يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


لم يكن ظاهر العمر مجرد حاكم عربي آمن بقدرة أبناء وطنه في الانتصار على المحتل العثماني، لكنه كان مقاتلا شجاعا، يعرف أن الحروب كما تدار بالسيوف والبنادق فإنها أيضا يتم كسبها بالحيلة والدهاء، ما جعل الأتراك غير قادرين على هزيمته إلا بالخيانة. 

طيلة 4 قرون ابتليت فلسطين بولاة عثمانيين متجبرين فاسدين، لاهم لهم إلا جمع أموال الضرائب، ونهب ممتلكات الأهالي، بينما أهملوا إقامة الجسور وشق الترع، ولم يهتموا بتوفير الأمن، ما أدى إلى تبوير الأرض وانتشار قطاع الطرق، وشيوع حالات السرقة. 

في القرن الثامن عشر، زادت وطأة الاحتلال العثماني على فلسطين، على يد عثمان باشا والي دمشق والشام بوصفه أكثر الولاة بطشا وظلما، فكان لا يكتفي بأموال الضرائب المفروضة على الفلاحين، بل تعداها إلى إتاوات باهظة، يأمر جنوده بالقبض على الفلاحين بعد موسم الحصاد، ولا يفك أسرهم إلا بعد دفعها، فيما يظل الفلاح يبحث عن قوت لأولاده حتى موعد حصاد المحصول الجديد.

حالة من الغضب سادت بين أهالي فلسطين ضد الاحتلال العثماني، تطلعت الرعية لحاكم محلي يؤمن بالحرية ويحشد الناس لطرد الأتراك، ما وجدوه في ظاهر العمر الذي حقق آمال الجماهير العريضة بتأسيس دولة فلسطينية مستقلة، وتهديد التواجد العثماني في الشام.

ينتمي ظاهر العمر إلى أسرة أشراف الزيادنة، والتي يرجع نسبها إلى زيد بن الحسين بن علي بن أبي طالب، استقرت عند بني أسد العرب في براري معرة النعمان بين الشام وحلب، قبل أن تنتقل إلى طبرية، حيث استقبلها الأهالي بالترحاب، وقد اشتغل علي (جد ظاهر العمر) وولده عمر بالتجارة بين الشام ومصر والحجاز.

انزعج الشيخ علي من تدني أوضاع الفلاحين على يد الملتزمين الأتراك، ما جعله يفكر في كيفية التخفيف بنشر العدل من خلال توليه منصب ملتزم طبرية، والذي ورثه ولده عمر وأظهر كفاءة عالية في إدارة شؤون أراضي الالتزام، ما أبهر الأمير بشير الشهابي، فعينه مساعدا للأمير منصور حاكم ولاية صفد، ثم ما لبث أن تولى عمر حكم صفد عام 1702.

على حب العلم واحترام العلماء، ربى الشيخ عمر أولاده، كلف الشيخ عبد القادر الحفناوي بتعليم ولده ظاهر القراءة والكتابة، وأظهر ظاهر تقدما كبيرا في التحصيل والدرس، ما دفع والده عمر لتعيينه ملتزم أراضي عكا، وما لبث أن تولى ظاهر إدارة التزام طبرية وصفد وعكا بعد وفاة أبيه.

أمير الدهاء
بالدهاء والحنكة السياسية تميز ظاهر العمر ، ورغم معاداته للدولة العثمانية منذ نعومة أظافره، إلا أنه لم يشهر ذلك إلا بعد استقرار حكمه وتأسيسه دولة قوية تستطيع مواجهة السلطنة، مستغلا ضعف الدولة العثمانية وزيادة مظالم الولاة بالشام في كسب الأهالي إلى صفه حتى باتوا أشد المدافعين عن دولة ظاهر العمر.

بسبب تزايد شعبيته بين الفلاحين، تعرض وأسرته لمضايقات الولاة الأتراك، ما جعله يقرر الانتقال إلى ولاية صفد، والاستقرار في إقليم "عرابة" عام 1730، لكن محمد باشا والي صيدا لم يتركه، أرسل قوات لمعاقبة عرابة على استضافتها له، فحشد ظاهر العمر الأهالي لصد اعتداء العثمانلية وردهم خائبين، وحصل على اعتراف محمد باشا بسيطرته  على ولاية عرابة.

أهالي طبرية أرسلوا خطابا إلى والي صيدا يطالبون بتعيين ظاهر العمر حاكما عليهم، ونجحوا في فرض إرادتهم، حيث صدق والي صيدا على قرار تعيين ظاهر العمر واليا على طبرية، وتزينت الشوارع لاستقبال الوالي الجديد، واستبشر الناس خيرا بالرجل العادل نصير المظلومين.

المدن والقرى تسابقت في الالتحاق بدولة ظاهر العمر، انهمرت الخطابات على الولاة الأتراك تطلب الانضواء تحت لوائه، ما جعله يبسط نفوذه على مساحات شاسعة دون قتال، ضم قلعة جدين والوبر وطرشيحا وأبو سنان عام 1738، ثم استولى على صفد والبصة ويارون في عام 1739.

أنباء دولته الفتية الجديدة وصلت إلى مسامع إسطنبول، ما أجبره على تغيير استراتيجيته، فيما أمر السلطان محمود الأول بوقف توسعات دولة ظاهر العمر، وبدأت المواجهات حين طالب أهالي عكا بتعيين ظاهر العمر حاكما عليهم، لكن والي صيدا رفض وتحجج بقرار محمود الأول.

لم يرضخ ظاهر العمر لعجرفة والي صيدا، لاسيما بعد عشرات الخطابات التي أرسلها أهالي عكا تدعوه لتخليص المدينة من ظلم الأتراك، جهز 3 آلاف فارس واتجه إلى عكا، فاستقبله أهلها بالتهليل والترحاب، وفر الأتراك من القلاع والحصون يجرون أذيال الخيبة والهزيمة.

الدولة العثمانية ومحمد باشا والي صيدا كلاهما عجزا عن حماية حاكم عكا من تقدم ظاهر العمر، بل إن حاكم صيدا اشتكى للسلطان محمود الأول من توسع ظاهر العمر على حساب أراضي ولايته، ما جعل إسطنبول تحشد 60 ألف جندي وتكلف سليمان باشا بمعاقبة ظاهر العمر.

خطة محكمة وضعها ظاهر العمر لكسر جيوش العثمانلي، كلف أخاه سعد بالتخلص من سليمان باشا، فأغدق سعد المال والهدايا على سليمان، وأصبح من خاصته وأصدقائه المقربين، واطلعه على خططه العسكرية.

في ساعة الصفر وبداية المعركة دس سعد السم لسليمان باشا، فيما هجمت قوات ظاهر العمر على الجيش التركي، والذي تخبط في فوضى عارمة جعلت الجنود يطلقون النار على بعضهم البعض، وفر الباقون من ساحة المعركة، فيما استغل ظاهر العمر الفرصة وضم ولاية صيدا وبلاد صفد إلى سلطته، واعترف السلطان محمود الأول بذلك.

دولة ظاهر العمر
على عاتقه حمل ظاهر العمر مهمة إزالة مظالم ومفاسد العهد العثماني، خطط لإنشاء دولة عربية مستقلة في فلسطين، ووضع مشروعا لبناء دولة حديثة، مستغلا التطورات السياسية والعسكرية والاقتصادية،في القرن الثامن عشر، شرع في بناء جيش حديث قوي، ووضع اللبنات الأولى لمؤسسات إدارية واقتصادية على قدر كبير من الكفاءة.

بلاد الشام عانت من الخراب والدمار على يد الأتراك، فعمل ظاهر العمر على إعادة تعميرها، بما يتناسب مع التطور العمراني للمدن الأوروبية في القرن الثامن عشر، وشجع الأهالي من الفلاحين والصناع على الاستقرار بها، فيما شهدت المدن الفلسطينية حركة توسع عمراني كبيرة.

ظاهر العمر دخل مدينة عكا فوجدها خرائب وأطلالا، فقرر أن يتخذها عاصمة لدولته، ما جعله يعمل على بناء أحياء المدينة وحصونها وقلاعها، وشجع التجار والفلاحين والحرفين من أبناء الشام على الاستقرار فيها، وباتت أهم مركز تجاري وصناعي في فلسطين، فيما أصبح ميناء عكا أهم مركز لتصدير الحرير والقطن والقمح في شرق البحر المتوسط.

بنشر العدل والمساواة بين طبقات المجتمع الفلسطيني، استهل ظاهر العمر عهده، عاش الفلاحون فترة من الرخاء والثراء بعد قرنين ونصف القرن من الفقر والمجاعة على أيدي العثمانيين، فيما أمر ظاهر العمر الولاة بتقديم قروض للفلاحين العاجزين عن توفير نفقات زراعة المحاصيل، ومنحهم البذور ومصاريف الحرث دون فائدة، إضافة إلى منع فرض الإتاوات.

1743 قام بتخفيض قيمة الضرائب المفروضة على الفلاحين من الثلث إلى الخُمس، وعلل قراره بقوله: "متى أخصب الفلاح أخصبت أرضه وأخصبت البلاد كلها معه، ويكفيني أنهم تعرضوا للظلم من قبل وكفاني غنى أن أراهم أغنياء في بلادي".

نشر الأمن وضرب بيد من حديد على قطاع الطرق، وأمر حكام المدن والأقاليم بالقبض على اللصوص وتخليص الأهالي من شرورهم، وأصدر قانونا ينص على أن الولاة مسؤولون عن حالات الانفلات الأمني والسرقات التي تحدث في ولاياتهم، وألزمهم بتعويض الأهالي عن المسروقات والممتلكات المنهوبة، فباتت دولته مضرب المثل في الأمن والاستقرار، حتى قيل إن المرأة إذا سافرت وعلى كفيها الذهب لا يتعرض لها أحد في الطريق ولا تخاف على نفسها.

بطولات فلسطينية
استغل ظاهر العمر الإمكانات المادية والبشرية لبلاد الشام في بناء جيش قوي يدافع عن أراضي دولته ضد عبث العثمانيين،جند 70 ألفا من الفرسان والمشاة، وعين عليهم أشهر القادة العسكريين في بلاد الشام، واشترى أحدث البنادق والمدافع من أوروبا، وبات جيش عكا أقوى جيوش فلسطين، ما أقلق إسطنبول والولاة العثمانيين بالشام، وتحالفوا على محاربته بشتى الطرق، لكنهم فشلوا.

السلطان لجأ إلى سلاح المؤامرة والخيانة للقضاء على دولة ظاهر العمر، فيما وصلت الأنباء إلى عكا بتعيين درويش باشا بن عثمان باشا وزير الشام حاكما على صيدا، وطلبت إسطنبول من حاكم حلب وأمير الدروز تجهيز حملة عسكرية لمناصرة درويش باشا، وحشدوا 50 ألف جندي للانقضاض على جيوش ظاهر العمر.

بالدهاء والحيلة كسر ظاهر العمر شوكة الجيش العثماني، أمر ولده الأمير علي بتجهيز 500 من أكفأ الجنود في استخدام البنادق، قاموا بمباغتة معسكرات درويش باشا ليلا، وحصدوا برصاص بنادقهم أرواح 10 آلاف جندي تركي، ولم تنته الليلة إلا وكانت مدافع ظاهر العمر تقصف الباقين على قيد الحياة بوابل من البارود.

ابتهجت الشام لهزيمة جيوش درويش باشا، وتزينت عكا لاستقبال البطل الفاتح ظاهر العمر، وخرج الأهالي على أبوابها تستقبلون جيشه المنتصر.

وفود العلماء والأعيان جاءوا من يافا والقدس، يباركون لظاهر العمر على النصر المبين ، وأعلنوا تأييدهم ومبايعتهم له، وهم يطلبون منه التقدم بجيوشه لتخليصهم من نير الاحتلال التركي، سارع ظاهر العمر لتلبية نداء المستغيثين، أرسل ابن عمه كريم الأيوب على رأس 25 ألف جندي، ودخل يافا والقدس والخليل، واستقبله الأهالي استقبال الفاتحين.

إسطنبول انزعجت من انتصارات ظاهر العمر المتتالية في الشام، لاسيما بعد أن تحالف والي عكا مع علي بك الكبير حاكم مصر، واستولى على أجزاء كبيرة من فلسطين.

مصطفى الثالث أصدر أوامره إلى عثمان باشا والي دمشق بتجهيز حملة لمحاربة ظاهر العمر، والذي طلب المساعدة من علي بك الكبير، فأمده بـ 15 ألف جندي مجهزين بالبنادق والمدافع الحديثة.

بعد انضمام القوات المصرية لجيوش فلسطين، أرسل حاكم عكا رسالة إلى عثمان باشا والي دمشق يتوعده قائلا :"إن جند مصر أتت تساعدني عليك فإن شاء الله غدا نهايتك"، فانقبض صدر عثمان باشا، وأرسل له خطابا يطلب فيه الصلح قائلا: "لا يوجد لدينا نية في قتالكم، فإن نيتنا السفر لأداء فريضة الحج، وأرجو أن تستمر علاقتنا الطيبة بأمير عكا دون حرب أو قتال".

عثمان باشا قرر الانسحاب بقواته إلى دمشق، فيما حاول ظاهر العمر اللحاق بهم، لكنه لم يعثر عليهم، فرجع إلى عكا منتصرا، ووزع الهدايا والهبات على الجيوش المصرية العائدة للقاهرة، وأرسل خطاب شكر لعلي بك الكبير حاكم مصر، ووصفه بـ"الصديق الوفي لحاكم وأهالي فلسطين".

خيانة العثمانلي
الدولة العثمانية استخدمت الخيانة لضرب تحالف القاهرة-عكا بين علي بيك الكبير وظاهر العمر، كلفت الأمير المملوكي محمد بك أبو الذهب بالتخلص من حاكم مصر، وبالفعل نجح في القضاء على الدولة العربية الكبرى التي أقامها علي بك الكبير، بل وقتل الأخير في محبسه، ما شجع إسطنبول على تكريس جهودها للقضاء على ظاهر العمر بفلسطين، سواء عسكريا أو بسلاح الخيانة.

رفضت إسطنبول استمرار الدولة الفلسطينية المستقلة بقيادة ظاهر العمر، ولم تعترف بالهزائم المتتالية لرجالها من أمراء الشام، وقررت السير في طريق الحرب لآخر جندي عثماني، وجددت أوامرها لوالي الشام بجمع أكبر عدد ممكن من الجنود لمحاربة ظاهر العمر وإسقاط دولته.

عبد الحميد الأول أصدر تعليماته إلى عثمان باشا والي دمشق بالتعاون مع أمراء وولاة الشام لمحاربة ظاهر العمر، اجتمع 40 ألف فارس من جيوش دمشق وحلب وطرابلس، و بالفعل نجحوا في دخول مدينة صيدا، لكن فرحتهم بالنصر تحولت لهزيمة مرة في الأسبوع التالي.

قاد ظاهر العمر قواته وحاصر صيدا، وأرسل بعض جنوده الملثمين إلى معسكرات العثمانلية ليلا، وتمكن من توجيه مدافع عثمان باشا في اتجاه قوات الشام، فقصفهم من معسكراتهم ذاتها.

في أول اشتباك حصدت بنادق ظاهر العمر أرواح 15 ألفا من قوات العثمانلي، وقتل خليل باشا قائد قوات حلب،فيما فر الباقون، بعد أن تركوا أسلحتهم وأمتعتهم غنيمة لأسود جيش ظاهر العمر.

أغسطس 1775 جدد عبد الحميد الأول أوامره لأمراء الشام بمحاربة ظاهر العمر برا بقيادة عثمان باشا، وبحرا بقيادة قبطان البحر حسن باشا، وبالفعل تم محاصرة عكا برا وبحرا، وعقد ظاهر العمر اجتماعا للأمراء وشيوخ القبائل ومحمد أفندي قاضي عكا، وعرض عليهم الموقف العسكري المتأزم، واتفقوا على الدفاع عن استقلال بلادهم حتى آخر جندي، وبالفعل حصن ظاهر العمر أسوار عكا بـ 250 مدفعا.

القبطان حسن باشا نجح في التواصل مع الأمير عثمان بن ظاهر العمر والأمير الدنكزلي أغا المغاربة وأبرز قادة جيش عكا، واتفق معهم على الانضمام لجيوش السلطنة، في مقابل تولية الأمير عثمان بن ظاهر العمر واليا على عكا.

حسن باشا رتب مع حلفائه بعكا سيناريو الاستسلام لجيوش السلطنة، وتسليم رقبة ظاهر العمر، فيما بدأ الأسطول العثماني في قصف أسوار عكا، لكن الدنكزلي أغا لم يرد بإطلاق قذيفة مدفع واحدة، وأخبر ظاهر العمر أن المدافع معطلة وغير قادرة على رد قذائف حسن باشا.

خشي ظاهر العمر من خوض معركة غير متكافئة مع جيوش العثمانلي، لذلك قرر الانسحاب من عكا إلى صيدا، وأمر الجنود بالتقدم نحو صيدا ليلا، إلا أن الدنكزلي أغا عصا الأوامر، وتحجج بأن الجنود متعبون، فخرج ظاهر العمر مع أبنائه، فيما كان ابنه عثمان يخبر الدنكزلي أغا بخط سير والده، فتربص له وقتله بطلقة رصاص في 16 أغسطس 1775.

بموت ظاهر العمر انتهت الدولة الفلسطينية المستقلة ، واجتاحت جيوش عثمان باشا وحسن باشا عكا وباقي المدن، وعادت فلسطين تعاني الفقر والجهل والمرض تحت نير الاحتلال العثماني، والذي باعها لليهود والصهاينة بنهاية الحرب العالمية الأولى.

Qatalah