يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


لم يكتف النظام التركي بالسطو على أموال المعارضين وتشريدهم خارج البلاد، بل يواصل مطاردتهم في منافيهم بمطالبة سلطات البلدان التي يقيمون فيها بتسليمهم، إرضاء لرغبة رجب إردوغان السادية في التنكيل بكل من يرفع صوته محتجا ضد سياساته التي أوصلت أنقرة إلى وضعها المزري على كل الأصعدة.

أحدث فصول المطاردة التركية للمعارضين، حدثت أمس الأربعاء، وكانت على غير ما يتمنى إردوغان إثر رفض محكمة ويستمنستر البريطانية الطلب المقدم من أنقرة تسليم رجل الأعمال حمدي أكين إيبك، مدير مجموعة شركات كوزا- إيبك القابضة، المتهم بالانتماء لحركة الخدمة التي يتزعمها الداعية المعارض فتح الله غولن، المقيم بالولايات المتحدة والذي تتهمه السلطات بالإرهاب وتدبير مسرحية الانقلاب عام 2016، فيما السبب الحقيقي يرجع إلى فضح صحيفة يملكها أكين إرسال الحكومة التركية شحنة أسلحة إلى داعش في سورية.


أفصحت المحكمة البريطانية في العاصمة لندن عن عدم اطمئنانها بشأن احترام دولة القانون في تركيا، معتبرة أن قرار ملاحقة رجل الأعمال دافعه سياسي، وأنه قد يتعرض لسوء معاملة إذا عاد إلى بلاده بسبب آرائه المعارضة، فيما تسمح القوانين المحلية بالطعن على القرار خلال مدة أقصاها 14 يوما، ومن المتوقع أن تواصل الحكومة التركية مطاردة الرجل أمام المحكمة العليا في لندن.

قضايا خيالية
التعليق التركي على القرار البريطاني جاء سريعا من وزير العدل عبد المجيد غول ووصفه بغير المقبول، وزعم عبر حسابه بمواقع التواصل الاجتماعي أن طلب أنقرة إعادة "أكين" يتفق مع القانون والاتفاقيات الدولية، قائلا :"الرفض قرار سياسي، ولا يمكننا قبوله، سنواصل معركتنا بإعادة أفراد التنظيم الإرهابي لحين مثولهم أمام القضاء التركي" حسب وصفه.


من جانبه، قال حمدي أكين إيبك في تصريحات صحافية، إن القرار يؤكد مرة أخرى أن القضايا في تركيا التي تصنف حركة الخدمة بأنها جماعة إرهابية لا تستند إلى أدلة ولا أساس لها من الصحة.
وعبر "أكين" عن امتنانه للقضاء البريطاني منددا بحملة الترهيب التي تستهدفه من الحكومة التركية منذ ثلاث سنوات، مضيفًا "هناك آلاف من رجال الأعمال الآخرين والقضاة والصحافيين العاجزين عن الدفاع عن أنفسهم بسبب انهيار الديموقراطية ودولة القانون في أنقرة"، متابعًا "أطالب بإنهاء انتهاكات حقوق الإنسان، وسأفعل ما بوسعي للتحدث باسم من لا صوت لهم في تركيا".

كانت الشرطة البريطانية اعتقلت "أكين" في 23 مايو الماضي بطلب من السلطات التركية، ومثل أمام المحكمة التي أطلقت سراحه في يوليو الماضي بكفالة 50 ألف جنيه إسترليني، وتمت مصادرة جواز سفره ومنعه من مغادرة لندن خلال المحاكمة، وعقدت آخر جلسات القضية في 28 سبتمبر الماضي، قبل أن تصدر حكمها الأربعاء 28 نوفمبر.

الهروب من القضاء المسيس
أصدرت السلطات التركية قرارا باعتقال أكين إيبك في سبتمبر 2015،بتهمة توليه مهمة إدارية في منظمة فتح الله غولن والترويج لمنظمة إرهابية وتمويلها، وداهمت الشرطة مجموعته الإعلامية وفتشت 23 شركة تابعة لمجموعة كوزا-إيبك القابضة، بالإضافة إلى منزله والجامعة التي أسسها في أنقرة.
حسب وكالة أنباء الأناضول فإنه هرب من قبضة إردوغان في 30 أغسطس 2015 على متن طائرة خاصة متوجها إلى إنجلترا، قبل يومين من مداهمة شركته. 

"أكين" قال بعدها :"علمت بمداهمة شركاتي ومنزلي، حتى أنهم دخلوا إلى غرف أبنائي، هناك افتراءات سخيفة على المؤسسات الإعلامية التي أديرها، عشت بحذر دون أن أورط نفسي في أي شيء، لا تجعلوا مني ومن شركاتي محل شك، اسألوا ما تريدون وسوف أوضحه لكم، لست مدينا لأحد حتى حركة المرور".

وفي تعليقه على القضية، قال رجب إردوغان إنها مازالت منظورة أمام القضاء ووجه حديثه إلى "أكين": تقول إنك لا تملك أموالا بشكل غير قانوني، إذن لماذا تهرب؟ هروبك يعني وجود تهمة ترغب في الهروب منها. محرضا القضاء ضده بقوله: "أتمنى أن يصدر حكمه في هذا". 


فضيحة أسلحة داعش التركية
قرار اعتقال "أكين" ومداهمة شركاته تزامن مع نشر صحيفة بوجون -التي يمتلكها إيبك ضمن مجموعته الإعلامية- خبرا عن إمداد الحكومة تنظيم داعش الإرهابي في سورية بشحنات الأسلحة، وكتب رئيس تحريرها أرهان باش يورت، على حسابه عبر تويتر "بدأت عملية ترهيب وإسكات مجموعة إيبك الإعلامية، داهمت قوات الشرطة مقر الشركة، يا للأسف، فاليوم الذي كشفنا فيه إرسال شحنة أسلحة إلى داعش، تتم فيه مداهمة إعلامنا ومجموعة شركاتنا". 

في نفس اليوم، قال رئيس تحرير جريدة جمهورييت الأسبق جان دوندار، المقيم في ألمانيا بسبب ملاحقته من السلطات عبر حسابه على تويتر: :"داهمت الشرطة صحيفة بوجون، انتبهوا إلى الخبر الرئيس للصحيفة اليوم: (توثيق شحنة معدات مستخدمة في صنع السلاح لداعش على حدود أقجة قلعة)".

وكشفت صحيفة بوجون والتي اشتراها "أكين" عام 2015، بالوثائق والصور إرسال السلطات شحنة معدات أسلحة لداعش عبر معبر أقجة قلعة الجمركي على الحدود السورية. 

الاستيلاء على أموال المعارضة
أصدر مكتب المدعي العام بأنقرة في 27 أكتوبر 2015، قرارا بفرض الوصاية على 23 شركة من مجموعة كوزا- إيبك القابضة ومؤسسات أخرى تابعة لـ"أكين" بتهمة الانتماء لمنظمة غولن.
"أكين" (54 عاما)  كوّن ثروة تقدر بمليارات الدولارات من عمله في مجال تعدين الذهب، ويعد من أهم رجال الأعمال في أنقرة، واشترى شركة أوفاجيك للتعدين ومقرها برغاما بمدينة إزمير بمبلغ 45 مليون دولار وأصبح اسمها بعد ذلك مجموعة شركات كوزا للذهب.
وفي عام 2005 اشترى صحيفة بوجون من مجموعة جينر، واشترى القناتين الفضائية والإذاعية والموقع الخاص بقناة قنال ترك التي أسسها الصحافي تونجاي أوزكان في 2008، وأسس بعدها قناة بوجون التلفزيونية، وفي عام 2014 أسس صحيفة ميللت.

Qatalah