يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


الوهم هو كل ما أعطته الولايات المتحدة لتركيا في مقابل إطلاق سراح القس برونسون، رفض البيت الأبيض تسليم فتح الله غولن زعيم حركة "الخدمة" لإردوغان، وأجبره على إعادة القس الأميركي إلى بلاده، ليظهر الرئيس التركي أمام العالم مجرد حاكم ذليل لا يستطيع مواصلة الصمود أمام واشنطن خاصة بعد تدخله السافر في القضاء بتبرئة رجل قالت المحكمة إنه مدان بالانتماء لجماعة إرهابية. 
بعد أيام من الإفراج عن برونسون، توسل مسؤولو نظام إردوغان لدى الإدارة الأميركية من أجل رفع العقوبات المفروضة عليهم، وهو ما لم تستجب له واشنطن إلا بشروط رضخ لها أولا نظام إردوغان. 
نصت  الصفقة بين إردوغان والولايات المتحدة على عدة بنود في مقدمتها رفع واشنطن العقوبات عن وزيري الداخلية والعدل التركيين مقابل رفع العقوبات أيضا على نظيريهما  الأميركيين من جانب تركيا.
واشتمل البند الثاني على خروج تركيا من دائرة الدول المحظور على إيران التعامل معها في مجال النفط والطاقة، وأخيرا  عدم فرض غرامات أميركية على بنك خلق التركي الذي يواجه مسؤولون فيه تهما تتعلق بمساعدة طهران على تجاوز العقوبات الأميركية.

تبادل رفع العقوبات 
عقب الإفراج عن برونسون أعلن وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو أن تركيا رفعت عقوباتها عن وزيري: العدل جيف سيشنز والداخلية كريستين نيلسن الأميركيين، بالتزامن مع رفع واشنطن عقوباتها عن وزيري العدل عبد الحميد غل والداخلية سليمان صويلو التركيين والتي صدرت في أغسطس الماضي بموجب قانون جلوبال ماجنيتسكي ردا على تمسك أنقرة بعدم الإفراج عن القس المحتجز.
زعم أوغلو أن رفع العقوبات المتبادل بين تركيا والولايات المتحدة الأميركية جاء بطلب من واشنطن قائلا: الولايات المتحدة الأميركية رغبت بالتخلي عن قرارها هذا، وخلال الأيام الأخيرة تواصلوا معنا وسألونا: هل أنتم مستعدون لرفعها بشكل متبادل؟ وأضاف: كنا نرى هذا القرار خاطئا قلنا بأننا نرفعها حينما ترفعونها أنتم، وبالأمس تم اتخاذ خطوات في هذا الخصوص.

الغاز.. أهم من العدالة
وبعد مرور أقل من شهر على إطلاق سراح القس أعلنت وزارة الخزانة الأميركية استثناء تركيا من العقوبات المفروضة على إيران لافتة أنها سمحت لأنقرة بالتعامل مع شركات إيرانية في المشاريع الهادفة لنقل الغاز الطبيعي المستخرج من حوض شاه دنيز الأذري إلى الأراضي التركية ومنها إلى القارة الأوروبية.
اعتبرت الخزانة الأميركية أن الخطوة تأتي في إطار المساعي الرامية لتوفير أمن الطاقة لتركيا ودول الاتحاد الأوروبي قائلة إن وصول الغاز الطبيعي الأذري إلى تركيا ودول الاتحاد الأوروبي يخدم استراتيجية تخفيض اعتماد أنقرة ودول الاتحاد الأوروبي على الغاز الطبيعي الإيراني والروسي.
وذكرت وزيرة التجارة التركية روهصار بكجان أن تركيا ستكون واحدة من الدول الـ8 المعفية من العقوبات الأميركية على إيران، لافتة إلى حجم التبادل التجاري بين أنقرة وطهران والذي بلغ 10.6 مليار دولار العام الماضي و7.4 مليار خلال الأشهر الـ9 الأولى من العام الجاري واعترفت بأن العقوبات على إيران أثرت على حجم التبادل بين البلدين.
وتابعت: ننتظر من الولايات المتحدة أن تعفي تركيا من العقوبات في مسألة الطاقة، فنحن لدينا بالفعل اتفاقية مع إيران في هذا المجال، وأضافت: في إطار الاتفاقية فإن تركيا مجبرة أن تدفع لإيران حتى لو لم تأخذ منها شيئا، ولا يمكنها التراجع.
أما الجائزة التي ينتظرها نظام إردوغان بعد الإفراج عن القس فهي إلغاء قرار زيادة الرسوم الجمركية على الصلب التركي والألمنيوم المصدر للولايات المتحدة، وهو القرار الذي ساهم في مزيد من الانهيار لليرة التركية. 

بنك خلق.. ورقة إذلال ترامب لإردوغان  
البند الثالث الذي لم يدخل حيز التنفيذ ويتوسل إردوغان لدى السلطات الأميركية لإنجازه هو إلغاء فرض غرامات على بنك "خلق" التركي بعد إدانة أحد مديريه بالمشاركة في برنامج لمساعدة إيران على تفادي العقوبات الأميركية الموقعة على طهران.
وقال إردوغان  إنه بحث مع ترامب قضية البنك الذي يواجه احتمال فرض عقوبات عليه، مشيرا إلى وجود مفاوضات يرى محللون أنها قد تأتي بتنازل جديد من إردوغان لصالح الولايات المتحدة. 
في مايو الماضي قررت محكمة أميركية سجن مدير تنفيذي بالبنك لمساعدته طهران على الالتفاف على العقوبات الأميركية، فيما ينفي البنك ارتكاب أية مخالفات زاعما أن العقوبات بمثابة هجوم سياسي على الحكومة التركية.
ودخل وزير الخزانة والمالية التركي بيرات آلبيراق على خط أزمة البنك، قائلا إنه لا يتوقع فرض أية غرامة عليه، وقال إردوغان إن ترامب أبلغه بأنه سيوجه على الفور تعليماته للوزراء المعنيين.
رغم ما يصدره من انتصارات وهمية فقد سببت قضية برونسون خسارة فادحة لتركيا إذ كان المطلب الأول والأساسي من القبض على القس هو أن تسلم واشنطن عبد الله غولن لتركيا، وهو ما لم يتم، فاضطرت تركيا إلى التراجع عن موقفها.


ليخرج عمر جليك المتحدث باسم حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا بعد إطلاق سراح القس وهو يتحدث عن ما وصفه بضرورة تطبيع العلاقات مع واشنطن. 
ألقي القبض على برونسون في أكتوبر 2016 بتهمة الارتباط بحزب العمال الكردستاني وجماعة فتح الله غولن الأمر الذي نفاه محاموه والولايات المتحدة بشدة.
وبعد الإفراج عنه استقبله الرئيس الأميركي في البيت الأبيض معتبرا إطلاق سراح برونسون خطوة مهمة لتحسين العلاقات بين واشنطن وأنقرة، بينما ظهر الاستقبال كرسالة مباشرة لإردوغان تقول: " أعطيناك الوهم وسلمتنا برونسون".
ولم يخجل إردوغان من الزعم بأن الإفراج عن القس تم بقرار من المحكمة وحدها في حين أن تدخله السافر في القضاء ظهر بوضوح خلال تلك القضية التي كسرت أنف العدالة في تركيا.
فصول الصفقة وبنودها قد تشهد جديدًا في الأيام المقبلة، إذ سيلتقي ترامب مع إردوغان في 11 نوفمبر الجاري على هامش مؤتمر دولي في باريس.

Qatalah