يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


18 أغسطس 2019 طمس هوية الجيش التركي

وفقًا لابن خلدون فإن الجيش هو عصب الأمة. وإن عرفنا العصب بأنه الهوية فإن الجيش يمثل هوية البلد. الجيش هو روح الماضي من جانب، ووعي الأمة من جانب آخر. وعلى قدر قوة الجيش وانضباطه وردعه والتزامه بالقانون يزيد مستوى الرخاء والشعور بالانتماء في البلاد.

وكما هو الحال في تاريخ كل أمة كان الجيش يمثل الكيان القمة في الإمبراطورية العثمانية أيضًا. فقد قامت الدولة العثمانية على جنود فرقة "كابي كولو". فكانت "كابي كولو" تعني الدولة العثمانية. وقد تحول آل عثمان من إمارة صغيرة إلى إمبراطورية عظيمة فوق دماء فرقة "كابي كولو".
واندثر العثمانيون في التاريخ بعد هذه الفرقة أو الجيش الذي ألغوه، وقد أهملوا مصدر قوتهم هذا مع مرور الزمان.
وقد أدى إلغاء فرقة الإنكشارية التي تسببت في انهيار الشعور بالثقة القائم بين الجيش والقصر منذ قيامها إلى طمس هوية الجيش التركي، كما أفسد "الطبيعة السياسية" للدولة العثمانية. وعلى حين كنت الدولة تنجرف نحو انهيار سريع بهذا الشكل اندثرت في التاريخ خلال 90 سنة.
وخلال القرن الثامن عشر، كانت السياسات التوسعية للروس واحدة من أكثر القضايا التي شغلت الإمبراطورية العثمانية. ويمكن تلخيص وصية بطرس الأكبر في الاستيلاء على شبه جزيرة القرم والوصول إلى البحر الأسود، وطرد الإمبراطورية العثمانية من هناك عبر تنظيم حركات تمرد بين شعوب البلقان، وأخيراً السيطرة على مضيق البوسفور والنزول إلى البحر المتوسط. كانت هناك محاولات لتحقيق هذه المثاليات خلال الحكم القيصري، وتمت متابعتها بنشاط خلال فترة الحكم السوفيتي أيضًا. أما روسيا، التي حلت محل الاتحاد السوفيتي، فقد أعادت تنفيذ وصية بطرس الأكبر هذه من خلال بوتين.

وبالنظر إلى الأمر من زاوية استراتيجية فإن أمن إسطنبول يبدأ من شبه جزيرة القرم. ولو أن حكام اليوم كانوا على وعي بالتاريخ والجغرافية لعلموا أنه باحتلال شبه جزيرة القرم في 2014 تعرض أمن إسطنبول للخطر، ولأخذوا التدابير اللازمة حيال ذلك. حتى إنهم في عصر كاثرين (׀׀) وضعوا على مدخل قصبة "خيرسون" الواقعة على ضفاف نهر دنيبر وعلى حدود القرم لوحة مكتوب عليها "من هذا الباب يتم الدخول إلى إسطنبول". نعم، كان الروس يعتبرون شبه جزيرة القرم الموقع الأول للوصول إلى إسطنبول.
بالحرب أيضًا بدأ القرن التاسع عشر تمامًا مثل القرن الثامن عشر الذي انقضى بالحرب مع الروس، كان الروس يساندون التمردات الصربية واليونانية في البلقان. حتى إن الروس احتلوا المناطق الممتدة من أدرنة في الغرب وحتى أرضروم في الشرق عام 1829 من أجل الضغط على الإمبراطورية العثمانية. وكان السبب الرئيس الذي مكنَّ الروس من الوصول إلى هذه الأماكن هو دخول الجيش العثماني في أزمة ثقة وفقدانه عصبيته مع إلغاء فرقة الإنكشارية عام 1826.

كان غياب الإنكشارية يُشعر بتأثيراته أكثر فأكثر يوميًا. لدرجة أن الدولة أصبحت عاجزة بحيث لم تكن قادرة على التصدي لتمرد أحد ولاتها عليها.
ولو أنك سألت السلطان لأجابك بأن الجيش كان يعيش أزهى عصوره. إلا أن جيش محمد علي باشا الذي خرج من مصر وصل إلى قونية حيث هزم جميع الجيوش العثمانية التي التقى بها على طول الطريق، وهنا هزم آخر جيش عثماني عرض له. ويُقال إن محمد علي باشا كان يأمل أن لو حكم الإمبراطورية أبناء محمد علي بعضًا من الوقت أيضًا.
وحين أدرك السلطان محمود أن عرشه في خطر فضل الدخول في حماية روسيا التي كانت احتلت أدرنة قبل ذلك بفترة قصيرة، بدلًا من أن يتفاهم مع والي مصر. وقد استفاد الروس من وضع السلطان الصعب، فعرضوا عليه المساعدة وإرسال الأسطول المتواجد في مياه البحر الأسود. فقبل السلطان كما أنه طلب الجيش الروسي المكون من 30 ألف شخص على سواحل نهر الدانوب. فقبلت روسيا هذا بترحاب. وعلى حين رست 9 سفن حربية روسية عام 1833 في عُرض مياه "بويوك ده ره" تموضع 15 ألف جندي روسي على الجانب الأناضولي من إسطنبول. وعلى حين استقبل القصر هذا الوضع بفرح، أُصيبت إنجلترا وفرنسا بالرعب والهلع. فلم يعد بإمكانهما معرفة الإمبراطورية العثمانية. وما كانت الدولة العثمانية تعترف بهما. لأن الجيش والدولة كانا يعيشان أزمة في الهوية.

طلب السلطان، الذي لم يعتبر وصول الجيش الروسي كافيا، ضمانات جديدة من روسيا. وهكذا، تم توقيع "معاهدة هنكار اسكله سي" بين روسيا والدولة العثمانية عام 1833. وبهذه المعاهدة وضع السلطان هذه الإمبراطورية العظيمة تحت حماية روسيا عدوه القديم، وذلك من أجل حماية عرشه فحسب. وهكذا اتخذ الروس خطوة كبيرة نحو تحقيق طموحاتهم التاريخية. فماذا كان من الممكن أن تكون غير ذلك نهاية قصر تنطمس هويته هو وجيشه؟
وعلى الرغم من تغير المكان والزمان إلا أن الأحداث التاريخية تستمر في الحدوث بطريقة مماثلة. ويواصل إردوغان تدريجيًا إتمام خطته التي لم تكتمل في 15 يوليو، ومنذ ذلك الحين وحتى اليوم يجعل القوات المسلحة التركية تواصل عملياتها دون إبطاء. وينفذ عملياته هذه بمزاعم مختلقة مثل هاتف مسبوق الدفع أحيانًا، وبتعديلات قانونية أحيانًا، وباستخدام سلطته كرئيس للجمهورية أحيانًا أخرى. وإذا استمرت هذه العملية على هذا النحو، فستتحول القوات المسلحة التركية إلى جيش باهت فقد عصبيته تمامًا، وصار يعيش أزمة في الهوية والثقة. وربما أن هذا هو المستهدف بالضبط.
قبل 15 يوليو كان للقوات المسلحة التركية وضع وعصبية فريدة من نوعها خاصة بها. فما كان يُذكر الجيش التركي حتى تخطر بعقل الجميع هوية وشخصية واضحة. هوية تخرج من صدر الأمة التركية، وتمثلها. أما الآن فهل هي كذلك؟
مع القانون العسكري الجديد تحولت القوات المسلحة التركية إلى جيش يخرج من صدر الفقراء، وليس صدر الأمة التركية. وهذه إحدى الخطوات في عملية طمس هوية الجيش. وهذا يعني أن الفقراء فحسب هم من سيموتون على الجبهات غدا. كيف يمكن أن تكون عصبية وقوة جيش وطن لا يريد الأثرياء فيه الموت أن يموتوا في سبيله؟

نحن أمام جيش أعلن وزير الدفاع أن نصف طبقة الجنرالات وقادة الأركان فيه إرهابيون، وأن جنوده وطلاب المدارس العسكرية تعرضوا لخيانة قادتهم، وتمت مصادرة الثكنات وترسانات بناء السفن، وتم إغلاق مدارسه ومستشفياته. حتى إن المرء يعتقد أنه يجري تنفيذ معاهدة سيفر مرة أخرى.
دعونا نرجع إلى قضية العدو والصديق. ففي عام 1945 طلب الروس من إسطنبول قاعدة حربية. وبناء على هذا دخلت تركيا حلف الناتو لحماية نفسها. وفي عام 1990 غزت روسيا أذربيجان وارتكبت المذابح هناك. أذربيجان الدولة الثانية لأمة واحدة. وفي عام 2008 كانت الجيوش الروسية تسير نحو تفليس. وفي عام 2014 تغزو شبه جزيرة القرم. وتقدم الروس نحو الأراضي التركية كما كان حدث قبل قرنين.
وأخيرًا وقعت كل من تركيا وروسيا في مواجهة على الأراضي السورية. وأسقطت تركيا طائرة حربية روسية، وما إن أسقطتها حتى استنجدت بالناتو. وتسنى منع كارثة كبيرة بفضل دعم الناتو. وبعد مدة من الوقت قام شرطي تركي بقتل السفير الروسي في أنقرة. فنشأت دعوة للثأر بين روسيا وتركيا. وفجأة يتحول إردوغان إلى شخص متيم بالرئيس الروسي.
إن إردوغان الذي ينمي العداء للولايات المتحدة الأمريكية والناتو، وصداقة الروس اليوم وأتباعه يُغفلون أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تحتل شبرًا واحدًا من تركيا في أية مرحلة من التاريخ، في حين أن روسيا احتلت من تركيا أكبر الأراضي التاريخية. حتى إنهم يتصرفون كما لو كان الوضع على العكس من ذلك تمامًا. فهل هذا حرمان من الوعي التاريخي، أم غفلة، أم خيانة، قولوا أنتم.
لا يمكن لجيش فقد وعيه وذاكرته أن يميز بين العدو والصديق. إنه يسيء إلى أصدقائه ويخلق فرصًا جديدة لأعدائه. إن شراء إس-400، وبدء القادة الروس في تدريب الجنود الأتراك هو الخطوة الأخيرة في عملية طمس هوية الجيش التركي. إنني أعتقد أن إردوغان يقوم، من خلال عمليات طمس الهوية هذه، بتهيئة الأرضية ليدعو الجيش الروسي إلى أنقرة لحماية قصره، تمامًا مثلما فعل السلطان محمود. وكما صدم السلطان محمود البريطانيين بدخوله تحت حماية روسيا، صُدم الناتو والولايات المتحدة أيضًا إزاء هذه الوضع الأخير. ذلك أنهما أصبحا أمام جيش ودولة لم تعد معروفة.
أما الخطر الأكبر من كل هذا فهو حقيقة أن التحزبات والانقسامات ستزداد أكثر في جيش فقد عصبيته ووعيه وطُمست هويته. ووفقًا لحسابات الأحداث الاجتماعية أيضًا فإنه من المتوقع أن يولد الانقسام الحاد صراعًا داخليًا في الجيش. وليس من الصعب التكهن بأن مثل هذا الصراع سيؤدي إلى تفكك البلاد. وقد وقعت حالة مماثلة لهذا خلال حروب البلقان. وإنني أترك هذه المسألة إلى مقال آخر.

وهنا أتساءل عما إذا كان من زجوا بالجيش التركي في هذا الوضع يريدون انهيار تركيا، أم أنهم يريدون إقامة مملكتهم الخاصة؟ تشير جميع الدلائل إلى أنه تجري إعادة تنفيذ معاهدة سيفر خطوة بخطوة. تُرى هل المستاؤون من معاهدة لوزان يستهدفون تطبيق معاهدة سيفر؟ أم أنها دولة "آل فلان" تُقام وسط الأناضول؟
نقلا عن "أحوال تركية".

Qatalah