يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


"آن للعثمانيين أن يستيقظوا ويصبحوا من النادمين على ما فرطوا في القرون الخالية، فيتركون السلطة لأهلها، والدين لحماته، وبذلك يتقون الله في الإسلام والمسلمين"، هكذا كتب عبد الرحمن الكواكبي في كتابه "طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد" عن عبد الحميد الثاني وسلطنة آل عثمان، التي أضحت عاجزة في مطلع القرن الـ20 عن حماية الولايات المحتلة، التي أكلها الاحتلال الأوروبي واحدة بعد أخرى.

بقلم وبضع أوراق تصدى ابن حلب لفضح إرهاب العثمانيين في بلاد العرب، وكشف أوهام إسطنبول التي سكر سلطانها في مطلع القرن العشرين بخمر الاحتلال الطويل للأرض العربية، وظن أنه باق للأبد.

قاد الكواكبي التيار القومي العروبي في بلاد الشام والرافدين ضد الأطماع الاستعمارية للسلطان عبد الحميد الثاني، الذي أسقط في يده بعدما قرأ صفحات فضيحته وتعرية أوهام مشروعه في كتابي الكواكبي "طبائع الاستبداد" و"أم القرى".
استشاط السلطان العثماني غضبا فطارد ابن حلب وأمر بالتخلص من الصوت الحر بأية وسيلة، ففر الكواكبي إلى مصر، بعدما عطلت سلطات الاحتلال التركي إصدار صحيفتيه "الشهباء" و"الاعتدال" في حلب، فأدرك وقتها أن حياته في خطر وأن سيف الجلاد في انتظاره بإسطنبول، فيمم وجهه صوب قاهرة المعز.

في رحلته إلى مصر، ظل يراجع مشاهد القمع التركي لأهله في الشام، حتى لا تهدأ ثورته أو يلين عزمه، تذكر الفارين من مذابح لبنان بعد مولده بخمس سنوات في عام 1860، عندما فجرت السياسة العثمانية الغاشمة فتنة بين المسلمين والمسيحيين والدروز، أسفرت عن أعمال عنف طائفية بشعة أجج نارها عملاء السلطنة وراح ضحيتها آلاف الأبرياء.

تفكر الكواكبي كثيرا في أحوال العرب تحت حكم العثمانلية، فأدرك أن سقوط مصر والسودان وتونس والجزائر واليمن في قبضة الاحتلال الإنجليزي والفرنسي سببه اللعنة التركية التي ضربت العالم العربي في مقتل، فبدأ في طرح أفكاره حول وحدة المسلمين وعروبة الخلافة، ومقاومة الاستبداد والجهل، والدعوة إلى الشورى في الحكم والفصل بين السلطات، ولامركزية الحكم، ما أوغر صدر السلطان عبد الحميد الثاني عليه، فأرسل من اغتاله بالسم أثناء جلوسه بمقهى يلدز وسط القاهرة نهار 14 سبتمبر 1902.

"تحالفوا مع الصليبيين"
حمل الكواكبي العثمانيين مسؤولية ضياع الخلافة العربية الإسلامية بعد احتلالهم لمصر، ثم تحالفهم مع الصليبيين على حساب مسلمي الأندلس، ما كرس ضعف المسلمين أو ما أطلق عليه "الفتور العام" وجعلهم لقمة سائغة في أفواه الغزاة الطامعين، ووصف الحالة التي كانت عليها الأمة الإسلامية في زمانه بأنها حالة من الانحطاط، فكتب يقول: "فإن هذا الفتور العام كان قد أدى على مر الزمان وبتقادم عمر الدولة العثمانية التي عاش في ظلها، إلى ما سمي وقتها بالمسألة الشرقية والتي تعني مسألة النزاع القائم بين بعض دول أوروبا وبين الدولة العثمانية بشأن البلاد الواقعة تحت سلطانها، منذ تفرد عبدالحميد الثاني بالحكم العام 1876 وتقسيم الدول الأوروبية فيما بينها لأملاك رجل أوروبا المريض من خلال مؤتمر برلين العام 1878، وإشهار الدولة العثمانية إفلاسها الاقتصادي العام 1881".

الدعوة إلى الثورة
أعطى الكواكبي في كتابه "طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد" الشأن السياسي جل اهتمامه، ويعرفه بأنه "صفة للحكومة المطلقة العنان، التي تتصرف كما تشاء بلا محاسبة ولا عقاب، وأشكال الحكومة المستبدة تشمل حكومة الحاكم الفرد المطلق الذي تولى الحكم بالغلبة أو الوراثة، وتشمل أيضا الحكومة الدستورية المستبدة لأن مثل هذه الحكومة لا ترفع الاستبداد ولا تخففه ما لم يكن أعضاء السلطة التنفيذية مسؤولين أمام أعضاء المجالس النيابية، وهؤلاء مسؤولون أمام الأمة التي تعرف أن تراقب وأن تتقاضى الحساب".

ويلخص مظاهر الاستبداد التركي بقوله: "الحكم المطلق وحرمان الأمة من حرية القول والعمل، وفقد العدل والمساواة في الحقوق بين طبقات الأمة، واعتبار العلم عطية يحسن بها الحكام على الإخصاء، وترك خدمة الدين للجهلاء، وإبعاد الحكام للنبلاء والحرار وتقريبهم المتملقين والشرار، وإصرار الحكام على الاستبداد عنادا واستكبارا، وانغماسهم في الترف والشهوات وحبهم الجم للمال الوفير وتظاهرهم بمظاهر العظمة".

يرصد الكتاب نكبة الحكم العثماني على جميع الأصعدة ويلخصها في "التمسك بأصول الإدارة المركزية مع بعد الأطراف عن العاصمة إسطنبول، وعدم وقوف رؤساء الإدارة في المركز على أحوال تلك الأطراف والتزام المخالفة الجنسية (القومية) في استخدام العمال (الولاة) بقصد تعسر التفاهم بين العمال والأهالي، وتعذر الامتزاج (التوافق) بينهم لتأمين الإدارة غائلة الاتفاق عليها، التساهل في انتخاب العمال (الولاة) والمأمورين والإكثار منهم بغير لزوم وإنما بقصد إعاشة العشيرة (الأتراك) والمحاسيب والمتملقين، وعدم الالتفات لرعاية المقتضيات الدينية وتضييع حرمة الشرع وقوة القوانين وعدم اتباعها وتنفيذها، وإدارة بيت المال إدارة مطلقة وإسراف بدون مراقبة  حتى صارت المملكة مديونية للأجانب".

بجراته المعهودة، لم يسلم فقهاء السلطنة من نقده اللاذع، وصفهم بـ"فقهاء الاستبداد" ، وقال إن "سبب نكبتنا هو ولاية الجهلاء المتعممين وتدخلهم في كل شيء مما يصدع الشرع، فهم يزينون للحكام استقلالهم في الرأي ونبذ نظام الشورى"، كما نقل أقوال مشايخ البكتاشية في ترسيخ استبداد سلاطين آل عثمان بقولهم: "لا يكون الأمير الأعظم إلا وليا من أولياء الله، ولا يأتي أمرًا إلا بإلهام من الله، وإنه يتصرف في الأمور ظاهرا، ويتصرف فيها قطب الغوث باطنا".

ويلفت النظر لاستغلال العثمانيين للدين، فاتخذوه سبيلا لقهر الشعوب "انحصار همة الأمراء الدخلاء العثمانيين في الجباية والجندية أدى بهم إلى إهمال الدين كليا، فيأخذون من القرآن ما يدعم أغراضهم الخبيثة فاستغلوا قوله تعالى (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) مع الغفلة عن المراد بالآية وفسروها بوجوب الطاعة المطلقة لسلاطين الأتراك، الذين ظواهر أحوالهم وبواطنها تحكم عليهم بأنهم مشركون، فإن أضيف إلى شركهم هذا ما هم عليه من الظلم والجور، فمن الواجب الخروج عليهم".

أدعياء الخلافة
ينزع الشيخ العربي الشرعية عن خلافة آل عثمان، ويرى أن الدين والملك انفصلا منذ عهد العباسيين، ويؤكد حديثه برصد جرائم العثمانيين بحق المسلمين فيقول :"قدم محمد الفاتح المُلك عن الدين، فاتفق سرا مع ملكي إسبانيا فردينارد وإيزابيلا، على ترك الأندلس تسقط وترك مسلميها فريسة للصليبيين، كما غدر سليم الأول بخلفاء العباسيين واستأصلهم، وأعان روسيا على مسلمي التتار، فزهقت أرواح ملايين من المسلمين بتدبير العثمانيين".

"أليس الترك قد تركوا الأمة أربعة قرون ولا خليفة، أليس الترك قد تركوا الأندلس مبادلة، وتركوا الهند مساهلة، أليس الترك قد تركوا وفود الملتجئين يعودون خائبين وتركوا المستنصرين بهم عرضة للمنتقمين (محاكم التفتيش)، وتركوا الممالك الجسيمة الآسيوية للروسيين وتركوا قارة إفريقيا الإسلامية للطامعين، وكانت غارات الترك على أوروبا ليست نوعا من الجهاد ولا من الحرب الدينية، وإنما هي نوع من ملحقات غارات البرابرة الشماليين كقبائل القوط والوندال على أوروبا، لا يقصدون بالدين غير التلاعب السياسي وإرهاب أوروبا باسم الخلافة".. يمضى الثائر العربي ضد الاستبداد في تساؤلاته المحرجة جدا لأنصار الخلافة المزعومة، حتى اليوم.

اللافت أن الكواكبي أسقط حق العثمانيين في حكم المسلمين قولا واحدا "لا يجوز الاتكال على السلاطين العثمانيين في أمر الخلافة علاوة على السلطنة، فسلاطين آل عثمان إذا تدبروا في الأمر قليلا لا يجدون وسيلة لتجديد حياتهم السياسية أفضل من اجتماعهم مع غيرهم على خليفة قرشي".

أحرار العرب
يندد الكواكبي ببغض الأتراك للعرب وتمييز الأسافل وتجاهل المؤهلين، وانتشار الرشا وسائر أنواع الفساد، ومن ثم يقدم رصدا تاريخيا لما حدث للأمة العربية على يد الأتراك "الاستغراق في الجهل والارتياح إليه، والإخلاد إلى الخمول ترويحا للنفس، وفساد التعليم والوعظ والخطابة والإرشاد، وفقد التربية الدينية والأخلاقية، وتحكمت فيها آراء الدخلاء الترك فرجحوا الأخذ بما يلائم بقايا نزعاتهم الوثنية، وعندما تولى بعضهم في أواخر العصر العباسي (الطولونيين والإخشيديين والسلاجقة) حكم الولايات عمدوا إلى الاستقلال السياسي عن الدولة العربية الإسلامية فبدأ الافتراق المذهبي والصراع السياسي".

عملت الدولة العثمانية - بشهادة الكواكبي- على "تشويش أفكار الأمة بكثرة تخالف الآراء في فروع أحكام الدين وإدخال العلماء المدلسين على الدين مقتبسات كتابية (يهودية ومسيحية) وخرافات وبدع، وإدخال المدلسين على العامة الكثير من الأوهام إلى جانب إيهام الدجالين أن في الدين أمورا سرية وأن العلم حجاب، وتطرق الشرك الصريح إلى عقائد الترك، وتهاون العلماء العاملين في تأييد التوحيد، والاستسلام للتقاليد والتعصب للمذاهب ولآراء المتأخرين وهجر النصوص والغفلة عن حكمة الجماعة".

بينما ينتقد بعض العرب والمسلمين الذين ألفوا الاستعباد والاستبداد والذل العثماني،  ضحايا منظومة الدعاية العثمانية التي يقودها مشايخ السلطنة وأعوانهم، بنشرهم الجهل  والخمول: "فباتوا لا يتألمون لحالة المسلمين في الولايات العثمانية، بل يحتقرون معارضي هذا الحكم ويصل بهم الأمر إلى اتهام الإصلاحيين العرب بالخروج عن الدين لكون السلطان مسلم، وكأن طاعته واجبة على المسلمين رغم مساوئ حكمه واستبداده".

كانت الجامعة الإسلامية التي تمناها الكواكبي ودعا إليها تختلف عن نظيرتها التي أطلقها من قبله جمال الدين الأفغاني، وتبناها ووظفها السلطان عبدالحميد الثاني لكسب تأييد المسلمين لدولته في مواجهة الأطماع الأوروبية الاستعمارية، فالجامعة الإسلامية عند الكواكبي هي "اتحاد إسلامي تضامني تعاوني يكون في الأساس تحت لواء الخلافة العربية، وهي شورية دستورية تعتمد على الفصل بين السلطنة والخلافة وكذلك الفصل بين السلطات".

وأخيرا وضع خطة للتخلص من الاستعمار التركي عبر "نشر الفكر القومي بين الولايات العربية، ثم يطلب عقلاء الأمة من المستبد التركي الإقلاع عن أسلوب الاستبداد واتباع القانون الأساسي (الدستور) الذي تطلبه الأمة ويكون أمام الحاكم المستبد أحد طريقين: إما الاستجابة طوعا لرغبة الأمة، وإما أن يصر على عناده ويستخدم القوة، فتقوم الأمة بخلعه وإنهاء حكمه وتصبح الأمة آمنة ولا يطمع فيها طامع ولا تُغلب من قلة".. وهو ما تحقق تقريبا بعد سنوات قليلة، حين أزاح العرب عن صدور الأمة كابوس الاحتلال التركي للأبد، وأسروا جنودهم وقتلوهم في الحجاز وليبيا والشام وغيرها وطردوهم من كل بقعة عربية.

المصادر :


Qatalah