يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


ظهيرة 28 نوفمبر 2015، وقف السياسي التركي طاهر إلتشي يتحدث لمراسل تلفزيوني على أنقاض شوارع سور التاريخية، قبل أن تدوي طلقات الرصاص من حوله فجأة، وتصيبه إحداها في رأسه فترديه قتيلا، مع سبق الإصرار والترصد، لتتحول شوارع وسط المدينة التي شهدت لحظاته الأخيرة إلى مخيم مغلق على الدم والجثث وجنود إردوغان وحشود المتظاهرين الذين تفجرت بهم الشوارع غضبا.

التصريح السام
قبل اغتياله بـ 8 أيام، اعتقل إلتشي، الذي عُرف بتبنيه للقضية الكردية بوصفه أحد أبنائها منذ عمل بالمحاماة اعتبارا من عام 1992، بعد أن وجهت إليه تهم تتعلق بالإرهاب، بسبب تعليقات أدلى بها في البرنامج التلفزيوني "منطقة حيادية"، الذي يعده ويقدمه الصحافي التركي أحمد هاكان على قناة "سي إن إن ترك" يوم 14 أكتوبر 2015،  قال خلالها: "حتى إذا اعتقد البعض أن حزب العمال الكردستاني إرهابي، فإن الحزب حركة سياسية مسلحة لها مطالب سياسية".
أحيل للمحاكمة على الفور بناء على طلب المدعي العام، إلا أن المحكمة الجنائية الثانية  أطلقت سراحه بشرط وضعه تحت المراقبة، مع إعداد مذكرة اتهام تطالب بسجنه سبع سنوات ونصف السنة بتهمة "الترويج لمنظمة إرهابية"، منعته السلطات من السفر على إثرها، فيما فرضت على "سي إن إن  ترك" غرامة مالية قدرها 700 ألف ليرة.         


اغتيال أمام الكاميرات

رصاصة غادرة تصيب الرأس لحظة نطقه بالحقيقة أمام كاميرات التلفزيون، هكذا كان مشهد النهاية لحياة طاهر إلتشي، الذي اغتيل أمام منارة دورت أياكلي،  في بلدة سور التابعة لمدينة ديار بكر، أثناء إدلائه بتصريح صحافي يتهم الشرطة بتخريب المنارة بالرصاص العشوائي خلال مواجهة مع المتظاهرين، قتل فيها شرطيان وأصيب آخر.
بعد اغتيال إلتشي بساعات امتلأت شوارع إسطنبول بمئات المتظاهرين الذين احتجوا على قتله، وشهدت عدة محافظات تركية مظاهرات حاشدة تحتج على عنف النظام، لكن قوات الشرطة كانت في انتظار الغاضبين لمقتل المناضل الكردي بمدافع المياه والغاز المسيل للدموع لتنجح في تفريقهم بالقوة.
بطيش بالغ، راح إردوغان يعلق على المشهد الدموي بقلب الحقيقة "أعرب عن تعازيي لمقتل السيد إلتشي، والشرطيين اللذين سقطا شهيدين، إن هذا الحادث يظهر أن تركيا كانت محقة في معركتها ضد الإرهاب، التي ستستمر حتى النهاية".    
جاء الرد سريعا، حين تحول مشهد جنازة طاهر إلى ثورة صامتة ضد الرئيس السفاح الكاذب، وفي حضور 50 ألفا سارت توركان زوجة قتيل الغدر ممسكة بولديها أرين ونازانين، وهي تشعل زفرات المعزين ببكائها الحار، بينما تدثر الجثمان بالعلم التركي وشعار نقابة المحامين، وحمل المشيعون لافتات كتبوا عليها "لن ننساك" باللغتين التركية والكردية، وعلقوا صورة إلتشي على عربة الجنازة التي انطلقت من مبنى بلدية ديار بكر، بعد نقل الجثمان من مشرحة مستشفى صلاح الدين الأيوبي الحكومي، في صباح اليوم التالي للجريمة، وقد كتبوا عليها "سفير السلام"، ثم توجهوا به إلى مثواه الأخير في مقابر يني كوي بالمدينة، ليزرعوا على قبره زهور إدانة للقهر والظلم التركي لا تقطف أبدا.

دميرطاش يتهم إردوغان

الزعيم الكردي والرئيس السابق لحزب الشعوب الديموقراطي صلاح الدين دميرطاش، حضر جنازة إلتشي، برفقة أعضاء الحزبين الأكبر: "الشعوب" والشعب الجمهوري، فضلا عن رئيس اتحاد نقابات المحامين متين فيزي أوغلو ورؤساء نقابات المحامين لـ80 محافظة تركية، ورئيس البلدية الكبرى لديار بكر جولتان كيشاناك.
عقب الجنازة المهيبة، اتهم دميرطاش الحكومة باغتيال فقيد الأكراد، وقال عبر حسابه على موقع تويتر :"هل فحصت مكان الحادث بنفسك يا رئيس الوزراء (إردوغان)، تقول منذ اللحظة الأولى للحادث إن حزب العمال الكردستاني هو من فعلها، هل لديك أية وثيقة تدعم ذلك؟ ألست أنت من أعلن منذ الساعة الأولى من الاغتيال حظر التجوال في مكان الحادث، ومنعت إجراءات الفحص والتحقيق؟ الشيء الذي تبين من المشاهد ومن الأقوال التي أدلى بها الشهود هو أنه لم يكن هناك أي شخص يطلق النار بجانب إلتشي سوى قوات الشرطة، لماذا تتغاضون عن ذلك؟".
ثم مضى في ذكر أدلة إدانة النظام بحرقة قائلا :"كان إلتشي حيا قبل أربعة أيام، وكنتم مشغولين أنتم وجيشكم الإعلامي والقضائي بتشويه صورته، الشيء الذي يغطي نعش إلتشي ليس علما، إنه الألوان التي يستخدمها الشعب الكردي منذ سنوات"، مختتما بسؤال إردوغان "هل تصبح رئيسا للوزراء بقلة الاحترام هذه؟ يجب أن تدركوا أنكم تحكمون دولة، أنتم المسؤولون عن كل شيء يحدث في هذا البلد، لا يمكنكم حل أية مشكلة بالاستمرار في تهديدنا واستهدافنا".


توركان تبكي حبها
ثلاث سنوات مرت على الاغتيال، ظلت فيها تفاصيل الجريمة مبهمة والقاتل حرا طليقا، لتتخلى زوجة إلتشي عن مهنة التدريس التي تحبها، وتنتقل إلى إسطنبول بهدف استكمال دراستها للقانون في كلية الحقوق، والتي بدأتها قبل وفاة زوجها، وفي نوفمبر 2017 أسست توركان وابنتها نازانين "وقف طاهر إلتشي لحقوق الإنسان" في ديار بكر.
"قررت دراسة القانون قبل وفاة طاهر، بالأحرى قررنا ذلك سويا أثناء عملي كمعلمة للأدب، أردت الدراسة في جامعة ثانية دون ترك مهنتي، كنت أرغب في البقاء مع زوجي لفترة أطول لنشارك أحلامنا ومستقبلنا معا، لكن لم يحدث ما تمنيته، أردت أن أترك الدراسة بعد وفاته"، بهذه الكلمات أعربت الزوجة المكلومة بكل آسى وحزن عن مواصلتها طريق قتيل الحرية في حوار لصحيفة حرييت، عبرت فيه عن استمرار شعورها بآلام عميقة جراء فقدان زوجها رغم مرور تلك السنوات.
"لم أذهب إلى الجامعة لمدة عام، تركت مهنة التدريس، كان الأمر صعبا، ولكن ربما يجب التراجع لفترة عن بعض الأحلام السابقة لاتخاذ قرارات جديدة، مع الوقت عادت مجددا رغبتي في العودة إلى الدراسة، تذكرت طاهر في كل سطر من كل صفحة قانون أدرسها، وقلت لنفسي إن طاهر أيضا قرأ هذه السطور، كانت هذه اللحظات أكثر ما يؤرقني أثناء مطالعة الدروس، لذلك انخفض حماسي في أوقات كثيرة"، وتحكي معاناتها مع هذا الحلم "كنت أجد صعوبة في كل أعمالي، وبرغم كل شيء لم أترك الدراسة، ولا أفكر في تركها، أنا في الفرقة الثالثة في الجامعة، لو لم أترك الدراسة لفترة، كنت سأنهي جامعتي هذا العام". 
في الذكرى السنوية الثانية لوفاة زوجها، شاركت توركان صورة قديمة تجمعها بزوجها، وعلقت عليها في تغريدة عبر حسابها بموقع تويتر، تقول :"يا إلهي، لو لم تقطع الأشجار، لما هاجرت الطيور".
 مرة أخرى، وبعد انطلاق مسيرة العدالة التي دعا إليها زعيم حزب الشعب الجمهوري المعارض كيليتشدار أوغلو، شاركت توركان صورة قبر زوجها، وغردت قائلة: "دفنت العدالة في التراب مع من قتلوها، الموتى لا يعودون لكن العدالة يمكن استرجاعها". 


قتيل دون مشتبه واحد
تبين من تسجيلات كاميرات الأمن التابعة للشرطة والوكالات وأماكن العمل التي رصدت واقعة اغتيال إلتشي قبل ثلاث سنوات، والتي فحصها فريق مختص من خارج تركيا أنه على الرغم من مضي 27 شهرًا على الواقعة، إلا أن السلطات لم تقدم مشتبها واحدا في القضية، ما دعا رئيس نقابة المحامين في ديار بكر أحمد أوزمان للقول: "تم اعتبار كافة الأقوال في ملف القضية شهود، يوم إطلاق النار على رئيس النقابة، أدلى 26 شرطيا كانوا موجودين في مكان الحادث بأقوالهم كشهود، بالإضافة إلى أقوال موظفي النقابة وبعض المواطنين والصحافيين الذين كانوا في مكان الحادث".
أوزمان أوضح أن ملف القضية يضم 13 مشهدا مصورا لكاميرات الأمن، ثلاثة منها رصدتها 3 كاميرات للشرطة، و9 كاميرات مختلفة تابعة للوكالات والفضائيات، وكاميرا واحدة تابعة لأحد المحال التجارية، مضيفًا "بعد وقوع الحادث، تبين أن الكاميرا التابعة للمتجر المعروف باسم بيت ماردين كباب، والتي ترصد الشارع من بين أربع كاميرات أخرى لا تعمل، لم يتم فحصها من قبل الشرطة وقوات الدرك".
بعد 20 شهرا، حرر خبراء الطب الشرعي تقريرا بخصوص تعطل كاميرات المراقبة، ليطلب المدعي العام التحقيق في الأمر، إلا أنهم لم يردوا بشكل واضح حتى الآن.
وكشف أوزمان عن أنهم أرسلوا المشاهد إلى فريق خبراء أجنبي، لمحاولة تحديد لحظة إطلاق النار على إلتشي "حتى لو لم نتمكن من إثبات لحظة إطلاق النار بالتحديد، ننتظر التوصل إلى نتيجة من خلال الربط بين المشهد المفقود والوقت".
ذهبت روح إلتشي إلى بارئها، وبقيت قضيته تثير المتاعب لمن قتلوه، أو ساعدوا على قتله في نظر محبيه وأقاربه،ومن بينهم رئيسة حزب الشعب الجمهوري عن مدينة إسطنبول جانان قفطانجي أوغلو، التي وجهت أصابع اتهام للصحافي بجريدة حرييت أحمد هاكان بالتواطؤ في عملية الاغتيال، باستضافة طاهر في التلفزيون ليطلق تصريحه الذي تسبب بحبسه ثم اغتياله، لكنه هاكان رد بمقال غاضب تعرض بسببه لانتقادات شديدة على مواقع التواصل الاجتماعي، قائلا :"من يحاول أن يربط بيني وبين جريمة قتل طاهر إلتشي مخادع ومضلل".


طاهر إلتشي هو رجل قانون من أصل كردي، وناشط سياسي، ولد عام 1966 في بلدة جزرة التابعة لمحافظة شرناق في منطقة جنوب شرق الأناضول، وأنهى فيها دراسته الابتدائية والمتوسطة، ثم تخرج في كلية الحقوق بجامعة دجلة عام 1991. 
عين مسؤولا في نقابة المحامين بديار بكر في الفترة من 1998 - 2006،  وخلال هذه الفترة درس القانون الجنائي الدولي في الأكاديمية الأوروبية للقانون في ألمانيا، كما شارك في العديد من المؤتمرات المحلية والدولية. 
كان إلتشي متزوجا وأبا لاثنين من الأبناء، وهو أحد أقارب شرف الدين إلتشي الرئيس السابق لحزب ديموقراطية الشراكة الصغير، ووزير البيئة والتخطيط العمراني سابقا، وقد انتخب رئيسا لنقابة المحامين في ديار بكر في نوفمبر 2014، وكان عضوا في جمعية حقوق الإنسان الموجودة في أنقرة، وعضوًا في اللجنة الاستشارية العلمية بمركز حقوق الإنسان التابع لاتحاد نقابات المحامين التركي، وعضوًا في مجلس مؤسسي وقف حقوق الإنسان التركي.

Qatalah