يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


لم يجد بدا من مواجهته، بعد أن افترقا طويلا في صمت، لرفضه لعب دور الدمية في يد مستبد لا يرى جديرا بالبقاء سواه، الرئيس التركي السابق عبد الله جول تمرد أخيرا فيما شبه الانقلاب السياسي على رفيق دربه رجب إردوغان، ويقود "جيش الساخطين" في صفوف حزب جديد، يزيح به  بيته القديم "العدالة والتنمية" ورئيسه السلطان من السلطة للأبد. 
 
دوافع الانقسام بين إردوغان وحليفه القديم جول كشفتها وكالة "الأناضول" في مايو 2018، وذكرت أنها بدأت برغبة إردوغان في تحويل جول إلى دمية يحركها كيفما يشاء، أغراه بمنصب رئيس الوزراء في 2014 إذا ساعده في تمرير التعديلات الدستورية التي تنقل نظام الحكم في البلاد من برلماني إلى رئاسي.
 
صراع على السلطة
إردوغان اشترط على خليفته في منصب رئيس الوزراء التعهد بالاستمرار في التعديلات الدستورية، وألا يتدخل في تشكيلة الأمانة العامة للعدالة والتنمية ما رفضه جول قائلا :"كي أتولى المنصب يجب أن أمارس صلاحيات رئيس الوزراء كاملة غير منقوصة".
 
شرط جول اصطدم بطموحات إردوغان الساعي لـ"صلاحيات مطلقة" فأقصى صديقه القديم من دائرة الترشيح، وكلف أحمد داود أوغلو برئاسة الحزب ورئاسة الوزراء في أغسطس 2014. 
صفعة شكلت مفترق طرق بين الرجلين، اللذين أسسا معا حزب العدالة والتنمية في 2011، وتركت آثارًا مؤلمة على جول الساعي حاليا للإجهاز على حليفه السابق، بتكوين حزب سياسي مع مجموعة من المعارضين داخل حزب العدالة والتنمية. 
 
رسالة تهديد
جول فكر في الترشح لانتخابات الرئاسة الأخيرة، يونيو 2018، ما وضعه في مرمى سهام إردوغان الذي حاول استصدار قوانين لمنعه من الترشح. نائب الرئيس العام لحزب العدالة والتنمية نعمان كورتولموش وصف رغبة جول في الترشح أمام إردوغان ڊ "الخيانة"،  متناسيا أنه مؤسس الحزب الذي ينتمي إليه.
تقارير صحيفة ذكرت أن إردوغان بعث برسالة تهديد لجول، ما يفسر زيارة مستشاري إردوغان إبراهيم كالين ورئيس هيئة الأركان العامة خلوصي أكار- الذي عين لاحقا وزيرا للدفاع-  في بيته، ليتأكد بعدها امتناعه عن الترشح، فيما لم ينف أو يؤكد أي من الأربعة (جول وإردوغان وكالين وآكار) حدوث الزيارة.
 
تراجع جول عن مساعيه للترشح لانتخابات الرئاسة الأخيرة، وقال: "توعدت بألا أتهرب من المسؤولية التي تقع على عاتقي، مع زملائي، إذا حصل توافق واسع النطاق، لكن القضية المتعلقة بترشحي لم تعد واردة".
مضيفا :"ضميري مرتاح أمام التاريخ، ولا أريد التعليق على بعض الانتقادات اللائقة وغير اللائقة الصادرة بحقي"، فيما خرج إردوغان، واصفًا تحركات المعارضة بـ"السيناريو الغريب"، دون تسمية صديقه القديم، مضيفًا: "علينا أن ننتظر لنرى كيف يكون تنفيذ هذا السيناريو".
 
رئيس الوزراء وقتها بن علي يلدريم تفرغ للهجوم على جول "كنت أنتظر منه الوقوف إلى جانب حزبه الذي منحه كل المناصب، ولم يتبق شيء يمكن منحه إياه"، وفق ما نقلت عنه الأناضول في مايو 2018. 
 
عضو السنجق
الموقع الرسمي لحزب العدالة والتنمية يقول في السيرة الذاتية لجول إنه كان رئيسًا للحكومة  التركية الثامنة والخمسين، دون أن يذكر أنه أحد مؤسسي الحزب، وتخلو قائمة " المؤسسين" من اسمه. 
موقع الرئاسة التركية هو الآخر لا يوفر أية معلومات عن عبد الله جول ويكتفي فقط بذكره بين قائمة رؤساء الدولة، خلال الفترة من 28 أغسطس 2007 إلى 28 أغسطس 2014.
في 29 أكتوبر 1950 ولد جول في مدينة قيصري، تعلم في  "الأئمة والخطباء الثانوية" المدرسة نفسها التي تلقى فيها إردوغان تعليمه، وتخرج في كلية الاقتصاد جامعة إسطنبول عام 1972، حصل على دكتوراة في "تطور العلاقات الاقتصادية"، ثم عيّن مدرسا للاقتصاد بجامعة سكاريا في شمال تركيا.
في 1980 ألقي القبض عليه من قبل الشرطة العسكرية، وفقا لتعليمات الجنرال كنعان إيفرن بتهمة الانتماء لمجموعة "السنجق"، وكان متزوجًا لتوه من "خير النساء جول".
عدة أشهر  قضاها جول في سجن "متريس" بإسطنبول، قبل أن يخرج ويعمل في بنك التنمية الإسلامية في مدينة جدة السعودية، في الفترة من 1983 حتى 1991، وهناك تعلم اللغة العربية.
 
تلميذ أربكان
حياته السياسية بدأت من حزب الرفاه الإسلامي الذي رأسه معلمه نجم الدين أربكان، وفي عام 1991 انتخب نائبًا في البرلمان عن حزب الرفاه لمنطقة سكاريا،  تربى على أفكار أربكان، واعتبره "الزعيم الذي يحلم به و يرضي حسه الإسلامي"،  فيما تظهر سلوكياته وملابس زوجته توجهه الديني. 
البعض وصفه بأنه أحد مهندسي مشروع حكومة حزب الرفاه "مجموعة الثمانية الاقتصادية الإسلامية"، وأطلق عليه الإعلام التركي لقب "أمير" لقربه من أربكان.
 
"أخي جول"
شغل جول عضوية لجنة الخارجية في البرلمان من 1995 حتى 2001 عن حزب الرفاه الذي تم حله، ثم عن حزب الفضيلة وأخيرا العدالة والتنمية. 
في 2001 أسس مع حليفه إردوغان حزب العدالة والتنمية بمشاركة مجموعة من المنشقين عن حزب الفضيلة. 
حاول الترشح للرئاسة التركية في 2007، إلا أن الجيش وأحزاب المعارضة رفضت ترشحه، لكنه استطاع الفوز بالانتخابات التي جرت في 28 أغسطس 2007 بعد حصوله على أكثر من نصف أصوات نواب البرلمان.
طمعًا في مكاسب مستقبلية أكد إردوغان وقوفه بجوار جول بقوله :"مرشحنا أخي عبد الله جول"، معتبرا فوزه مصلحة للحزب الذي كان يخشى أخطار  ما يسمى بـ"الدولة العميقة" الساعية للحفاظ على علمانية تركيا، والمهددة لبقاء الحزب ذي التوجه الإسلامي.  
 
غيزي بارك
الخلافات نشبت  بين "الرئيسين" في أعقاب احتجاجات غيزي بارك الشهيرة في مايو 2013، فبينما كان جول رئيسًا للدولة، كان إردوغان رئيس الوزراء وصاحب السلطة التنفيذية، وأعطى أوامره للشرطة بضرب المحتجين، فقتل 11 وأصاب نحو 8 آلاف آخرين، جول رفض سحق شرطة إردوغان للمتظاهرين، ما اعتبره الثاني "مؤامرة على حكمه". 
 
التعديلات الدستورية التي خطط لها إردوغان للحصول على صلاحيات واسعة بتحويل تركيا من النظام البرلماني إلى الرئاسي وقف لها جول بالمرصاد، وصرح لصحيفة "فاينشال تايمز" في 2015 بأن "تركيا تحتاج نظاما برلمانيا أفضل لا مؤسسة رئاسية أقوى"، وأضاف: يجب صياغة أسس المحاسبة بدقة مثلما هو الحال في الدول المتقدمة، في إشارة للمخاوف من توسيع صلاحيات إردوغان.
في حين حاول جول تحسين علاقة تركيا مع الغرب والعالم، كان إردوغان يعادي الجميع، منحازا لجماعة الإخوان ضد ثورة المصريين في يونيو 2013، قبل أن يقطع علاقات أنقرة مع دول الخليج العربي. 
 
انزواء "المحايد"
بعد يوم من فوز إردوغان في الانتخابات الرئاسية في 2014، نفى جول التكهنات بأنه قد ينضم إلى حركة سياسية جديدة، بقوله: "من الطبيعي بالنسبة لي العودة إلى حزبي".
تابع في كلمته بعد انتهاء فترته الرئاسية: "حافظت على حيادي كرئيس، ولم أخلط بين دوري الحزبي والرئاسي. ركزت على أهمية فصل السلطات وعلى وضع نظام لمراقبة ديمقراطيتنا".
أضاف: "رئيس الدولة يجب أن يحرص بشدة على الحفاظ على متطلبات الديمقراطية والعلمانية والاجتماعية".
 
جيش الساخطين
بعد انتخابات الرئاسة الأخيرة في يونيو 2018، اختفى جول عن الساحة، لكن كاتبًا بصحيفة يني أقيت المقربة من إردوغان، أكد في مقال له الجمعة الماضي أن جول سيعود للمشهد مرة أخرى.
الكاتب عبد الرحمن ديليباك كشف عن نية جول تأسيس حزب جديد يتكون من 55 نائبا ووزيرا سابقين برئاسته، مضيفا: "جول ومن يلقبون بـ(جيش الساخطين) داخل حزب العدالة والتنمية سيتجولون في الأناضول بعد انتخابات البلدية المقررة في مارس المقبل، للاستماع إلى أزمات الناس استعدادا للكيان الجديد".
جيش الساخطين يضم حسب الكاتب، رئيس الوزراء الأسبق أحمد داود أوغلو، ووزير الاقتصاد الأسبق علي باباجان، وعددا من كبار المسؤولين ورجال الأعمال، ومديري منظمات مجتمع مدني وأكاديميين، وقد يتمكن من إلحاق "ضربة قاضية" لإردوغان وحزبه القابض على السلطة منذ 2002.

Qatalah