يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


كأي ديكتاتور مستبد، لا يتوانى رجب إردوغان في معاقبة من يعارض سياساته القمعية، حتى لو كان عضوا في حزبه العدالة والتنمية.

وثائق سرية نشرها موقع نورديك مونيتور السويدي، الجمعة، كشفت عن وضع نائب تركي سابق تحت المراقبة، والتنصت على هاتفه، واعتقاله، وذلك جراء استقالته من حزب العدالة والتنمية الحاكم احتجاجًا على تفشي الفساد في حكومة إردوغان.

رجل الأعمال فاحش الثراء إلهان إشبيلين، والنائب السابق عن حزب العدالة والتنمية طاله جزء بسيط من استبداد إردوغان، وتعرض للسجن المؤبد بتهم ملفقة تتعلق بالإرهاب، وذلك عقابًا على استقالته من الحزب الحاكم.

مراقبة
"نورديك مونيتور" اعتبر سجن نائب العدالة والتنمية السابق، جزءًا من حملة ترهيب شرسة تشنها حكومة إردوغان، لثني المنشقين المحتملين، وإخماد الانقسامات الداخلية داخل الحزب.

الوثائق تشير إلى أن وحدات شرطية راقبت إشبيلين وأفراد عائلته بصفة دورية، والتقطت صورهم وسجلت مقاطع فيديو لهم سرًا، كما تضمنت المستندات أيضًا نسخة نصية من محادثاتهم الهاتفية، وهو ما يراه الموقع السويدي دليلًا على تركيب أجهزة تنصت في هاتف نائب الحزب الحاكم السابق.

"نورديك مونيتور" أكد أن عملية مراقبة إشبيلين امتدت لترصد كل تحركاته في جميع أنحاء تركيا سواء بالسيارة أو حتى على متن قاربه في مضيق البوسفور، ولكنها لم تسفر عن العثور على أية أدلة تدينه بالإرهاب كما تزعم حكومة إردوغان.
الوثائق السرية التي حصل عليها الموقع السويدي، كانت جزءًا من  ملف قضية (رقم 2014/75025) متعلقة بالتخطيط لانقلاب محتمل على الحكومة عام 2014 ، أي قبل عامين من محاولة الانقلاب المزعوم صيف 2016.

في مؤتمر صحافي، أعقب إعلانه استقالته عن حزب العدالة والتنمية، لاختلافه الفكري مع إردوغان، اتهم إشبيلين الحكومة التركية بزرع أجهزة تنصت في منزله وممارسة ضغوط غير مبررة عليه وعلى أسرته.

الوثائق المسربة أكدت مزاعم إشبيلين عن تعرضه للتنصت، وتكشف عن عمليات مراقبة أكثر تدخلًا في حياته الخاصة أجرتها حكومة إردوغان.

تلفيق
بدأت عملية المراقبة والتنصت على  إشبيلين في الأسبوع الأول من أغسطس 2015، واستمرت حتى أكتوبر من العام نفسه، وأُعدت خلال تلك الفترة تقارير مفصلة حول ما كان يفعله لحظة بلحظة، فيما يشير "نورديك مونيتور" إلى وجود احتمال قوي أن يكون هناك المزيد من تقارير المراقبة في فترات سابقة على ذلك.

مراجعة التقارير لا تشير إلى وجود شيء خارج عن المألوف في روتين  إشبيلين اليومي الذي غالبًا ما يتألف من القيام برحلة من منزله إلى مرسى "إستينيا" في منطقة ساريير بمدينة إسطنبول، حيث وقع في عشق الإبحار على طول مضيق البوسفور.

في بعض الأحيان، كان يتم مراقبته أثناء التسوق وإنجاز المهام والتوقف لتناول القهوة وزيارة المستشفى وفي أماكن العمل والمسجد، فيما أُدرجت الصور الثابتة من تسجيلات الفيديو في التقارير، وأُضيفت بالمسح الضوئي بالأبيض والأسود في ملف التحقيق.

تسجيلات التنصت على هاتفه لم تكشف عن أي شيء مريب. ففي إحدى المكالمات الهاتفية، كان يتحدث مع أحد الموظفين حول مسألة عمل، بينما ناقش رحلة مخطط لها إلى أستراليا في مكالمة هاتفية أخرى مع وزير الثقافة والسياحة التركي السابق أرطغرل غوناي الذي استقال أيضًا من حزب "العدالة والتنمية" احتجاجًا على سياساته.

السجن
"نورديك مونيتور" قال إن درجة المراقبة المشددة والتنصت على إشبيلين، تؤكد على حملة الترهيب التي يمارسها إردوغان ضد المنشقين عن الحزب. 

وبرغم أن تقارير المراقبة لم تثبت ارتكاب إشبيلين لأية جريمة، مع ذلك، أُدرجت في ملف القضية كدليل ضده في محاكمته في أنقرة.

تم اعتقال إشبيلين وسجنه منذ 11 ديسمبر 2015، وفي يونيو 2018، أصدرت المحكمة الجنائية الرابعة العليا في أنقرة حكمًا مشددًا بالسجن المؤبد ضده، بعدما أُدين بمحاولة الانقلاب على الرغم من أنه سُجن قبل فترة طويلة من وقوع مسرحية يوليو 2016.

في ظل وجود رجل أعمال بارز ونائب سابق خلف القضبان، يوجه إردوغان تحذيرًا لجميع المنشقين المحتملين داخل حزب العدالة والتنمية، الذي تعرض لهزة عنيفة بسبب التحقيقات في قضايا فساد كبيرة كُشف النقاب عنها في ديسمبر 2013، ودانت إردوغان وأفراد عائلته، أعقبها فضيحة توريد الأسلحة إلى الإرهابيين في سورية يناير 2014 فيما عُرفت بفضيحة "شحنات الاستخبارات"، بحسب الموقع السويدي.

زوجته أيضًا
لم يشفِ سجن إشبيلين غليل حكومة إردوغان حيث لاحقت أيضًا أفراد عائلته.
زوجته، نبهات إيفياب إشبيلين التي تنتمي لعائلة ثرية، رغبت في سحب بعض الأموال من حسابها المصرفي الخاص في إسطنبول عام 2017، وعلى الرغم من أنه لم يكن هناك شيء غير قانوني بشأن المعاملة المصرفية ولم تكن تواجه أي تهم جنائية في ذلك الوقت، تدخلت وكالة حكومية لوقف المعاملة، ورفض البنك الإفراج عن أموالها.

وفي وقت لاحق، هرع المدعي العام التركي في أنقرة لتأمين مذكرة اعتقال من أحد القضاة لفرض قيود على جميع حسابات نبهات في البنوك التركية والحجز على أسهم شركتها وعقاراتها حتى لا تتمكن من بيع أو نقل أي أصول. وكانت الدفعة الوحيدة التي سُمح لها بتلقيها هي معاشها التقاعدي بصفتها مواطنة مسنة.

انشقاقات
الحديث عن المعارضة المكتومة داخل العدالة والتنمية لم ينقطع منذ بدأت سلسلة الانهيارات في شعبية الرئيس التركي قبل نحو 5 سنوات من الآن.

في مارس الماضي كشفت صحيفة "بيرجون" عن موجة استقالات جماعية داخل الحزب، شملت 800 عضو في إزمير، من بينهم، سيد إسماعيل ساري المرشح لرئاسة بلدية بيركلي عن حزب العدالة والتنمية عام 2014، ونائبا رئيس مقاطعة بيركلي عثمان أولوداغ ورجب أصلان وأمين المقاطعة إسر ساري، ومندوب المقاطعة منصور أوغلو.

فبراير الماضي، كشف الكاتب الصحافي علي طاراقتشي عن لقاء جمعه بقيادي في الحزب الحاكم، رفض ذكر اسمه، وأبلغه بنيته تأسيس حزب جديد في أعقاب انتخابات البلدية.

طاراقتشي نقل عن القيادي قوله :"عدد كبير من الموالين للحزب الحاكم فقدوا انتماءهم بسبب سياسات إردوغان العدائية وفشله في إدارة الأزمة الاقتصادية"، لافتًا إلى بزوغ الأزمة مع التعديلات الدستورية التي رفضها 10% من أعضاء الحزب.

مستشار رئيس الوزراء التركي السابق أتين محجوبيان كشف عن مساع داخل الحزب الحاكم لتأسيس أحزاب جديدة تنضم إلى صفوف معارضة إردوغان، نتيجة فشل رجب في إدارة تركيا وامتعاض الأعضاء من إدارة المناقصات الحكومية والتعيينات.

وقال حسن أوزتورك الصحافي بجريدة “يني شفق” التركية المقربة من الحكومة إن حزبين جديدين، يجري تأسيسهما الآن على أيدي منشقين من حزب العدالة والتنمية الحاكم.

وأضاف أوزتورك أن أحمد داود أوغلو، رئيس الوزراء السابق وعبد الله جول، رئيس الجمهورية السابق، أعدا لتأسيس حزبين جديدين عقب خسارة حزب العدالة والتنمية للمدن الكبرى، مثل إسطنبول وأنقرة و أنطاليا، بعد ظهور النتائج الرسمية للانتخابات المحلية في تركيا.

وبحسب أوزتورك فإن حزب أحمد داود أوغلو سينشر بيان تأسيسه في غضون شهر، وسيُعلق لافتاته بعد شهرين.
وقال أوزتورك: “سمعت أن هناك من 50 إلى 60 نائبا سابقا لحزب العدالة والتنمية، بالإضافة إلى خمسة أو ستة وزراء سابقين سيوقعون على بيان التأسيس”.
وأضاف أن الحزب الأول يضم أسماءً كبيرة، مثل عمر دينتشار، أحد الوزراء السابقين أثناء رئاسة داود أوغلو للوزراء.

وتابع أنهم أجروا مشاورات عديدة في أنقرة، كما تجولوا في عدد من المدن في الأناضول، وخرجوا إلى الساحة الإعلامية بمساعدة كُتاب وأكاديمين المقربين منهم، مرددين عبارة “لابد من خطاب جديد”.

أما الحزب الثاني فسوف يؤسسه وزير المالية الأسبق علي باباجان، ومعه عبد الله جول، الرئيس الحادي عشر للجمهورية التركية.

Qatalah