يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


أدمن العمل السرى، وكرس حياته بهدف واحد فقط، إيذاء البشر جميعا فيما عدا أبناء قومه الأتراك واليهود. لم يكن محمد طلعت الشهير باسم طلعت باشا يهوديا، لكنه كان أقرب إليهم من شراك نعالهم، وكاد - لولا نشاط وزارة الخارجية البريطانية - أن يصبح صاحب وعد بلفور الحقيقى والمؤسس الأول لدولة إسرائيل على جثث العرب. 

تجنيد الماسونى
ولد في أدرنة 10 أبريل 1874، وكان والده خير أحمد وصيف أفندي من قرية كيرجالي بمنطقة أدرنة، وهناك انضم للمحفل الماسوني وذاع صيته، وفي العام 1896 تم القبض على طلعت وأصدقائه الماسونيين واقتيدوا إلى سجن أدرنة لتنفيذ عقوبة الحبس ثلاثة سنوات، فيما قضوا نصف المدة فقط، وخرجوا بقرار عفو في فبراير 1898، ويتم نفيه إلى سالونيك.

شهدت حياته في سالونيك تغيرا كبيرا فقد استغل عمله كمأمور بريد لخدمة الحركة الماسونية العالمية، فانضم طلعت إلى الطريقة الصوفية البكتاشية، حين أصبحت التكايا والزوايا البكتاشية منبرا لنشر الأفكار والمعتقدات الماسونية،  وسخر مكتب بريد سالونيك للتواصل بين أفراد المحفل، الذين تبادلوا المنشورات وكونوا قاعدة قوية، وهناك تعرف إلى إيمانويل كارسو المصرفي اليهودى، ووقع تحت تأثيره الطاغي، فهذا الرجل هو من أبلغ السلطان عبد الحميد الثاني بقرار خلعه عن العرش، وهو الذي رسخ فكرة الوطن اليهودي بالمحافل الماسونية.

تحالف طلعت بك وإسماعيل جانبولات ومصفي رحمي في يوليو 1906، وأسسوا مركزا في باريس بالتعاون مع جمعية الاتحاد والترقي فى إسطنبول، أسموه المركز الداخلي بجمعية الاتحاد والترقي العثمانية، ووقع الاختيار على تعيين طلعت وزيرا للمنظمة الجديدة، فجرى عزله من وظيفته في إدارة البريد في نوفمبر 1907، مكرسا كل وقته للجمعية، حتى أنه - وقبل إعلان الدستور بقليل - ذهب طلعت باشا مرتين إلي إسطنبول محاولا إنشاء شعبة للجمعية بالعاصمة.

أصبحت جمعية الاتحاد والترقي هي الحاكم الفعلي للدولة العثمانية بعد انقلاب العام 1908، وكان طلعت من أبرز محركي الأحداث وواضعي السياسة التركية خلال الفصل الأخير من الدولة العثمانية ما بين 1908 و1918، بالإضافة لذلك عمل أستاذا أكبر للمحافل الماسونية في العام 1909 لمدة عام.

عمل طلعت بك وزيرا للداخلية لمدة عام ونصف في 8 أغسطس 1909، ثم وزيرا للبريد والتلغراف في وزارة سعيد باشا، وبعد إغتيال محمود شوكت باشا تم إعادته من جديد إلى وزارة الداخلية فى حكومة سعيد حليم باشا في 12 يونيو 1913، واعتبارا من هذا التاريخ شكل ثلاثي الشر الماسوني أنور باشا وجمال باشا وطلعت باشا سلطنة الدم العثمانية، إلى أن اقتنص طلعت باشا منصب الصدر الأعظم في 3 فبراير 1917 عقب استقالة سعيد حليم باشا.

المذبحة 
انتهز طلعت باشا الطوراني نشوب الحرب العالمية الأولى، ليشن أكبر عملية إبادة بشرية جرت فى القرن الأخير، حين تذرع بإخلاء مناطق العمليات العسكرية المتاخمة لروسيا القيصرية لإجلاء الأرمن منها بدعوى حمايتهم، فيما كانت أوامره تؤكد صراحة على التطهير العرقى، وتحث على عدم التعاطف والتساهل معهم، بل عدم الرأفة حتى بالأطفال والنساء والمرضى.

شهد الاجتماع السري للجنة التنفيذية بجمعية الاتحاد والترقي في أوائل 1915 المقولة الشهيرة لطلعت باشا "يجب اجتثاث الأرمن من جذورهم، يجب ألا نترك أرمنيا واحدا على قيد الحياة في بلادنا، يجب أن نزيل اسم الأرمن من الوجود"، وأصدر بعد أشهر من هذه الصيحة "قانون الإبعاد المؤقت" في 27 مايو 1915، حيث اتخذت عمليات ترحيل الأرمن طابعا رسميا.

نشر المؤرخ التركي مراد بردقجي السجل الأسود لطلعت باشا فى كتاب بعنوان "وثائق طلعت باشا المتبقية"، وقد حصل على هذه الوثائق من خيرية أرملة طلعت باشا في العام 1982، وهي تثبت بما لا يدع مجالا للشك أن الإبادة كانت  وفق مخطط معد سلفا، الأمر الذى دعا طلعت باشا للفخر بأنه "عمل فى عدة شهور ما عجز عنه السلطان عبد الحميد الثانى فى 30 عاما".

الكتاب الأسود لطلعت باشا أثبت بالوثائق إبادة الطورانيين الترك للأرمن، إذ أرسل طلعت باشا برقية إلى والي ديار بكر محمد رشيد باشا يأمره بثلاث كلمات فقط "احرق – دمر – اقتل"، كما أرسل إلى والي حلب في 9 سبتمبر 1915 ببرقية تقول "لقد ألغي حق الأرمن في العيش في أراضي تركيا إلغاء تاما، والحكومة أمرت بالقضاء على الرجال والنساء والأطفال".

أصدر طلعت أوامره إلى الولاة بإبادة الأرمن، وهدد بمعاقبة كل موظف يمتنع أو يتهاون عن القتل، كما أصدر قرارا بإعدام أي مواطن يؤوي أحد الأرمن، وأصر على تنحية عدد من الولاة الرافضين لتنفيذ الأوامر، بينما عينت الحكومة ولاة وموظفين نفذوا الأوامر بإخلاص .

أشرف وزير الداخلية على تشكيل ميليشيات عسكرية، أطلق عليها "الجيش الخمسيني"، بغية معاونة أفراد الشرطة على قتل الأرمن، وخطب فيهم يحضهم على سفك دماء الأرمن الأبرياء "إننا نهيب بكم أن تتجردوا من أي إحساس بالشفقة والرحمة، كما نطالبكم أن تعملوا جاهدين للقضاء عليهم ومحو الأمة الأرمنية بالذات"، ساعدة في ذلك فتوى شيخ الإسلام محمد خيري أفندي "جماعات الأرمن كفرة وخونة، وقتلهم جهاد وفرض على كل مسلم".

جرائم طلعت باشا لم تقف عند التطهير العرقي فقط، بل نهب ثروات ضحاياه الأبرياء، إذ شكل فرقا لنهب ممتلكات الأرمن، وعرضها بأبخس الأثمان على جنوده، كما تباع تركات الموتى، واختص الولاة والقادة العثمانيين بالتحف والمجوهرات الثمينة، وأرسلت حصيلة البيع لخزينة الدولة المفلسة.

التوطين
تلوثت سيرة الرجل بكثير من الجرائم، فلم يكن ليفوت جريمة الخيانة، بسبب توطيد علاقته بالحركة الصهيونية العالمية وأحد رموزها فيكتور جاكوبسون اليهودي الروسي مشراف الوكالة الصهيونية التي تأسست في إسطنبول، وتولى طلعت مهمة مراقبة الحكومة العثمانية، ورصد أنشطة العرب في العاصمة، وموافاة الهيئة التنفيذية للحركة الصهيونية بالتوجهات العربية بخصوص الهجرة اليهودية وتمليك الأراضي لهم في فلسطين.

استطاع فيكتور جاكوبسون تجنيد أعضاء جمعية الاتحاد والترقي، بواسطة "روسو" و"مزلياح" اللذين اجتمعا مع قادة الجمعية أحمد رضا وأنور بك وطلعت وناظم بك، واستطاعا إقناعهم بأن دعم الأهداف الصهيونية مفيد للدولة العثمانية، والتلويح بتجديد العرض الذي قدمه مؤسس الحركة تيودور هرتزل على السلطان عبدالحميد الثاني بتسديد ديون الدولة المفلسة.

طلعت باشا لا ينكر ذلك، فقد كتب في مذكراته مفتخرا بجهوده في توطين اليهود فى فلسطين "كانت جمعية الاتحاد والترقي أمل اليهود، هذا صحيح لقد بدأ اليهود في عهد توليتي وزارة الداخلية للمرة الأولى يتجمعون في فلسطين، خاصة هؤلاء الذين أجبروا على الهجرة من روسيا، وأخذ اليهود يشترون الأراضي في فلسطين، كما جاء 50 ألف يهودي إلى فلسطين".

خشي زعماء الحركة الصهيونية على مصير "الوطن اليهودي" المزعوم بعد مذابح الأرمن في الحرب العالمية الأولى، فمارس الأثرياء منهم ضغوطا على القيصر الألماني للتدخل وإنقاذ يهود فلسطين، حيث زار القيصر إسطنبول في 17 أكتوبر 1917، ودارت مباحثات عثمانية ألمانية حضرها الصدر الأعظم طلعت باشا الذى قد تطمينات للصهيونية العالمية سجلها محضر الاجتماع بقوله "لقد ألحقنا بالأرمن الويلات الكبيرة، أما بالنسبة إلى اليهود فإننا لن نؤذيهم"، وتمادى طلعت باشا في دعمه للصهيونية وقدم وعدا تاريخيا للجانب الألماني قائلا: "سأقوم ولأجل محبتي لكم ببناء وطن قومي لليهود". 

بمجرد وصول نتائج تلك المباحثات إلى انجلترا ، قرر رئيس الوزراء البريطاني اتخاذ خطوات سريعة وحاسمة على الساحة الدولية، بالحصول على اتفاق مع الجانب اليهودي بالانحياز للحلفاء في الحرب حتى النصر وسحق دول المحور، وبعد مرور 14 يوما على التصريحات التي أصدرتها وزارة الخارجية التركية، أُعلن الحكومة البريطانية في 2 نوفمبر- على لسان وزير خارجيتها آرثر بلفور - موافقتها على دعم اليهود في تأسيس "وطن قومي في فلسطين".

اغتيال السفاح 
أرسل طلعت باشا بيانا باسم الدولة العثمانية إلى وزارة الخارجية الألمانية في يناير 1918 طالبا نشره بالصحف الأوروبية جاء فيه "نحن نرحب بالأقلية اليهودية العاملة على تطوير ثقافتها، وندعم أمنيتها في دولة يهودية مستقلة، ونبدي تفهمنا العميق لهم، واستعدادنا لدعمهم في مطلبهم هذا، وبخصوص الجهود المبذولة من اليهود ومن الصهيونية بشكل خاص في الاستيطان في فلسطين فإننا نؤكد على نية حكومة السلطنة العثمانية المعاملة الحسنة للمستوطنات اليهودية الآخذة في الازدهار في فلسطين من خلال ضمان حرية الهجرة والعمل ضمن حدود القدرة الاستيعابية للبلد، وكذلك الإدارة المستقلة ضمن القوانين السائدة والتطوير الحر لثقافتهم وشخصيتهم".

وقع طلعت باشا الصدر الأعظم اتفاقية السلام نيابة عن الدولة العثمانية في 3 مارس 1918، فى نهاية الحرب العالمية الأولى، وبعد استقالته ووزارته في 8 أكتوبر، أصدرت جمعية الاتحاد والترقي قرارا بالتخلص منه ونفيه إلى خارج البلاد، فهرب بصحبة أنور باشا إلي سيفلس توبال عبر البحر الأسود بسفينة توربنده الألمانية ومن هناك ذهبوا إلي برلين.

لقي طلعت باشا جزاء جرائمه الدموية على يد أحد ضحاياه، بعد أن قتله الشاب الأرمني صوغومون تهليريان أمام منزله في مدينة تشارلتون برج في العاصمة الألمانية برلين في 15 مارس 1921، إذ كان من عائلة بطش طلعت باشا بأفرادها وأبادهم عن آخرهم، فقرر الانتقام من السفاح.

ولا تزال جمهورية رجب إردوغان تحتفى بالتاريخ الدموي لطلعت باشا، وتمجد سيرته، وتدافع عن جرائمه، وبناء على طلب من الرئيس التركي عصمت إينونو، أعاد الزعيم النازي أدولف هتلر رفات السفاح طلعت باشا إلى إسطنبول في 25 فبراير العام 1943 إلى إسطنبول، وشيد له تمثالا فى واحد من الميادين الكبرى بالمدينة تكريما له.

Qatalah