يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


شعر السلطان إبراهيم الأول يوما بالملل، فأمر الجنود بوضع 280 جارية في أجولة وجلس على شاطئ البوسفور الممتد في عاصمة الخلافة "الأستانة"، يستمتع بإغراقهن واحدة تلو الأخرى، وإذا كان الغرق هو حظ النساء في الدولة العثمانية فإن الخنق وقطع الرؤوس وسيلتان تخلص بهما السلاطين من الوزراء وكبار رجال الدولة إرضاء لنزوات الحريم أو تلبية لأوامر قادة الجيش أو لإخماد الثورة ضد فسادهم، أما المذابح فقد اقتصرت على البلاد التي قاموا باحتلالها، إذ أزهقوا  أرواح ملايين البشر ليقذفوا الرعب في قلوب الشعوب المحتلة،  على أيدي جنود السلطنة الذين لحقوا بضحاياهم أيضا وذبحهم آل عثمان ليشبعوا شهوتهم للقتل، حيث تفننوا في إعدامهم بطرق وحشية.

طقس كأس الجلاد
يقول مايك داش في بحثه "سباق الحياة أو الموت في الإمبراطورية العثمانية" :عرف العثمانيون طقوساً رهيبة للقتل، كان الهدف منها زرع الخوف ونشر الذعر بين المواطنين، حتى لا يجرؤ أحد منهم على الثورة ضد استبداد الحكام، إحدى هذه الطرق اللا إنسانية كانت طقوس إعدام كبار المسؤولين في الدولة أمثال الصدر الأعظم، ففي حال إدانة مسؤول كبير بجرم، أو صدور فرمان سلطاني بقتله، كانت هناك مراسم للقتل، في ساحة قصر توب قابي حيث مقر السلطان، تبدأ المراسم بإحضار المتهم إلى الحديقة، ويقدم إليه الجلاد كأساً للترحيب به، فإن كانت الكأس تحتوي على شراب أبيض، فهذا يعني قرار العفو من السلطان، أما إن كانت تحوي شراباً أحمر، فهو نذير الموت.
وتتيح الطقوس فرصة النجاة للمتهم المحكوم بالموت، عن طريق تخفيف الحكم إلى النفي، شريطة أن يفوز في سباق عدو مقابل رئيس طائفة الجلادين المعروف باسم "بستاني باشا"، حيث كانت تعهد إلى الجلادين وظائف رعاية بساتين القصر، وحماية السلطان، وتنفيذ أحكام الإعدام.
وفقا  لبحث آخر لداش بعنوان "النجاة من الإعدام بالفوز في سباق":  لم يكن السباق هيناً، فغالباً ما يواجه كبار المسؤولين المتقدمين في العمر رئيس الجلادين المتميز بالقوة والنشاط، بينما الموت خنقاً جزاء الخاسر في السباق، وإلقاء جثته في مضيق البسفور لتأمين وجبة لأسماك البحر.
نفذ سباق الموت  عدة مرات بحق أكثر من صدر أعظم في عهد السلطان سليم الأول (1512 -1520)، الذي قتل 7 منهم رغم أن مدة حكمه لم تتجاوز 8 سنوات، فكان الصدر الأعظم يكتب وصيته قبل خروجه من منزله إلى القصر كل صباح، أما آخر حالة سجلتها الدفاتر العثمانية لهذا السباق فكانت من نصيب الصدر الأعظم حاسي صالح باشا والذي تمكن من الفوز في السباق على خصمه "بستاني باشا"، لينجو بحياته من الموت عام 1822.

الذبح.. تقليد سلطاني 
من المشهور عن سلاطين العثمانيين قتلهم لإخوتهم الذكور، فعندما يتولى السلطان الحكم، يقوم بقتل كل إخوته، حتى لا ينافسه أحد على الحكم وليضمن ولاية العهد لأحد أبنائه، وهي السياسة التي بدأها عثمان بك عام  1326، حين قتل عمه دوندار غازي، لأن بعض العشائر التركية رأت أنه الأحق بالحكم  وفقا لكتاب "الدولة العثمانية المجهولة" لأحمد كوندز.
تخلص محمد الأول بن بايزيد من أشقائه الذكور  الـــ  3  عام 1482، وقتل سليم 3 من أشقائه وخمسة من أولاد إخوته عام 1513 كما ذكر محمد فريد في كتابه "تاريخ الدولة العلية العثمانية"، في حين خصص العثمانيون بركة ماء في ساحة قصر توبكابي، يغسل فيها الجلادون أيديهم من الدماء، بعد تنفيذ عمليات ذبح الأمراء بما فيهم الرضع، الذين لم ترحمهم وحشية العثمانيين من المصير المشؤوم، فكان القتل مصيرهم في المهد.

وزراء على مقصلة الغضب
قدم السلطان أحمد خان الأول، الصدر الأعظم "نصوح باشا"، كبش فداء ليتبرأ من الهزيمة أمام  أخلاط القوزاق في ثغر سينوب، وتم خنقه في القصر وفق محمد فريد في كتاب "تاريخ الدولة العلية العثمانية".
في سبيل البقاء في الحكم ضحى السلاطين العثمانيون بأخلص رجالهم قربانا، خاصة حين يواجهون ثورة الإنكشارية، يقول محمد فريد:كانت ثورات الجنود متتابعة بالآستانة، وفي كل مرة يطلبون قتل من يشاءون من رؤساء الحكومة المخالفين لهم في الرأي، ولا يرى السلطان مفرا من إجابة طلباتهم إسكاتاً لهم وخوفاً منهم، وفي عام 1683 أمر محمد الرابع بقتل الصدر الأعظم قره مصطفى باشا، بعد هزيمة جيوشه أمام النمسا، وحمل السلطان رأس مصطفى باشا وألقاها إلى الجماهير الغاضبة إرضاءً لهم، ولم ينته عصره إلا وأصدر أوامره بقتل صدر أعظم آخر وهو سليمان باشا، بعد هزيمة ثانية للعثمانيين على يد جيوش التحالف المقدس في المجر، والمصير نفسه واجهه كمانكش علي باشا في عهد مراد الرابع بعد أن تلقى هزيمة ساحقة أمام الصفويين فقد خلالها بغداد.

الإعدام.. هدية الحريم
بأرواح البشر تقرب السلاطين إلى الجواري والنساء في القصر، حتى صارت الدولة العثمانية بحق دولة الحرملك، فقد ذكر كتاب "أشهر الأحداث العالمية" لفؤاد السيد حادثة قتل الصدر الأعظم إبراهيم باشا على يد سليمان القانوني عام 1536 ، نتيجة خضوع السلطان لدسائس الحريم، والتي تسببت أيضا في قيام القانوني بإعدام ابنه الأمير مصطفى. 
وكان سليمان قد حلف ألا يقتل إبراهيم باشا، إلا أنه حصل على فتوى تبيح له الحنث بقسمه إرضاءً لزوجته، وتمادى في الأمر بقتل الصدر الأعظم الجديد أحمد باشا، تنفيذاً لمخطط زوجته وجواريه، فصارت الدولة مدعاة للسخرية والاحتقار، الأمر الذي جعل الشاه طهماسب يقول للمبعوث العثماني "إن من أسوأ الأشياء التي أقدم على فعلها سلطانكم هي إعدام ابنه الأمير مصطفى، وقتل شخص شجاع ومجاهد مثل أحمد باشا تنفيذاً لرغبة النساء" كما أورد كتاب "تاريخ الدولة العلية العثمانية".
وأمر السلطان مراد الثالث (1574-1595) بإعدام الصدر الأعظم محمد باشا صقللي، الذي لم يقترف ذنبا واحدا باستثناء أنه لا يروق لحريم القصر، وطالت الأحكام الوحشية 22 صدراً أعظم في الخدمة، و18 بعد عزلهم.

مجازر وحشية لا تنتهي
30 ألف حالة إعدام نفذها سليم الأول من بينها 7 بحق من تولوا منصب الصدر الأعظم مثل يونس باشا في عام 1517 ، والذي اختلف مع السلطان في الرأي حول جدوى الحرب على المماليك.
يذكر صاحب كتاب "تاريخ الدولة العثمانية" أن سليم اتبع سياسة اضطهاد الشيعة نكاية في الدولة الصفوية، وأمر بإحصاء سكان الأطراف المتاخمة لإيران، فكانوا 40 ألفا أمر بقتلهم جميعا قبل الزحف لقتال الشاه، كما خلف الهجوم العثماني على مصر عام 1517 مذبحة بشعة راح ضحيتها 50 ألف نفس.
ويحصي كتاب "يقظة العرب" لجورج أنطونيوس 3 آلاف من المثقفين والوجهاء في الشام لقوا حتفهم على يد جمال باشا عام 1915، فضلاً عن المذابح الشهيرة التي ارتكبها العثمانيون بحق الأرمن والآشوريين واليونانيين والألبان، والتي ملأت سجلهم الدموي بملايين من البشر، ولم تتوقف شهورة القتل لدى السلطان عند البلاد التي يحتلها ولكنه تذوق أيضا دماء جنوده فقد أمر سليمان القانوني بقتل عدد من قادته وضباطه بعد عودته من غزو فارس، وفي القرون اللاحقة صدرت أوامر سلطانية بقصف الإنكشارية بالمدافع، وحرق ثكناتهم، وإبادتهم.

إغراق الجواري للتسلية
يقول مايك داش في بحثه إن طريقة تنفيذ عقوبة الإعدام اختلفت بحق النساء عن الرجال، فبينما كان الخنق وقطع الرأس عقوبة للرجال، كان قتل النساء يتم بإلقائهن أحياء في مضيق البوسفور، بعد تكبيلهن في أجولة، ونفذ السلطان إبراهيم المجنون هذه العقوبة بحق 280 من جواريه، لا لشيء إلا ليمنح نفسه متعة اختيار جواري جدد للخدمة في القصر، كما ذكر مايك داش، فلم يكن أحد آمناً على حياته في دولة العثمانيين، فليس  باستطاعة قاضٍ منح الناس حقوقهم ولا عدالة يمكنها أن تقف ضد رغبات السلاطين والحريم، فكانت طقوس القتل للجميع.

Qatalah