يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


11 فبراير 2019 الرقابة الطوعية والعبودية المُنتشرة كالوباء في عموم تركيا

مؤخراً نُظّم حفل لتوقيع قانون الرقابة الرسمية على السينما، وجرى تحت تصفيق مُهرجي النظام في كلية الكتب غير المقروءة. وهنا ثمة بعض الملاحظات حول هذا الموضوع، لأنه مهم ومثير.

منذ الانتخابات العامة في 2011 أطلق أركان حزب العدالة والتنمية شعار "يومًا ما سيصبح الجميع أعضاءً في حزب العدالة والتنمية". 
وأظن أن "ظفر جاغلايان" كان أول من قال: "نحن نشكر شعبنا كله. إنّ من صوّتوا اليوم لصالح حزب الحركة القومية وحزب الشعب الجمهوري أيضًا سيصوتون يومًا ما لحزب العدالة والتنمية".
استُخدم هذا الشعار بإصرار لسنوات طويلة، وما إن أصبح "أحمد داود أوغلو" أستاذ الصيغ "العميقة" رئيسًا للوزراء في سبتمبر 2014 حتى قال :"بالنسبة لنا ينقسم مواطنونا من الناحية السياسية إلى قسمين: من يصوتون لصالح حزب العدالة والتنمية حاليًا، ومن يمكن أن يصوتوا له في المستقبل، أي أنصار حزب العدالة والتنمية، والمحتمل أن ينضموا للحزب، وهناك فريق ثالث ليس له عدو".
في تلك الفترة كان "أتيان محجوبيان" نفسه مشغولًا بإنتاج أقنعة جديدة لأيديولوجية حزب العدالة والتنمية التي كانت أفلست منذ وقت طويل، فدخل في جريدة "زمان" في عملية التحول إلى حزب العدالة والتنمية في مجال الاتجاه الاجتماعي أكثر من السياسة، وكان يكتب "النتيجةُ ديناميةٌ اجتماعيةٌ تسير باتجاه معاكس تمامًا لعملية الاستقطاب في الساحة السياسية".

ويخاطب حزب العدالة والتنمية هذه الشريحة من الشعب، ويجس نبضها.  أما المعارضة ومثقفوها فلم يكونوا ولو حتى على حافة الإدراك والفهم... وعليه فإنه ينبغي ألا نحتار ونندهش إن أصبح الجميع في حزب العدالة والتنمية يومًا ما.
إن ما فهمه حزب العدالة والتنمية وناخبوه من السياسة في الفترة ما بين انتخابات الــ 7 من يونيو والـــ 1 من نوفمبر 2015 تبين بشكل واضح جدًا أنهم يحاولون أن يُشبّهوا بأنفسهم نصف السكان الذين لا يفكرون مثلهم، فإن لم يمكن ذلك تجاهلوهم، أو قضوا عليهم. وكذلك استحالة خلق بديل سياسي عبر الانتخابات.
وخلال السنوات الثلاث الماضية وما نحن عليه اليوم أيضًا، لم يعُد حزب العدالة والتنمية أو النظام بحاجة إلى العمل على تحويل الجميع ليصبحوا من حزب العدالة والتنمية. لقد أصبح الناس يخضعون من أنفسهم. فهناك كتلة واسعة للغاية تسعى إلى التعود على الفاشية بدءًا من الغني إلى الفقير، ومن صاحب العمل إلى العامل، وحتى المعارضة الباهتة الرديئة التي التفّ حولها العداء للأكراد.
إننا نواجه حالة من العبودية الطوعية منتشرة في عموم البلاد كالوباء نتيجة لتراخٍ أحدثه الخوف، ولقمة العيش، والنظام الأبوي الوراثي، والاشتياق إلى وجود زعيم قوي وشدة الإعجاب به، وعدم قدرة المرء على أن يكون فردًا.
إن التحول إلى حزب العدالة والتنمية الذي أشار إليه محجوبيان في 2014 أصبح دينامية اجتماعية، هذا صحيح، ولكنها دينامية اجتماعية تجري في اتجاه غير ديمقراطي تمامًا.

وعندما طأطأت الأعناق طواعية اتخذ الرئيس جميع أنواع القرارات غير القانونية والمعادية للحرية، وغير الديمقراطية وراح يرغم أصحاب الموضوع على التمسك بالقانون، ومما صفق له المهرجون مثلًا ما يأتي:
"الأفلام غير المناسبة بناء على نتيجة عملية التقييم والتصنيف لا يمكن طرحها للتداول التجاري أو للعرض".
كم إنها مؤامرة رائعة مكتملة!
إن الوضع الجديد بالنسبة لتركيا ليس البحث عن الحقوق، وإنما عدم البحث عنها وتجاهلها! إنها طبيعة جديدة ترفض قواعد النظام الغربي، ومعاييره، ومبادئه التي كنا ضمنها حتى وقت قريب.
فمثلًا ليست الحفريات هي الأكثر اهتمامًا ورواجًا في تركيا التي ينبض ترابها بالآثار القديمة، وإنما "الكنز" الذي طرح في الأسواق مؤخرًا أي مجلة السرقات العلمية!
تتذكرون القطعان المختارة التي ذهبت إلى القصر راكضة، وكذلك الكُتَّاب والفنانون الملتفون حول النظام منذ فترة طويلة.  فليست جديدة محاولات النظام إجهاد أرباب الفن والفكر الذين لا ينتمون إلى نفسه.
إنما الجديد هو أن النظام لم يعد بحاجة إلى فرض الكثير من الأشياء والأمور، فلسبب أو لآخر يذهب ممثلو مختلف الفعاليات الموجودة في المجتمع عدوًا وركضًا حتى أقدام السيد الرئيس وشركائه.
انظروا إلى "يني أكادمي التي تطهرت من ميكروباتها" وتلهث وراء المناصب والأموال. تذكروا "صابانجي" الذي أُعجب كثيرً بالبرنامج الاقتصادي التافه السخيف للصهر المجنون. ماذا يقول "صابانجي"  "غوجمان" اليوم لقد تجاوزنا تجارب جادة وخطيرة عام 2018. حان الوقت لمواصلة التقدم على الطريق عبر حكاية تركية جديدة.

يجب على تركيا أن تنظر إلى المستقبل بفلسفة تستخدم الإنتاج كرافعة ووسيلة للتطور، وتنتج مزيدًا من القيمة المضافة عبر إمكانيات التكنولوجيا، وتركز على الكفاءة والإنتاجية بينما تفعل هذا".
إنها ديستوبيا (أدب المدينة الفاسدة) مئة بالمئة، وهو يدرك ذلك ولكنه يعلل الأمر "إن شركتنا القابضة مطيعة وتسعى للصمود والبقاء". فهل صدر أي صوت أو اعتراض من دنيا الأعمال على القرارات الهوجاء المجنونة التي تم اتخاذها؟ على العكس تمامًا فإن جمعية رجال الأعمال والصناعيين الأتراك "توسياد" المعارض القديم لا تُخالف للقصر أمرًا.
ألم يذهب "إمام أوغلو" مرشح حزب الشعب الجمهوري عن بلدية إسطنبول العامة إلى السيد الرئيس قبل ناخبيه للحصول على دعائه؟ وهناك العديد من حكايات البيعة من خلال قطيع من شرائح مختلفة...
لقد انتهى عصر التعددية في تركيا، ربما للأبد. فالدولة القوية دائمًا، والقادرة على كل شيء يديرها الرئيس ومن خلال أكبر تحالف يحيط به بما في ذلك حزب الشعب الجمهوري. وفي هذا النظام مهما كان اسمه، النظام الرئاسي، النظام الجمهوري، لم يعد هناك مكان للفرد، ولا  لما هو محلي، ولا مدني، ولا للطرد المركزي، ولا لأية مبادرة خاصة على الإطلاق لم تقدم فروض الطاعة والولاء.

أما مجال من لا يستحقون هذا العالم المناهض للحرية والمعترضين عليه فضيق بقدر المنديل. وكما حدث في الرقابة على السينما فإن المبايعين لا يترددون في التحيز إلى القرارات وضمانتها بدلًا من مُصدريها.
لم تتم السيطرة على تركيا بهذا القدر وإخضاعها تمامًا حتى في عهد الحزب الواحد. لقد كان المتدينون خارج إطار المجال العام في عهد الحزب الواحد، ولكنهم لم يُبايعوه.
فقد رفضوا مواكبة النظام، وكان من لا يُبايع طواعية يغادر أو يخرس، فإن لم يخرس ويسكت فإنه ينبذ خارج النظام بأكثر الطرق الممكنة بربرية كما حدث في حزب الشعوب الديمقراطي، والمراسيم الرئاسية، وكما أصاب أساتذة الجامعات وحفنة من الليبراليين.
***
كان ضيوف كلية الكتب غير المقروءة هذه يتمتعون بميزة أخرى: إنها كونهم من عالم الضحك في الأغلب.  لعلكم تتذكرون الصيغة القديمة للسيطرة على تلك الجماهير، "الخبز وألعاب السيرك"، و"امنح الجماهير الخبز والتسلي" المترجم عن اللاتينية، فهما كافيان للسيطرة عليها.
من الواضح تمامًا أنه كان لوفد الكلية مثل هذه المهمة. ومع ذلك فإن الخبز الموجود في الكفة الأخرى من الصيغة كان قد أصبح نادرًا للغاية، لقد انتهى الطعام وعليكم إشباع أنفسكم بالمرح واللهو.

Qatalah