يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


قدم السفير الأمريكي الجديد في تركيا، ديفيد ساترفيلد، أوراق اعتماده إلى الرئيس التركي رجب إردوغان الأربعاء الماضي، بعد مرور ما يقرب من عامين على إنهاء مهمة السفير السابق بشكل حاد.
وبوجود خلافات مستعصية تباعد بين البلدين، يبدو أن المهمة ستكون تحديًا صعبًا حتى بالنسبة لدبلوماسي محنك شهدت حياته المهنية إدارة مكتب الشؤون العربية الإسرائيلية التابع لوزارة الخارجية في تسعينيات القرن الماضي، وسفيراً في العراق خلال فترة الاحتلال الأمريكي.

فقسمات وجه إردوغان التي ظهر بها خلال استلام أوراق اعتماد السفير الأمريكي الجديد لدى أنقرة، تحمل الكثير من المعاني التشاؤمية بخصوص مستقبل العلاقات بين الولايات المتحدة وتركيا. 
إردوغان بدا عابسًا ومهمومًا للغاية خلال الصور الرسمية التي التقطت أثناء تسلمه أوراق ساترفيلد الأربعاء الماضي ونشرتها السفارة الأمريكية في أنقرة، وكذلك وسائل الإعلام الرسمية التركية، وهو ما يؤكد أن الرئيس التركي يحمل هم كيفية التعامل مع هذا الكابوس المزعج، في ظل خلاف شديد في نقاط عدة بين نظام العدالة والتنمية وإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. 

الرئيس التركي يدرك أنه سيتعامل مع شخصية ليست سهلة على الإطلاق، بل ويجد نفسه مجبرًا على التعاطي المكثف مع دبلوماسي مخضرم قضى عشرات السنين في منطقة الشرق الأوسط، ويدرك جيدًا عقول حكامها وما يدور فيها.  
بلهجة الدبلوماسي الخبير، قال السفير الجديد بعد تقديم أوراق تعيينه: "يشرفني أن أمثل الولايات المتحدة في تركيا، وحكومتي ملتزمة بتعزيز علاقاتها المهمة مع شريكها وحليفها في حلف شمال الأطلسي (ناتو)"، وفي داخله يدرك صعوبة الملفات التي تنتظره. 

مهمة شاقة
عمل ساترفيلد ليس سهلًا على الإطلاق، فالرجل جرى ترشحه لهذا المنصب منذ 15 فبراير الماضي، ولم يقدم أوراقه إلا بعدها بنحو 6 أشهر، كما أنه يأتي خلفًا لـ"جون. ر. باس"، الذي رفضه إردوغان منذ أكتوبر 2017، على خلفية التوتر بينهما إبان اعتقال السلطات التركية الموظف في القنصلية الأمريكية متين توبوز. 

ومنذ أكتوبر 2017 كان منصب السفير الأمريكي لدى أنقرة شاغرًا، وبداية من هذا التاريخ إلى الآن شهدت العلاقات الأمريكية التركية منعطفات عديدة، وخلافًا أكثر منه وفاق، ولا تزال الملفات العالقة بين البلدين الشريكين في حلف شمال الأطلسي صعبة للغاية. 
ساترفيلد البالغ من العمر 64 عامًا، يتميز بخبرة واسعة في شؤون الشرق الأوسط، فقد سبق أن عمل في البعثات الأمريكية في الخارج في عدة عواصم ومدن عربية منها: جدة وتونس وبيروت ودمشق. 

بينهما موسكو
سيتعين على الدبلوماسي المخضرم أن يواجه ملفات مهمة، أهمها الخلاف بين بلاده وتركيا حول شراء الأخيرة واستلامها منظومة الصواريخ الروسية  S 400 ، وتعليق واشنطن مشاركة أنقرة في برنامج المقاتلات الأمريكية F 35 ، وربما فرض عقوبات جديدة مشددة وفق قانون مكافحة أعداء أمريكا بالعقوبات (كاتسا).

ومع عدم اكتمال رد الفعل الأمريكي إزاء منظومة الصواريخ الدفاعية S 400، فإن الزيارة الأخيرة التي قام بها إردوغان إلى موسكو ولقاءه نظيره الروسي فيلاديمير بوتين 27 أغسطس الجاري كشفت عن تصريح للرئيس التركي بتفكير بلاده في شراء مقاتلات سوخوي سو 57 الروسية، وهو ما قد يستفز الإدارة الأمريكية أكثر ويعقد العلاقات بين إردوغان وترامب، مع احتمالية فرض عقوبات أشد قسوة . 

وفي يوليو الماضي، قال ساترفيلد إنه "سيواصل الضغط على الحكومة التركية لإعادتها إلى المسار الصحيح"، متوعداً بعقوبات حال استمرار تعنتها، كما شدد في أوقات سابقة على رفضه إتمام أنقرة صفقة الأسلحة الروسية مؤكدا أنها تعرض تركيا "للخطر". 
كما ستكون حملة القمع التي يشنها إردوغان ضد المعارضين والأقليات في بلاده واحدة من الملفات التي سيراقبها سفير واشنطن الجديد، الذي أكد على قلقه من "مسار الديمقراطية في تركيا"، وقال: "سأعمل على أن تنفذ تركيا كل ما يلزم ويليق بكونها حليفاً في (الناتو)".

السفير الجديد شغل منصب مدير الأمانة التنفيذية لموظفي وزارة الخارجية الأمريكية، وعمل في مجلس الأمن القومي الأمريكي، ثم مديرا لمنطقة الشرق الأدنى وشؤون جنوب آسيا، إضافة إلى وظيفته كبيرًا لمستشاري وزيرة الخارجية السابقة كوندوليزا رايس في العراق عام 2009… وكلها مناصب ستساعده في التعامل مع إردوغان، عديد المشكلات وصاحب التعديات على دول الجوار في سورية وقبرص. 

الوضع في سورية
الملف السوري سيكون حاضرًا بقوة في أوراق السفير الجديد، في ظل رغبة إردوغان في احتلال البلد العربي مستغلا اتفاق إنشاء مركز عمليات عسكرية مشتركة بين أنقرة وواشنطن الذي جرى التوصل إليه مؤخرًا. 
وفي وقت تدعم فيه القوات الأمريكية المقاتلين الأكراد في "قوات سورية الديمقراطية"، فإن إردوغان يريد التخلص من هذه القوات وإخلاء كامل منطقة الشمال السوري من السكان بزعم الحفاظ على الحدود الجنوبية لبلاده، وخلق ممرات آمنة يمكن من خلالها إعادة نحو مليون لاجئ سوري من بين 3 ملايين و 600 ألف يقيمون في تركيا. 

دعم نظام إردوغان لمختلف الجماعات الإسلامية في الشرق الأوسط، خاصة المتطرفة المصنفة "إرهابيًة" في واشنطن والأمم المتحدة، يمثل تحديا كبيرا أيضا أمام ساترفيلد، لما يشكله الأمر من قلق ليس للولايات المتحدة فقط ولكن لجميع الدول الغربية والعربية، التي ناصبها النظام التركي العداء بسبب احتضانها لتلك الجماعات وفي مقدمتها "الإخوان المسلمين" و"داعش" و"القاعدة". 

نتيجة لارتباط إردوغان الأيديولوجي بجماعات مثل "حماس" و"الإخوان"، دخلت تركيا في حرب باردة مع قائمة طويلة من الدول الإقليمية في مقدمتها مصر والسعودية والإمارات إضافة إلى الجزائر وليبيا التي ترسل إليهما أنقرة شحنات من الأسلحة بهدف نشر الفوضى عن طريق الكيانات المتطرفة التابعة لتركيا.

Qatalah