يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


لم يجد التاريخ ما يكتبه عن هذا الرجل على شاهد قبره سوى أنه "فاسد من كل قلبه وبكامل إرادته".صوقولو محمد باشا (1506-1579) أكثر من اشتهر بالفساد المالي والإداري وسفك الدماء وتدبير المؤامرات، ممن تولوا منصب الصدر الأعظم في دولة الخلافة. 
كان من غلمان أوروبا، الذين دفعتهم أمهاتهم ثمنا للبقاء على قيد الحياة ضمن ما عرف بضريبة الدوشرمة أو الغلمان، في قرية صوقل بإقليم البوسنة في عهد سليم الأول، قبل أن يكبر بين أيدي خاطفيه، ويجري ضمه للجيش الإنكشارية، وفيها برع في الترقي بأساليب غاية في الدهاء، حتى أصبح قائد البحرية العثمانية ثم الصدر الأعظم للدولة لمدة 15 عاما، عاصر فيها ثلاث سلاطين هم سليمان القانوني  وسليم الثاني  ومراد الثالث.

عسكري فاشل يثير تمرد جنود البحرية
أصبح محمد باشا قائدا للبحرية العثمانية عند وفاة خير الدين بربروس عام 1546، تولى هذا المنصب بتقديم رشوة إلى الصدر الأعظم رستم باشا، لكن فساده وسمعته السيئة دفعت أفراد البحرية العثمانية لإعلان رفضهم تعيينه، وكانوا يعاملون صوقولو بفتور شديد، ما أثار نقمة محمد باشا على البحارة، ويتضح ذلك بتعيينه قادة من الإنكشارية على الأسطول العثماني وإبعاده القادة البحريين.
قدم رشوة كبيرة للسلطان سليمان القانوني ليتم تعيينه واليا على ولاية الروملي في العام 1551، وقاد حملة من 90 ألف جندي على إمارة ترانسيلفانيا، لكنه فشل في تحقيق أي انتصار ومنيت الحملة بهزائم متتالية وقتل الآلاف من جنود الإنكشارية.
تدهورت القوة العسكرية للدولة العثمانية في وزارة محمد صوقولو، بعد أن تحكمت الرشوة في الجيش، إذ قدم اليهودي يوسف ناسي رشوة للصدر الأعظم ليقنع السلطان سليم الثاني باحتلال جزيرة قبرص ومنحها لليهود لتدشين دولة يهودية عليها، فأعلن صوقولو الحرب على جمهورية البندقية وأرسل جيشا بريا بقيادة لالا مصطفى باشا برفقة الأسطول لاحتلال قبرص.
تلقى الأسطول العثماني ضربة قوية في معركة ليبانت على يد أسطول البندقية، واتهم محمد باشا بالتسبب في الهزيمة لأنه عين قائدا بريا هو مؤذن زاده علي باشا قائدا على الأسطول، فقتل الأخير وخسرت البحرية العثمانية الكثير من رجالها وتعرض الأسطول للدمار، فضلا عن استيلاء البندقية على 300 مدفع عثماني، وكانت الهزيمة نقطة تحول في تاريخ البحرية العثمانية، وسقطت أسطورة "البحرية العثمانية لا تُهزم".

أولى مهامه: قتل الأمير بايزيد وأبنائه الأربعة
تحالفت السلطانة روكسلانا مع الوزير محمد صوقولو لتولية الأمير سليم على عرش آل عثمان، لأنه الأضعف طمعا في أن يلعبا الدور الأساسي في توجيه سياسة الدولة العثمانية في ظل وجود سلطان ضعيف الشخصية هو سليم المعروف بين العامة بـ"السكير".  
تلاعب صوقولو بعقل سليمان القانوني وأقنعه بقتل ولده بايزيد، ففر الأخير إلى شاه الدولة الصفوية، فصدرت الأوامر للصدر الأعظم بالتخلص من الأمير بايزيد بأي ثمن، فعقد صوقولو صفقة قذرة مع الشاه حيث تم الاتفاق على أن يدفع السلطان سليمان 500 ألف ليرة ذهبية ويتنازل عن قلعة قارص، مقابل تسليم بايزيد، وفي 23 يوليو 1562 أشرف صوقولو بنفسه على قتل بايزيد وأبنائه الأربعة.
تولى صوقولو منصب الوزير الثاني بعد وفاة الصدر الأعظم رستم باشا في العام 1561، ثم أصبح الصدر الأعظم في العام 1565 بعد وفاة سيمز علي باشا، بعد أن دفع رشاوى وهدايا ثمينة لسليمان القانوني وحاشيته، بالإضافة إلى تقربه من ولي العهد الأمير سليم بتخلصه من منافسه على العرش الأمير بايزيد.
كان السلطان سليم مدينا لزوج ابنته صوقولو بالعرش، وأبقاه في منصبه كصدر أعظم، وأعطاه صلاحيات غير محدودة، فأحكم الأخير قبضته على السلطنة، وأصبح الآمر الناهي في الدولة، في ظل وجود السلطان سليم ضعيف الشخصية، لذلك كان رجال البلاط ينظرون إلى صوقولو باعتباره دكتاتورا. 
تولى صوقولو الإشراف على حياة السلطان الماجن في أحضان الجواري، فأمر النخاسين بشراء أجمل الجواري من أسواق أوروبا وروسيا، ونجح الوزير في عزل السلطان عن العالم الخارجي، بعد أن قرب إليه حاشية من السكارى والمخمورين، واحتجب السلطان عن حضور جلسات الديوان الهمايوني، فلم يكن يفيق من سكره.

توريث واحتكار مناصب الدولة في عائلته 
استندت قوة صوقولو محمد باشا على تولية أفراد أسرته المناصب الرئيسية في الدولة، وكان ابن عم صوقولو مصطفى باشا مثالا على ذلك، إذ ولاه العديد من المناصب في إسطنبول ثم عينه واليا على ولاية بودا لمدة 12 عاما (1566 - 1578)، كما تولى ابن عمه لالا محمد وظيفة المعلم بقصر طوب قابي، وفي نهاية المطاف أصبح لالا محمد الصدر الأعظم، كما عين ابنه الأكبر حسن باشا واليا لديار بكر، ثم عينه بمنصب الوزير الخامس.
كان صوقولو باشا قدوة سيئة لموظفي الدولة، حيث اشتهر صوقولو بلقب "المرتشي"، إذ حصل على منصبه بتقديم رشوة مالية للسلطان سليم الأول، ثم تزوج من الأميرة "أسمهان" ابنة السلطان سليم الثاني، ليحصل على لقب داماد، وظل متربعا في منصبه مدة 15 عاما، برشوة ثلاثة سلاطين.
استن سنة خبيثة في الدولة العثمانية، إذ فرض على الولاة شراء مناصبهم سنويا، واقترنت عملية تجديد الشراء بتقديم هدايا نقدية وعينية، الهدايا شملت مجوهرات وجواري، وكانت ولاية مصر الأغلى بين ولايات السلطنة، فكان والي مصر يدفع 100 ألف بندقي (عملة ذهبية تنسب إلى جمهورية البندقية) كل عام.
وأغراه جشعه وشرهه للمال بأن يفرض على حكام الولايات العثمانية أن يعيدوا شراء مناصبهم كل سنة، بعد أن كانت عملية الشراء تتم مرة واحدة عند التعيين لأول مرة في المنصب، وكانت عملية الشراء السنوية تقترن بأن يقدم كبار الموظفين إلى صوقولو باشا هدايا نقدية وعينية تتناسب مع المركز القيادي الذي يشغله كل منهم والموارد المالية التي يدرها هذا المركز القيادي، أما إذا توفى أحد شاغلي المناصب فكان صوقولو يعين خلفا له من يدفع أعلى ثمن للوظيفة الجديدة، فاستبدل القيادات ذات الكفاءة بقيادات عديمة الكفاءة غالبا.
صوقولو فرض على والي مصر أن يدفع سنويا 100 ألف دوكا، وعلى الوزراء أن يدفعوا ما بين 50 إلى 60 ألف دوكا سنويا، وعلى الباشوات أصحاب رتبة "بيلر بي" أن يدفعوا من 15 إلى 40 ألف دوكا بحسب مواقع خدمتهم، بالإضافة إلى راتب صوقوللو الشخصي الذي بلغ 20 دوكا يوميا، ما جعل دخله يتجاوز المليون دوكا سنويا.

تحويل الجيش إلى مرتزقة إتاوات
امتد فساد صوقولو إلى العلاقات الخارجية للدولة العثمانية مع الدول الأوروبية، إذ تلقى هدايا سنوية من سفراء البندقية والنمسا وترانسيلفانيا، في مقابل منحهم امتيازات تجارية على حساب تجار السلطنة، ولما تأخرت الرشوة السنوية المفروضة على جمهورية البندقية، هددهم بإلغاء الامتيازات ومهاجمة سفنهم التجارية، وأمر جنوده بالتحرش بسواحل البندقية.
نجحت جمهورية البندقية في شراء ذمة الصدر الأعظم والحصول على معاهدة امتيازات في العام 1573، تم التنازل بموجبها عن بعض الجزر بالبحر المتوسط، وحصل مقابل الصفقة على 10 آلاف دوكة، ومجموعة مجوهرات ثمينة سنويا، ثم نقض العهد بعد رفضهم إرسال الهدايا دوريا، وأمر جيوشه بالهجوم على قبرص وقتل منها الآلاف، ثم تراجع وقبل الصلح في مقابل 15 ألف دوكة (عملة ذهبية تنسب إلى جمهورية البندقية).
وكما جاء ذهب، إذ دبرت السلطانة صفية مؤامرة للتخلص من الصدر الأعظم، في محاولة منها لتنصيب شمسي باشا أحد صنائع السلطانة الحالمة بالانفراد بالسلطة، وأثناء وجود محمد باشا في قاعة الديوان بقصر الباب العالي في أكتوبر العام 1579، طلب أحد الدراويش مقابلة الصدر الأعظم صوقولو باشا، وأثناء حديث الدرويش مع محمد باشا تقدم وطعنه بسكين، فلفظ أنفاسه بعد معاناة مع الموت لمدة ثلاث ساعات، ليسدل الستار على 15 عاما من الفساد في الأرض.

Qatalah