يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


بوجه ملائكي وعقل شيطاني وقوة آلاف الفرسان استطاعت صفية خاتون تسجيل نفسها في التاريخ بوصفها واحدة من أكثر النساء نفوذا وسلطة في تاريخ الدولة العثمانية، أرسلت الموت إلى كل من فكر في أن ينتزع مكانتها، لكن الموت تسلل في غفلة منها إلى ابنها السلطان محمد الثالث فكسر شوكتها وحكم عليها بالعزلة حتى النهاية 

لا تستطيع صفية أن تتذكر عدد الذين قتلتهم لتصل إلى أعلى مكانة في الدولة، ولكنها لن تنسى أبدا العام 1564 عندما كانت تتنزه على الشاطئ مع صديقاتها النبيلات، فشن القراصنة هجوما على الجزيرة لتجد الأميرة الصغيرة ابنة أحد حكام جزر البندقية التي لم تتخط الرابعة عشر نفسها أسيرة وينتهي بها الحال لتباع في الأسواق جارية، وتسوقها الأقدار إلى حرملك السلطان العثماني سليم الثاني.

الحزن الكبير الذي ملأ قلبها لم يستطع أن ينال من حسنها البراق الذي أصبح حديث الحريم في بلاط القصر، ومادة للشعراء الذين أسهبوا في وصف جمالها دون حتى أن يشاهدونها، وهو ما جعل الأمير مراد الثالث، يقع في غرامها، ويضمها إلى الحرملك.

باش قادين
تولى مراد الثالث العرش العثماني، فأمر بعتقها وأعلن زواجه منها ليرتفع مركزها في البروتوكول العثماني من جارية إلى قادين ثم إلى باش قادين، أي أم ولي العهد، وبذلك احتلت المرتبة الثالثة داخل الحرملك بعد السلطانة الأم نوربانو، وأخت السلطان السلطانة أسمات.

الصراع 
قرار مراد المفاجئ أزعج السلطانة الأم نوربانو وشقيقته أسمات سلطان، وهو ما جعلهما تدبران المكائد للتخلص من صفية التي حولت السلطان الجديد إلى خاتم في أصبعها بعد زواجه منها يطيع كل ما تأمر به بدون نقاش، فأرسلتا إليه الجواري الجميلات ليتحرر من أسرها، إلا أن صفية دائما كانت لها الغلبة.

طموح صفية كان أكبر بكثير من مؤامرات الحرملك، فقد كانت تنظر إلى العرش لتستعيد مجدها المفقود، لكن السلطانة الأم حطمت خططها وحرضت رجال الدولة لتهميشها، وفي مقدمتهم الصدر الأعظم محمد باشا صوقللو الذراع الأيمن للسلطانة الأم، وهو ما جعل صفية تفكر في الإطاحة به ليخلو لها وجه السلطان، فنفذت جريمة اغتياله بمساعدة عدد من الوزراء العام 1579.

ولم يمر على وفاته أكثر من أربعة أعوام حتى تسربت الأخبار من القصر بأن السلطانة الأم نوربانو ماتت بالسم. الدليل الوحيد على تورط صفية كان شهادة أحد الحراس الذي رأى جارية صفية تخرج من حجرة السلطانة الأم، والارتباك يعلو وجهها، إلا أن صفية أرسلت الحارس بدوره إلى القبر ليصمت إلى الأبد.

سيدة الحرملك
انفردت صفية بالنفوذ في الحرملك، ووضعت قواعد صارمة لتأكيد سيطرتها على الجميع.. فرضت شروطها لدخول الجواري إلى جناح السلطان، وشهدت السنوات الأخيرة من عمر مراد الثالث استحواذ كامل للمرأة القوية على مجريات الحكم، بعد أن دست أنفها في شؤون السياسة، وأغرقت الوزراء بالرشاوى لتضمن انحيازهم لها، كل هذا والسلطان العثماني جالس في جناحه الخاص تاركا لها إدارة الدولة لتفعل ما يحلو لها.

وشكل غياب الصدر الأعظم بشخصيته القوية بالغ الأثر في ظهور عوامل الضعف في كيان الدولة العثمانية، مما ساعد في انتشار مظاهر السخط بين فرق الجيش العثماني، التي لم تعد ترى السلطان يقودها كما كان يحدث أيام جده السلطان سليمان، ولكن صفية استغلت الأمور لصالحها في توجيه السياسة العثمانية كيفما تشاء.

 

الحنين للماضي
لم تنس صفية أصولها الإيطالية فكان التقارب مع جمهورية البندقية وتدعيم العلاقة بينها وبين اسطنبول أول ما فعلته، وساعدها في ذلك ضعف السلطان الذي صدّق على أوامر جاريته لتحقق ما تريد.

ويبدو أن أخبار قوة السلطانة وصلت إلى إنجلترا فلم تجد الملكة إليزابيث الأولى أمام خطر الغزو الإسباني إلا الاستعانة بصفية، فبعثت إليها برسالة تحمل صيغ التبجيل والتعظيم ما يعد اعترافا بمكانتها داخل البلاط العثماني، ويعكس الدور الذي لعبته من أجل تأمين الدبلوماسية والتحالفات الاقتصادية والعسكرية.

مذبحة الأمراء
لم تكن صفية تنظر تحت قدميها الجميلتين وتكتفي بما حققته من انتصارات شخصية، كانت تعلم أن كل ما بنته من مجد يمكن أن يهدم في غفلة من الزمن إذا مات زوجها وتم توريث الحكم لأحد أولاده، فسعت لاستصدار فرمان من السلطان مراد الثالث، بتعيين ولدها الأمير محمد خان وليا للعهد، وبذلك ضمنت العرش لابنها.

فهل اطمأنت الشيطانة الجميلة على مستقبلها ومستقبل صغيرها؟

لا.. لم يتسرب الهدوء إلى قلبها القلق، ولم تفارق الكوابيس مرقدها الوثير ليلة واحدة، كانت تشاهد نفسها  في حلم مزعج يتكرر دائما وهي مكبلة بالقيود بجانب ابنها بعد وفاة زوجها، وقد انحاز الجيش إلى أبناء السلطان الذين يرفعون سيوفهم ليطيحوا برأسها ورأس طفلها، فكانت تصحو مفزوعة وهي تتحسس رقبتها وتنهض للاطمئنان على ولدها.

ولأن القتل هو وسيلة صفية الوحيدة للدفاع عن طموحها فقد دبرت مكيدة لتصفية جميع الأمراء لتأمين وصول ابنها للعرش، بمساعدة الجواري والعبيد وأعدت خطة محكمة للتخلص منهم.

وبمجرد إعلان وفاة السلطان مراد الثالث يوم 19 يناير 1595م، أعطت إشارة البدء لتنفيذ المذبحة، وبينما كان الجميع يستعد في قصر طوب قابي، لإجراء مراسم العزاء في القاعة الكبرى، التي من المنتظر أن يتقدمها السلطان الجديد محمد الثالث، سالت دماء الأمراء.

أبناء السلطان مراد الـ18 سبقوه إلى القبر جثثا هامدة، بعد أن اقتحم عبيد صفية أجنحتهم، وانقضوا عليهم خنقا بأوتار الأقواس الناعمة، في مذبحة بشعة.

سأل ولي العهد أمه عن إخوته غير الأشقاء، بعد أن لاحظ اختفائهم من مراسم العزاء، فلم تتحرج صفية خاتون، وهي تجيبه قائلة: "لاتقلق يا عزيزي، فأنت وحدك ستتقبل واجب العزاء في سلطاننا الراحل، أما إخوتك الباقون، فقد سبقوك إلى داخل الضريح ليكونوا في استقبال جثمان والدهم السلطان المعظم عند الدفن، لقد خلصتك منهم حتى لا ينازعك في السلطة أحد، فعلت معك ما فعله والدك السلطان مراد مع إخوته الـ5 حين أمر بقتلهم، حتى لا يزاحمه أحد على الحكم، لم انتظر جلوسك على العرش، ثم تصدر قرارك بقتل إخوتك، فلو تحالف أحدهم مع قوات الجيش لكان مصيرنا الموت، لذلك فعلت ما فعلت".

شاعت صفية أن محمد خان أصبح سلطانا للبلاد، أما إخوته فقد قتلوا بعد أن أعلنوا تمردهم، وحاولوا الانقلاب عليه، فكان الموت جزاء الخائن، وهكذا تم القضاء على الإخوة ومسح ذكراهم بتشويه أفعالهم أمام الرعية،.. خطوة دموية وماكرة لكنها نجحت في تثبيت دعائم سلطان ولدها الشاب.

 

دولة صفية
لم تكن المذبحة إلا مقدمة لسيطرتها الكاملة على الدولة العثمانية فعليا، فطوال سنوات حكم محمد الثالث ظلت مقاليد الحكم بيدها، فقد ورث السلطان الجديد عن والده ضعف الشخصية وعشق الجواري الحسان، فأحاطته بأكبر عدد منهن لتخدره وتبعده عن شئون الدولة.

اهتمت السلطانة بتثبيت أركانها في الداخل وأدارت ظهرها للخارج فمُنيت الدولة العثمانية بهزائم عسكرية ساحقة، استعادت خلالها الدولة الصفوية في إيران قوتها وحققت نجاحات هائلة في العراق، أما النمسا فقد تقدمت بجراءة تهاجم الحدود العثمانية في البلقان محققة انتصارات كبيرة، بعدما ضربت الفوضى أركان آل عثمان، ودخلت فرق الجيش في صراعات داخلية، السباهية ضد الإنكشارية، والولاة ضد بعضهم البعض.

ثارت فرق الإنكشارية، وهاجمت طوب قابي سراي، فلم يجد السلطان الضعيف ما يدفع به الجنود الثائرين، إلا أن صفية استعادت زمام الأمور سريعا لتنقذ العرش فأرسلت إلى قادة الإنكشارية تقول لهم: "إن السلطان سيدفع لكم رواتبكم، مع زيادة عن المقرر إذا ما فصلتم رأس الصدر الأعظم عن جسده أولاً"، وهكذا تم إعدام الوزير الذي أراد سحب البساط من تحت قدميها.

النهاية المؤلمة
جاء انهيار صفية خاتون، من حيث لم تحتسب فالموت زار سريعا السلطان محمد الثالث سنة 1603، ولم تمض على فترة سلطنته إلا ثمانية أعوام، لتفيض روحه وهو في الـ36 من عمره، ويتولى الحكم ابنه الشاب السلطان أحمد الأول، الذي كان في الرابعة عشر من عمره، ومع انتقال السلطنة إليه انتقل لقب السلطانة الأم بدوره من صفية خاتون إلى أم السلطان الجديد خندان خاتون.

وقفت السلطانة الأم خندان خاتون لصفية بالمرصاد، استعانت بجارية السلطان المفضلة كوسم خاتون لمواجهة نفوذ صفية، أوعزت للسلطان بأن يخصص لها قصرا على ضفاف البوسفور، بعيدا عن مقر الحكم في قصر الباب العالي، لتقضي صفية فيه بقية حياتها، وتمر السنوات الأخيرة عليها بطيئة كالسحب، وتدهسها كالعجلات الحربية، فاختفى جمالها وظهر رسول الموت أمامها سنة 1619 ليتسلم روحها في غياب الجاه والسلطان والنفوذ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر:

 

1 - أحمد آق كوندز الدولة العثمانية المجهولة

2 - ماجدة صلاح مخلوف الحريم في القصر العثماني

4 - خليل اينالجيك تاريخ الدولة العثمانية من النشوء إلى الإنحدار

5 - محمد جميل بيهم فلسفة التاريخ العثماني

6 - دائرة معارف الإمبراطورية العثمانية

7 - محمد أحمد الثقفي : زواج السلاطين العثمانيين من الأجنبيات وأثره في إضعاف الدول

Qatalah