإنكشارية اعترض على مواصلة القتال في العراق، وضغط على سليم الأول للعودة إلى إسطنبول، وبذلك فشل العثمانيون في احتلال كل أراضي العراق لعدة سنوات، حتى قاد سليمان القانوني جيوشه ودخل العراق على رقاب آلاف الأبرياء.

معاهدة أرضروم
هاجمت الجيوش العثمانية بلاد المجر في عام 1552، وتمكنت من الاستيلاء على عدد من الحصون وعلى مساحات واسعة من الأرض. غير أن ذلك التقدم توقف عند مدينة "ادلو" الواقعة شمال شرق بودا، حيث استعصت تلك المدينة على الجيوش العثمانية. وبعد حصار طويل، اضطر العثمانيون إلى الانسحاب والدخول في مفاوضات للسلام.

بعد تلك الحملة الفاشلة، بدأت الاستعدادات العسكرية لشن حرب جديدة ضد الدولة الصفوية، لأن الشاه طهماسب انتهز فرصة انشغال العثمانيين في الحروب على جبهات أوروبا، فشن هجومًا مباغتا، تعرضت فيه القوات العثمانية إلى سلسلة من الهزائم انتهت باستيلاء الصفويين على مدينة أرضروم، ثم تقدمت الجيوش الصفوية وسيطرت على ممرات جبال طوروس، وباتت تهدد بلاد الشام.

جيوش عثمانية خرجت من حلب في عام 1554، وزحفت نحو الشرق واستولت على مدينة أرضروم، ثم اجتازت نهر الفرات وتوغلت في أراضي الدولة الصفوية، ونشبت بين العثمانيين والصفويين معارك عنيفة مدمرة، واتبعت الجيوش العثمانية سياسة حرق وتدمير، ورغم هذا تجرعت فرق الإنكشارية هزائم متتالية.

تكبدت الجيوش العثمانية خسائر هائلة على يد الصفويين، واقتنع السلطان سليمان القانوني بضرورة الاستسلام والرضوخ لسطوة الشاه الصفوي طهماسب الأول، فأرسل إلى تبريز عاصمة فارس يطلب الهدنة بأي ثمن في عام 1554، ولم يرد الشاه طلبه إلا بعد عام، وتم التوقيع على اتفاقية هدنة بين الدولتين في عام 1555، والتي عرفت بمعاهدة "أرضروم"، تخلت بموجبها الدولة العثمانية عن أي ادعاء بمدينة تبريز حاضرة التركمان الأذريين وما يرتبط بها من أقاليم تركمانية، كما خضعت المدن والمزارات الشيعية لسيادة الصفوية.

معاهدة نصوح باشا
تولى السلطان أحمد الأول العرش في عام 1603، وسار على نهج أجداده في الانغماس في الملذات وترك شؤون الحكم للحرملك والصدور العظام المرتشين، وقبضت الجواري والسلطانات على مقاليد الحكم في إسطنبول منذ منتصف القرن السادس عشر، بعد أن ترك السلاطين أمور السلطنة وانغمسوا في شهواتهم المنحرفة.

انتشر الفساد والضعف بين صفوف جيش الإنكشارية، وعجزت جيوش الإنكشارية عن صد الهجمات الخارجية، حتى إنها تجرعت مرارة الهزيمة أمام جيوش النمسا غربا، واستغل الشاه عباس الكبير حالة الضعف والوهن التي أصابت الدولة العثمانية، وقاد الشاه عباس الصفوي جيوشه وهزم العثمانيين في عدة معارك حاسمة، وطرد العثمانيين من إقليم يرفيان وشيروان وقارص في عام 1603، وبدأ يتطلع نحو غزو بغداد.

اضطر أحمد الأول إلى طلب الصلح في عام 1612، وهي المعاهدة المعروفة باسم "معاهدة نصوح باشا"، والتي نصت على تخلي الدولة العثمانية عن جميع الأقاليم والبلدان والقلاع والحصون التي فتحها العثمانيون في عهد السلطان الغازي سليمان الأول القانوني حتى حدود مدينة بغداد.

الغزو الصفوي
قصر طوب قابي سراي شهد اضطرابات سياسية في النصف الأول من القرن السابع عشر، وطوال تلك الفترة تعرضت العراق لاضطرابات عسكرية وسياسية أيضا، إذ ثار بكر صوباشي باشا أغا الإنكشارية في عام 1623، وطرد يوسف باشا الوالي التركي، وأعلن استقلاله ببغداد عن الدولة العثمانية، وطلب من الشاه عباس الصفوي تعيينه واليا لبغداد، فتقدم الشاه وجيوشه حتى دخل بغداد على رقاب 5 آلاف عراقي، ثم قتل بكر صوباشي وأخاه عمر أفندي.

الشاه عباس الصفوي شعر بضعف الجيش العثماني، فقرر احتلال الموصل، فأرسل جيشا من 25 ألف جندي، بقيادة قاسم خان أبرز  زعماء التركمان، خرج قاسم خان من بغداد إلى كركوك، وقبل وصوله هرب منها حاكمها العثماني وتوجه إلى ديار بكر، فدخلتها القوات الصفوية بدون حرب، ومن كركوك اتجهت نحو الموصل، التي لم تكن تحصيناتها محكمة، واستولت عليها من دون مقاومة.

جهزت الحكومة العثمانية في عام 1639 حملة عسكرية للاستيلاء على بغداد، وخرج على الجيش العثماني خسرو باشا الصدر الأعظم، والذي سار إلى ديار بكر ومنها إلى الموصل، واتجه بعد ذلك جنوبا عبر نهر الزاب لمواصلة الزحف نحو بغداد، من جهته جهز الشاه صفي جيشا بقيادة أمير الأمراء زينل خان ومعه أحمد خان ابن هلو خان الأردلاني للتصدي للجيش العثماني، وحال وصول الصدر الأعظم مدينة بغداد في عام 1630، ضرب الحصار حولها وباشر بقصفها بالمدافع. وهكذا قامت الحرب بين الدولتين مرة أخرى.

نشبت معارك قاسية بين الطرفين أريقت فيها الكثير من الدماء، واستمر القتال على تلك الحال مدة أربعين يوما تكبد العثمانيون أثناءها خسائر فادحة لم يتمكنوا من تعويضها، في تلك الأثناء شنت القوات الصفوية بقيادة توخته خان ومعه أحمد خان ابن أمير أردلان هجومًا كبيرا على شهرزور، تمكنوا أثناءه من تشتيت شمل القوة العثمانية وطردها من المنطقة، وفر الصدر الأعظم من بغداد إلى الموصل، على أمل أن يعاود الكرة للاستيلاء على بغداد، وحينما حل الربيع، رفض الجنود العودة إلى الحرب مرة ثانية، وأعلنوا العصيان، ولذلك اضطر خسرو باشا إلى التقهقر إلى مدينة حلب.

مذبحة بغداد
خرج السلطان مراد الرابع على رأس أول حملة عسكرية له نحو الشرق في عام 1635، وذلك للاستيلاء على مدينة يريفان، التي كانت من أملاك الصفويين، وبعد الاستيلاء عليها، بعث برسولين إلى إسطنبول أحدهم يحمل أمر السلطان لإقامة احتفالات كبيرة بتلك المناسبة، والثاني يحمل أمرا بقتل أخويه الأمير بايزيد والأمير سليمان.

بعد الاستيلاء على يريفان، سار السلطان مراد نحو مدينة تبريز عاصمة الصفويين الأولى واستولى عليها في 10 سبتمبر 1635، ثم عاد إلى إسطنبول، ولكن المعارك استمرت بين العثمانيين والصفويين مدة من الزمن انتهت بانتصار الجيوش الصفوية في معركة مهربان في عام 1636، حيث تمكنوا من استرجاع مدينة يريفان من العثمانيين.

بعد أن تمكن الصفويون من استعادة تبريز وإقليم يريفان اتجهت أنظار العسكرية العثمانية نحو بغداد. وفي 9 مارس 1638 أخرج السلطان مراد "الطوغ الهمايوني" وهو اللواء السلطاني ذو السبعة جواليش ونصبه على مرتفعات أسكدار (أي الجانب الآسيوي من البوسفور). وكان ذلك تقليدًا، يعني أن السلطان عازم على الخروج على رأس حملة عسكرية كبرى. وفي هذه المرة كان الهدف الاستيلاء على بغداد.

سارت الجيوش العثمانية من حلب إلى ديار بكر ثم الموصل، ومنها جرى تحميل مدافع أخرى على الأكلاك في نهر دجلة لتنحدر جنوبا نحو بغداد. ثم باشرت الجيوش زحفها نحو بغداد، فدخلت كركوك ومنها انحدرت واجتازت جبال حمرين حتى الخالص.

في أثناء تلك الحملة العثمانية، كان حاكم بغداد الصفوي، الزعيم التركماني بكتاش خان، وكان يشغل ذلك المنصب منذ عام 1631، والذي حصن مدينة بغداد بالمدافع، كما جهز جيشا قويا متسلحا بالبنادق، وكانوا على درجة عالية من التنظيم والتدريب، وهو ما افتقدته الجيوش العثمانية.

فرض السلطان مراد الرابع حصارا على بغداد في نوفمبر 1638، ولمدة 40 يوما، وقطع نحو ألف نخلة عملوا منها منصات عالية للمدافع، ثم قصف المدينة بوابل من القذائف المدفعية، والتي حصدت أرواح آلاف الأهالي، وفور دخول مراد الرابع بغداد أطلق العنان لجنود الإنكشارية لنهب المدينة، فهجموا على البيوت وقتلوا سكانها ونهبوا الممتلكات، وخلال يومين قتلوا 4 آلاف عراقي، وأقام السلطان السفاح احتفالات كبيرة احتفاء بمذبحة بغداد.

استمرت احتفالات السلطان بغداد لمدة أسبوع، لكن فرحة السفاح انقلبت إلى نكد وغم، إذ انفجر مخزن للبارود، وقتل 800 من جنود الإنكشارية، مما أثار غضب السلطان مراد فأمر بذبح كل رجال بغداد في 25 ديسمبر 1638، فانطلقت سيوف وبنادق الإنكشارية تحصد العراقيين، حتى بلغ عدد القتلى 30 ألف شخص.

معاهدة زهاب
السلطان مصطفى الرابع تشكك في ولاء جنود الإنكشارية، بعدما تعرض لمحاولة اغتيال في خيمته بغداد، وأدرك أن جيشه مخترق من قبل الاستخبارات الصفوية، فطلب من الصدر الأعظم قره مصطفى باشا أن يطلب من الشاه صفي الأول الصلح، واستمرت المفاوضات لمدة 10 أشهر، في قصر شيرين، يقع هذا القصر في الجنوب الشرقي من كركوك، وتمت صياغة معاهدة "زهاب" والتصديق عليها في 17 مايو 1639.

السلطان مراد الرابع انبطح أمام سطوة جيوش الشاه صفي الأول، إذ نصت معاهدة زهاب على نفس نصوص معاهدة أرضروم الموقعة في عهد السلطان سليمان القانوني في عام 1555، لكنها زادت عليها بالتنازل عن أراضٍ عراقية شاسعة للدولة الصفوي.

معاهدة زهاب نصت على تنازل السلطنة عن إقليم يريفان (جمهورية أرمينيا حاليا)، كما تنازل عن المدن والقلاع الواقعة بمحاذاة مدن جصان وبدرة ومندلي ودرتنك ودرنة، وبيرة، وزمر دهاوا، والغابات الواقعة شرق قلعة زنجير ومهربان، وقلعتي كاكور، وماكور، الواقعتين في أعالي جبل وان، وقلعة مغاذيرد في منطقة قارص.

كما احتفظت الدولة الصفوية بقلعة هورامان والقرى المحيطة بها، على أن يؤلف الممر الضيق الذي يؤدي إلى وادي شهرزور خط الحدود. وتكون قلعة قزلجة (بنجوين) خاضعة للدولة الصفوية، وتعهد السلطان بهدم جميع القلاع والحصون بطول الحدود مع الدولة الصفوية.

معاهدة زهاب شطرت بعض العشائر الكردية مثل عشيرة الجاف، إلى شطرين بحيث بقي قسم منهما في الجانب العثماني وآخر في الجانب الصفوي فقد بقيت عشيرة ضياء الدين وهاروني، وهما فرعان من الجاف في الجانب العثماني بينما ظلت بيره وزودي من نفس العشيرة في الجانب الإيراني، وكان الأكراد الفيليون يسكنون شهرزور منذ آلاف السنين، وهم من سكان العراق الأصليين، لكن العثمانيين أرادوا الانتقام منهم بتقسيمهم بين الدولتين.

العثمانيون فرطوا بأراضٍ عراقية عندما تنازلوا عن مهروان (مهربان وتوابعها) للدولة الصفوية، وهذه المنطقة كانت ضمن ولاية شهرزور، وقد اعترفت الدولة الصفوية بتبعيتها للعراق بموجب معاهدة عام 1590، ويعد تنازل العثمانيين عن منطقة مهربان تفريطا بأراضي ولاية شهرزور العراقية (محافظة السليمانية حاليا).

Qatalah