يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


بعد نحو عامٍ على مسرحية الانقلاب التي رسم حبكتها، ونفذها، وأخرجها، الرئيس التركي، رجب إردوغان، ورجاله، عام 2016، ألقت الشرطة القبض على الصحافية التركية، ميشالي تولو، (35 عاما) وطفلها الرضيع، سركان (عامين)، ليبقيا معًا داخل الزنزانة.

الكثيرات في السجن، كنّ بصحبة أطفالهن. بعد ثمانية شهور من الاحتجاز في سجن باكيركوي للنساء في إسطنبول، تم الإفراج عن تولو وابنها، لكنها ظلت ممنوعة من السفر طيلة عامين، قبل أن تقرر محكمة رفع الحظر المفروض عليها، في مفاجأة لم تكن تتوقعها بالمرة.

تولو، التي ولدت في مدينة أولم جنوبي ألمانيا، وتلقت تعليمها هناك، تحمل الجنسية الألمانية بجانب التركية، لكن سلطات أنقرة لم تخطر برلين بالقبض عليها، كما هو معتاد في مثل تلك الحالات، في كافة دول العالم.

قضية تولو، بالإضافة إلى قضية دينيز يوجيل، مراسل صحيفة “دي فيلت” الألمانية، والناشط الحقوقي بيتر شتويتنر، تسببت في توتر شديد في العلاقات بين أنقرة وبرلين، قبل أن يتم رفع حظر السفر عنها، وتغادر إلى أهلها في ألمانيا.

في الوقت الذي سجنت فيه تولو، كان زوجها سوات كورلو (39 عاما) حبيسًا هو الآخر في سجن سيليفري شديد الحراسة، بالقرب من إسطنبول، بالاتهامات الفضفاضة نفسها: الدعاية للإرهاب، الانتماء إلى جماعة إرهابية.

خلال الفترة الدرامية قيد الاحتجاز، كتبت تولو كتابها "ابني يبقى معي، رهينة سياسية في السجن التركي". بعد نشر الكتاب، أجرت صحيفة بيلد الألمانية مقابلة مطولة معها، سردت فيها الكثير مما جرى داخل السجن وبعده.

تولو تحدثت إلى "منصة السلام والعدل" عن تجربتها في السجن، وقالت إن حكومة إردوغان تتهم الكبار باتهامات خطرة، وتعاقب أطفالهم عليها، مشيرة إلى أن هناك نحو 800 طفل تركي تحت سن السادسة مع أمهاتهم في الزنازين.

"لا يوجد سجن صديق للأطفال في تركيا"، تقول تولو، مضيفة: "ابني سركان، كان يأكل من طعامي، ويعيش يبقى في الزنزانة معي. لم يكن هناك سرير للأطفال، ولا مرحاض للأطفال. اللعب عموما غير مسموح به! يُسمح لهم فقط باللعب بألعاب بلاستيكية كُسِرت لكثرة ما استُخدمت. لم يتم صنع نظام بحيث يمكن للأطفال من العيش داخل السجن؟".

وعن ليلتها الأولى في السجن، قالت تولو: "كانت أسوأ ليلة لي. كنت أشك في أن قرار إحضار سركان معي إلى السجن صحيح. ابني لم يكن لديه شيء! لا حفاضات ولا سرير ولا ملابس! لكن الأهم من ذلك: لم يكن لديه زجاجة حليب! بالنسبة لطفل عمره عامان، يعد هذا أمرًا حيويًا للغاية. تلك كانت الليلة التي احتّج فيها كثيرا، بكى وقال: لماذا نحن هنا؟ أريد العودة إلى المنزل! لماذا كل هذا؟. في محاولة لشرح الأمر لطفل عمره عامان، فإن الوضع يتجاوز قدرة الأمهات. في الواقع، شعرت باليأس. كانت تلك أسوأ ليلة قضيتها في السجن".

في تلك الليلة، اضطرت تولو لإجبار ابنها على النوم. كانت تبكي، ولحسن حظها، كان حولها نساء يدعمنها بالقول إن كل شيء سيتحسن. وتحكي أنها حاولت التحايل على وضع السجن، لتوفير الحد الأدنى من الحياة المناسبة لسن طفلها، عبر رسم الصور على الحائط، وبناء هياكل من الزجاجات البلاستيكية. "فقط مع ذلك يمكننا تحفيز الأطفال على العيش حياة كما ينبغي أن يعيشوا. لكن من المؤكد أنها ليست حياة طبيعية وراء القضبان".

"شيء أخضر ينمو وراء الجدران الخرسانية، هذا شيء إيجابي يرمز إلى الحياة"، هكذا ترى تولو الجانب المشرق من تجربتها في سجن إردوغان، مضيفة: "في السجن، كل شيء رمادي مُظلم وبارد، الأسمنت والخرسانة فقط. وهناك نساء طيبات القلب، يدعمونك تمامًا دون أية مصلحة شخصية".

نصوص القانون التركي تعفي النساء اللاتي يرضعن أطفالهن من العقوبة حتى يكبر الأطفال، لكن حكومة إردوغان تتجاهل تلك القوانين، وتصر على حبس النساء خصوصا من أطياف المعارضة السياسية، والكرديات.

خلال تجربة السجن، تحكي تولو كيف أنها كانت "يائسة وخائفة جدًا من والمستقبل، لكن زميلاتها في السجن ساعدنها في تحويل كل نقاط الضعف لديها إلى قوة"، مشيرة إلى أنها ما زالت تتواصل معهن من ألمانيا، وترسل إليهن الملابس والكتب.

تولو اتهمت الدول الأوروبية بالمساهمة في مأساة الأتراك، لأنهم شاهدوا نظاما استبداديًّا يتشكل في تركيا، وتركوه يتضخم. قالت: "تحت أعين الدول الأوروبية، بنى إردوغان (الرئيس التركي، رجب)، نظامًا مصممًا له وحده. والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان غضّت الطرف".

بحسب تولو، فإن إردوغان حوّل البلاد إلى سجن كبير لمعارضيه، فهم إما في السجون، أو في الخارج ممنوعون من زيارة ذويهم بالداخل، خوفًا من الاعتقال. وما بين الاختطاف والاختفاء القسري، وبين المنع من السفر، والوضع على قوائم الترقب، يبقى الآلاف عاجزين عن الاطمئنان على أهاليهم، وتعلق قائلة: "هذا يوضح لنا الأساليب الديكتاتورية والرجعية التي يجب على الشعب أن يحتج عليها، حيث يتم إخضاع العائلة بأكملها للعقوبة".

تولو تضع جدولا لترتيب الكائنات في تركيا على سلم أولويات حكومة إردوغان، فالرجل أولا، ثم الماشية، ثم المرأة، مستشهدة بحديث كرره إردوغان بأنه يجب على النساء أن يلدن ثلاثة أطفال وأن يجلسن في منازلهم. معتبرة أن سلوك الحكومة يشير إلى معاقبة كل امرأة لا تمتثل لهذا الدور التقليدي الذي يريده لها رئيس تركيا.

"ليس من قبيل الصدفة أن تتم معاقبة النساء العاملات بالسياسة على سلوكهن وقمعهن بشكل خاص. شاهدت كيف تتعرض النساء لسوء المعاملة وللعنف في حجز الشرطة. تم القبض على العديد من النساء الأبرياء بتهمة الانتماء إلى حركة جولن"، تقول تولو، مضيفة: "ربات بيوت بسيطات للغاية، لم يكن لديهن أي فكرة عن السياسة والحياة العامة. في هذه الحالات، الدولة تهدد الأسرة والأطفال، وتتذرع بالدين باعتبار أنه "في ديننا، تأتي المرأة في المرتبة الثانية".

مع ذلك، تستدرك تولو، لا تزال هناك ثقافة مقاومة كبيرة في تركيا، خاصة بين النساء. يمكننا أن نقول اليوم إن الحركة النسوية في تركيا هي أقوى حركة مدنية. يمكننا أن نرى ذلك في 8 مارس و25 نوفمبر، في المسيرات في إسطنبول ضد العنف ضد المرأة. في الواقع، يُرى أن النساء يواصلن كسر الحواجز ولا يرغبن في الإجبار على ممارسة الطاعة. خرجن إلى الشارع ضد جرائم الشرف والعنف الأسري والدولة.

Qatalah