يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


إذا كانت أسماء قليلة فقط تشكل رعبا للرئيس إردوغان وتلاحقه في المنام، سيكون من بينها اسم صلاح الدين دميرطاش المرشح الرئاسي السابق وزعيم حزب الشعوب الديموقراطي، المعتقل بأوامر من رجب في سجن أدرنة قرب الحدود مع اليونان.
مواقف كثيرة جعلت من دميرطاش مصدر رعب لإردوغان، دفعت الأخير إلى وضعه على رأس قائمة أعدائه الداخليين، واعتقاله أكثر من مرة آخرها في نوفمبر 2016 حيث لا يزال أسيرا لدى سلطان أنقرة حتى الآن.
من مواقف ديمرطاش ضد إردوغان فضح مفاوضات سرية كان يجريها مع رئيس حزب العمال الكردستاني عبدالله أوغلان، تتضمن الإفراج عن المقاتلين الأكراد وفرض إقامة جبرية على أوغلان بدلا من الحبس ثم الإفراج عنه تماما ومنح الحكم الذاتي للأكراد في شرق تركيا، في مقابل ضمان أصوات الأكراد لصالح الانتقال من النظام البرلماني إلى الرئاسي في مرحلة التمهيد للاستفتاء الذي أجري في أبريل الماضي. 
زاد دميرطاش من عداء إردوغان له بفضل جرأته في اتخاذ قرار خوض الانتخابات الرئاسية في يونيو الماضي من محبسه ومنافسة إردوغان الذي انتابه الرعب من الخطر الذي قد يشكله الزعيم المعتقل على حلمه في الانفراد بتركيا.

ناشط كردي
ولد دميرطاش لأسرة فقيرة في مدينة معمورة العزيز شرقي تركيا عام 1973، وتخرج في كلية الحقوق جامعة أنقرة، وأصبح عضوا في اللجنة التنفيذية لمنظمة حقوق الإنسان التركية في مدينة ديار بكر ثم رئيسا لها، وساهم في تشكيل جمعية حقوق الإنسان التركية، وأسس مكتب ديار بكر لمنظمة العفو الدولية.
انخرط في الحياة السياسية بعد تأثره باغتيال رئيس حزب العمل الشعبي الكردي فيدات آيدن، الذي سجلت جريمة اغتياله ضد مجهول عام 1991، ويقول دميرطاش إنه سمع كلمة الأكراد لأول مرة في مرحلة الدراسة الثانوية ما يؤكد التعتيم الإعلامي على الهوية الكردية.


انضم إلى حزب المجتمع الديموقراطي اليساري الكردي عام 2007، وأصبح نائبا عن الحزب في البرلمان، واتهم من قبل السلطات والمحكمة الدستورية العليا بالارتباط مع حزب العمال الكردستاني عام 2009، ثم أصبح نائبا عن حزب السلام والديموقراطية اليساري الكردي الذي حظرته المحكمة للسبب نفسه.

نجاح يؤرق الطاغية
شارك دميرطاش في تأسيس حزب الشعوب الديمقراطي عام 2012، ليتولى رئاسة الحزب، فاطمة كوك وبافوز أونين، فيما ترأس الزعيم الكردي رئاسة الحزب مناصفة مع فيجان يوكسكداغ بعد فوزهما في انتخابات الحزب الداخلية في 22 يونيو 2014.
خاض الحزب تحت رئاسته انتخابات البرلمان عام 2015 كحزب مستقل بدلا عن ترشيح أعضائه كمستقلين، وتحدى أردوغان حينها قائلا: "لن نسمح لك بفرض النظام الرئاسي"؛ وحقق الحزب نجاحًا باهرا في انتخابات نوفمبر 2015 بالحصول على ما نسبته 13,01 % ليمثله  57 نائبا في البرلمان.

عاقبه نظام إردوغان على نجاح الحزب، وأخضعه للتحقيقات بتهم هزلية من قبيل "احتقار إردوغان" و"تبني أجندة حزب العمال الكردستاني".
وقال دميرطاش ردًا على التحقيق معه إن حزبه يعاقب على نجاحه في الانتخابات التي أدت إلى فقدان حزب إردوغان العدالة والتنمية الغالبية المطلقة، وأضاف أمام كتلته البرلمانية "لم نرتكب جرائم لا تغتفر، جريمتنا الوحيدة هي كسب نحو 13% من الأصوات".
وقبل ذلك، حمل دميرطاش إردوغان المسؤولية عن الهجوم الانتحاري في مدينة سوروج قرب الحدود التركية، والذي راح  ضحيته 32 قتيلا وأكثر من 100 مصاب.


في المقابل، اتهمه إردوغان بأنه المسؤول الأول عن مقتل 50 شخصا في الاضطرابات التي شهدتها بعض المدن التركية في أكتوبر 2014، زاعما أنه "يعمل دائما على تشويه عملية السلام الداخلي وعرقلتها ومحاولة العودة بها إلى الوراء، وطالبه حينها بـ "ألا يتجاوز حدوده".
وقال المدعي العام في ديار بكر خلال التحقيقات مع زعيم حزب الشعوب إن "تصريحات دميرطاش حول الوضع في تركيا هي سبب التحقيق"، مطالبا وزارة العدل التركية برفع الحصانة عنه.
ولكن دميرطاش عاد ليتهم إردوغان ورئيس الوزراء السابق أحمد داود أوغلو بالتسبب في ضعف تركيا، وما آل إليه الوضع في شمال كردستان، داعيا أعضاء حزبه ومؤيديه إلى الدفاع عن أنفسهم والرد على هجمات النظام بعد أن تعرضوا لـ 400 هجوم، مؤكدا أن "الدفاع عن النفس حق قانوني".

 

اعتقاله الأخير
ألقي القبض على دميرطاش وشريكته في رئاسة الحزب  فيجان يوكسكداغ من منزلهما في ديار بكر في نوفمبر 2016، ولحق به في السجن 9 نواب عن الحزب في البرلمان بسبب رفض الإدلاء بشهاداتهم في قضية الارتباط بحزب العمال الكردستاني.
غرد دميرطاش عبر حسابه على "تويتر" لتوثيق لحظة اعتقاله، وقال: "رجال الشرطة واقفون على باب منزلي في ديار بكر ومعهم قرار بوضعي قيد التوقيف بالقوة".
جاءت عملية الاعتقال في وقت شهدت فيه ديار بكر توترات متزايدة مع نظام إردوغان، وقبل الاعتقال بشهور أقر البرلمان التركي رفع الحصانة عن دميرطاش وبعض النواب المعتقلين.
حكم على دميرطاش سبتمبر الماضي بالسجن 4 سنوات و8 أشهر، فيما يظل ماثلا أمام القضاء في قائمة طويلة من الاتهامات المزيفة التي يأتي على رأسها تأسيس جماعة إرهابية وإدارته، والترويج للأفكار الإرهابية، ما يعني أن الأحكام المتوقع أن تصدر في حقه تبلغ 142 عامًا.

الصفقة السرية
كشف دميرطاش أمام القضاء في أواخر 2016 عن تفاصيل اتصالات إردوغان مع زعيم حزب العمال الكردستاني عبدالله أوجلان، وقال إن الرئيس أرسل إليه أحد وزرائه بورقة تحمل توقيع أوجلان عام 2015، حيث يدعوه إليه دعم أردوغان والتراجع عن الترشح للانتخابات الرئاسية وحث الأكراد على تأييد التحول إلى النظام الرئاسي.
أكدت صحيفة ملييت التركية أقوال دميرطاش، ونشرت في 28 فبراير 2013 أخبارا تفيد بأن "التحالف كان قائما على أساس دعم الأكراد لـ إردوغان في تحقيق حلمه الخاص بنقل تركيا من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي"، وفشلت الصفقة بقرار حزب الشعوب الديمقراطي خوض الانتخابات البرلمانية عام 2015.

مرشح خلف القضبان
أعلن حزب الشعوب ترشيح دميرطاش لانتخابات الرئاسة ضد إردوغان في مايو الماضي، فأطلق السياسي المعتقل حملته الانتخابية من وراء القضبان، وجن جنون إردوغان وشن حملة شرسة ضد الرجل في محبسه.
هاجمه إردوغان على الترشح للانتخابات الرئاسية، وقال "هل حزب الشعوب يعاني من إيجاد مرشح للانتخابات الرئاسية، واندفع إلى تقديم مرشح إرهابي من المعتقل".
جاء رد دميرطاش سريعا، وقال إن "إردوغان مجرد شخص يرى في السياسة وسيلة لتحقيق سلطة شخصية، ويرى نفسه زعيما دينيا للخلافة الإسلامية".
كانت مواقع التواصل الاجتماعي ومكالماته مع زوجته وسيلة دميرطاش للخطبة في الجماهير خلال ترشحه للانتخابات الرئاسية، وزلزلت إحدى خطبه إردوغان بقوة كلماته، حيث قال إن "تركيا باتت تشبه سجنا مفتوحا عبر نظام إردوغان الذي يحاول حكم المجتمع بالترهيب والتخويف".
ووصف ديمرطاش نظام إردوغان بأنه "دولة تمارس القتل"، معتبرا أن الانتخابات "نقطة حاسمة ستحدد ما إذا كانت تركيا ستتجه نحو نظام الرجل الواحد السلطوي أو نحو النضال من أجل الديمقراطية".
جاءت نتائج الانتخابات لتؤكد تفوق دميرطاش في 10 ولايات، وحصوله على أكثر من 4 ملايين صوت، رغم التقييد والقمع المفروض عليه، ليظل اسمه مؤرقا لأردوغان.

ورقة الصراع الجديدة
لم تكن الانتخابات الرئاسية ورقة دميرطاش الأخيرة لتخويف إردوغان، وقال في مقابلة نشرها الموقع الإلكتروني لحزب نهاية أكتوبر الماضي إن "الانتخابات المحلية المقبلة المزمعة في مارس 2019 قد تجبر حزب إردوغان على إجراء انتخابات مبكرة".
وعلق على الأزمة الاقتصادية التي تعيشها تركيا، معتبرا أنها أولى مراحل الانهيار، وأرجعها إلى فشل نظام إردوغان وليس بسبب قضية القس الأميركي أندرو برونسون الذي أفرجت عنه تركيا مؤخرا في صفقة فاضحة بين إردوغان وترامب.
وأضاف دميرطاش من معتقله إن "هذه الأزمة جاءت لأننا اعتمدنا على الخارج في كل شيء، ولم يعد لدينا إنتاج، ومن الصعب تخمين الانعكاسات السياسية للأوضاع الحالية"، داعيًا المعارضة إلى استغلال الأزمة بتقديم الأمل والحلول للناخبين.
وشدد على رفضه قبضة إردوغان الأمنية، وقال "منذ العام 2009 تتواصل في تركيا عمليات الإبادة السياسية دون توقف، عمليات تهدف في المقام الأول لكسر إرادة المواطنين"، داعيا إلى إنقاذ القضاء من سطوة إردوغان.

Qatalah