يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


شعرت الأم بالذعر وهي تتعرف بالكاد على وجه ابنها المغطى بالجروح والكدمات، وعينيه وقدميه المنتفخة بسبب التجمعات الدموية، فيما عجز عن النطق ورد سلامها المتلهف، ليغرقا معا في البكاء.
صدمة الأم في زيارتها الأولى لابنها المحكوم بالمؤبد، لم تبددها حكايات رفاقه عن حصتهم من العذاب، التي تفوق حصة ابنها المسكين في سجن بشيك دوزو اللعين، الذي لم يمض على إنشائه في مدينة طرابزون التركية المطلة على البحر الأسود أكثر من أربعة أشهر فقط.
يتعرض نحو ألفين من المعتقلين هناك إلى فصول يومية من العنف والإذلال والتعذيب القاتل جعلت سجن رجب إردوغان الجديد يكتسب شهرة عالمية، فلا يمر يوم دون أن يسحق سجانوه كرامة النزلاء بشتى الوسائل.
أحدث مشاهد التعذيب التي تسربت من جحيم طرابزون، حفل تكسير عظام  بهروات الجنود، تعرض له 50 سجينا لأنهم امتنعوا عن خلع ملابسهم والوقوف عرايا في طوابير التفتيش المقررة يوميا، حتى تتأكد إدارة السجن من خلو ملابسهم من أية أجهزة تنصت قد تسجل معاناتهم على أيدي الجلادين.

صحيفة "دوار" نقلت شهادات بعض أهالي السجناء، وفي مقدمتهم والدة أوزغور جوربوز المصدومة مما حل بابنها، 42 عاما،.  قالت الأم لطفية جوربوز، 62 عاما: ذهبت أمس الجمعة للقاء ابني ففوجئت بما يتعرض له وزملاؤه من عمليات تعذيب وحشية.

"أخبرني أن إدارة السجن تجبرهم على الوقوف عرايا في طوابير، بدعوى التفتيش، وعندما رفض مع 50 من زملائه، انهالوا عليهم بالضرب المبرح دون رحمة"، تضيف الأم: "قال لي إنهم نقلوا رفيقه مظلوم إلى زنزانة انفرادية مظلمة لمدة أسبوع كامل"، مؤكدة أن ابنها وثلاثة من رفاقه المضروبين دخلوا في إضراب مفتوح عن الطعام اعتراضا على ما يتعرضون له من إذلال، بعد أن تقدموا بشكوى إلى 7 هيئات منها منظمة المجتمع المدني ووزارة العدل والمديرية العامة للسجون والمحتجزين ومنظمة حقوق الإنسان وهيئة مراقبة السجون، على أمل أن يتحرك أحد لإغاثة ضحايا القمع في سجون إردوغان. 
تساءلت الأم لطفية: "لماذا يعذبونهم بعد أن حكموا عليهم بالمؤبد؟ إلى متى يستمر هذا الظلم؟ من المستفيد من كل هذا العنف الذي تمارسه السلطة على المعتقلين؟ ألا نستحق أن نعيش بشكل طبيعي في دولة يحكمها القانون؟". 
ناشدت والدة أوزغور المسؤولين قائلة :"أنا أم تتحسر على حال ولدها، لم يعد قلبي يحتمل ما يعانيه، صورته لا تفارق عيني، لا أستطيع النوم ولا أعرف ماذا أفعل، ابني مريض بالفعل وفي حاجة ماسة إلى علاج قبل أن يموت، لابد أن ينتهي هذا الجحيم، كل ما أرجوه هو أن تسمعوني وتلبوا النداء، كنت أمس بجانب ابني وسأظل دائما بجانبه لأنه دخل السجن ظلما".

الضمير ينتفض
أثار إعلان تلك الانتهاكات والفظائع انتفاضة جهات عدة، فأصدرت "منظمة المجتمع المدني"، - جمعية حقوقية - اليوم بيانا تضامنت فيه مع الأم الشجاعة، مطالبة بإجراء الفحص الطبي على ابنها وزملائه، وشددت على ضرورة متابعة الوضع وإعلان التطورات بشكل عاجل.
فيما وجه نائب حزب الشعب الديموقراطي، طيب تمل، عدة أسئلة إلى وزير العدل، عبد الحميد غول، بشأن انتهاكات سجن طرابزون، قائلا: "هل لديك أية فكرة عن الانتهاكات التي يتعرض لها نزلاء سجن بشيك دوزو في طرابزون؟ هل سيتم تعيين مفتش من الوزارة لمتابعة سير الأزمة؟ هل تتحرك لوقف معاناة المعتقلين وضمان حقوقهم الإنسانية واحتياجاتهم الأساسية؟ هل ستحقق مع إدارة السجن بشأن  كل هذه المخالفات؟..  بالطبع لا، شكرا معالي وزير العدل".
أضاف طيب -وفقا لصحيفة يني شام- أن سجن بشيك دوزو تحول إلى مركز تعذيب رسمي بعلم الدولة، مؤكدا أن ما تروج له الحكومة بشأن وجود احترام قانون عادل داخل السجن لا يعكس الحقيقة.

Qatalah