يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


بدأ المسلسل التركي "عاصمة عبد الحميد" موسمه الثالث من الكذب وتلفيق التاريخ، ضمن الحملة التركية المنظمة التي يطلقها نظام الرئيس رجب إردوغان لغسل عار تاريخ الدولة الدموي، وتهيئة الرأي العام العربي لتقبل العثمانيين الجدد بينهم من جديد.  
"صرنا على يقين من ضرورة تصوير التاريخ بأنفسنا"، هذا ما قاله أورهان عثمان أوغلو أحد أحفاد السلطان عبد الحميد الثاني، أحد المشاركين الرئيسيين في إنتاج المسلسل، في اعتراف باستغلال الأعمال الدرامية لتحريف التاريخ، بقصد بسط النفوذ التركي في منطقة الشرق الأوسط، في وقت تستخدم مثل هذه الأعمال في محاولة تبييض سيرة سلاطين العثمانيين المشينة.
عرضت أولى حلقات "عاصمة عبد الحميد"، في موسمه الثالث، الجمعة الماضي، عبر قناة "TRT 1" الحكومية. مجددة الجدل حول المسلسل الذي بدأ عرضه في فبراير 2017 في مواجهة انتقادات لاذعة، لما تضمنه من نزعة واضحة لتبرئة ساحة السلطان عبد الحميد من المهازل التي ارتكبها خلال 33 عامًا من الحكم، وكان في مقدمتها مساعدة الحركة الصهيونية في تثبيت أركانها في فلسطين التي ضاعت بعدها بعقود قليلة.
دعاية آلة إردوغان الإعلامية لم تنجح في التغطية على أخطاء المسلسل الكارثية، إذ شن المؤرخ التركي قدير مصر أوغلو هجوما ساحقا على صناع المسلسل، وسرد في مقطع فيديو نشره على موقعه الإلكتروني، الأخطاء التاريخية العديدة التي سقط فيها المسلسل الذي تحول إلى أداة سياسية في يد نظام إردوغان.
أوغلو رفض الأخطاء الساذجة التي وقع فيها صناع المسلسل فيما يتعلق بالبروتوكول العثماني، إذ تم اختيار ملابس لا تعبر عن روح العصر، فالسلطان لم يكن يرتدي البزة الغربية إطلاقا، وإنما كان يلبس معطفا فوق السترة بحيث تصل إلى ركبتيه، وتشترط القواعد العثمانية أن يقف السلطان عند استقباله للرعية أو الضيوف الأجانب.

حديث أوغلو عن الأخطاء في أبسط الأمور المتعلقة بعصر عبد الحميد الثاني، فتح الباب واسعا للتشكيك في وجود تزييف من نوع آخر بشأن القضايا الكبرى التي شهدها عصر عبد الحميد، ولا تزال تداعياتها متفاعلة، خاصة في ظل الكم الهائل من الأخطاء، التي أسقطت المسلسل كوثيقة تاريخية، بعد أن تم تجهيزه على عجل لخدمة أجندة حزب العدالة والتنمية الحاكم، عبر العمل على تبرئة ساحة عبد الحميد والعثمانيين عموما من الجرائم التي ارتكبوها.
في واحدة من أخطاء المسلسل المتعمدة ظهور تقسيم مملكة المغرب إلى جزئين، على خارطة الوطن العربي، إشارة لدولة الصحراء التي تتنازعها جبهة البوليساريو الانفصالية والتي تأسست عام 1973، أي بعد أحداث المسلسل بنحو 70 عاما، لكن هذا الموقف العدائي من صناع المسلسل ضد مملكة المغرب، مفهوم باعتبارها الدولة العربية الوحيدة التي تصدت للغزو العثماني منذ القرن السادس عشر، وأجبرت جيوش آل عثمان على الرجوع على أعقابها، فإردوغان وعصابته يحاكمون الحاضر على قاعدة الماضي.

مؤسس إسرائيل
في دراسة للباحثة الأردنية فدوى نصير، تكشف أن السلطان عبد الحميد، وفقا لعدد من الوثائق العربية واليهودية والاستشراقية، ساهم في تسليم فلسطين إلى اليهود وإنشاء دولة إسرائيل، وعلى العكس من هذه الحقائق، قدم المسلسل السلطان في صورة المدافع الأول عن عروبة فلسطين، وأنه المحارب الأول للحركة الصهيونية، رغم الثابت  أن السلطان عبد الحميد فتح أبواب إسطنبول لليهود ورموز الحركة الصهيونية، جاريا في ذلك على نهج أسلافه الذين احتضنوا يهود الدونمة على مدار أربعة قرون.

وذهبت الباحثة الأردنية في بحثها المسمى "دور السلطان عبد الحميد الثاني في تسهيل السيطرة الصهيونية على فلسطين" المنشور في كتاب صادر عن مركز دراسات الوحدة العربية في عام 2014، إلى أن فرمانا صدر عن السلطان عبد الحميد الثاني يثبت ذلك، ووفق هذا الفرمان تم إنشاء متصرفية القدس كبداية لانفصالها، وتحولت إلى كيان إداري مستقل عن ولاية سورية، كما بدأت الهجرات اليهودية الجماعية بالتدفق إلى الدولة العثمانية وخاصة إلى فلسطين بسبب العداء الأوروبي المتصاعد ضد اليهود.


وتزامن النزوح اليهودي إلى فلسطين مع الهجرات اليهودية الجماعية إلى الدولة العثمانية، بسبب العداء الأوروبي المتصاعد ضد اليهود، ولم يوافق السلطان العثماني فقط على نزوحهم إلى فلسطين التابعة له، بل عرض على اليهود الحصول على الجنسية العثمانية والإقامة في دولته كمواطنين يحق لهم التملك والعمل والإقامة.
كل هذه الخطوات التي لا يخفى فيها التواطؤ العثماني مع اليهود لاحتلال فلسطين، أدت إلى نجاح الحركة الصهيونية في إنشاء أكثر من 100 مستوطنة في عهد السلطان عبد الحميد معروفة الاسم والموقع وسنة التأسيس، حتى زوال حكمه في عام 1909، فقد كان اليهود يملكون في عام 1909 أكثر من 400 ألف دونم (نحو ألف متر مربع)، في فلسطين في أفضل وأخصب أراضيها، منها 275 ألف دونم باسم روتشيلد المتمول اليهودي الشهير، ولم يقف الأمر عند هذا الحد - وفق الدراسة - بل أنشأوا في ذلك العام مدينة تل أبيب بجوار مدينة يافا، والتي صارت عاصمة الدولة الصهيونية عند تأسيسها.
التوغل اليهودي حصل على الضوء الأخضر من السلطان عبد الحميد شخصيا، فيما يحاول أحفاده حاليا بمساعدة نظام يتطلع لعودة الهيمنة العثمانية على المنطقة، تزوير الحقائق، إذ بدأت في عهد السلطان عمليات الاستيطان اليهودي المنظم، لتأخذ شكل المدن والمستوطنات المستقلة خارج المدن الرئيسة التقليدية لليهود، وهي صفد والخليل والقدس وطبريا، وأنشأ اليهود مجموعة كبيرة من المدارس والمستشفيات والمصانع والبنوك فيها.

هرتزل.. الصديق المخلص
محاولات المسلسل التركي لغسل عار السلطان عبد الحميد بالترويج له على مدار عشرات الحلقات الدرامية كأنه بطل الإسلام والمدافع الأول عن عروبة فلسطين فندته الوثائق، إذ كشف مؤسس الحركة الصهيونية نفسه تيودور هرتزل، في يومياته، حقيقة لقاءاته مع عبد الحميد والتي انتهت إلى وعد من الأخير بإقامة دولة يهودية في فلسطين. كتب هرتزل :"عبدالحميد وعدنا بدولة يهودية مستقلة، مقابل تسديد ديونه"، عبارة لخصت كل ما كان بين الرجلين من حوار، ووضعت السلطان العثماني في مأزق أخلاقي لا يمكن تبريره، فعبد الحميد الذي كان يزعم أنه خليفة المسلمين يجثو على ركبتيه تحت أقدام الصهاينة ويقدم لهم قبلة المسلمين الأولى مقابل حفنة ملايين يضعها في خزانته.
تحرك هرتزل على أساس الوضع المالي المنهار للدولة العثمانية، وبنى عليه سياسته التفاوضية، فاستطاع تجنيد كبار رجال البلاط العثماني بالرشاوى والهدايا، ليحقق الحلم اليهودي، وتبادل المراسلات السرية مع عبد الحميد، وتوصلا في النهاية لصيغة خبيثة عنوانها المال مقابل الأرض، فتهيأت الأجواء لعقد صفقة ترضي السلطان المفلس والصهيوني المغتصب، وتقرر اللقاء بإسطنبول لوضع اللمسات الأخيرة لاتفاق العار، وقد امتدت المفاوضات على بيع فلسطين 8 أعوام تخللها 5 لقاءات في إسطنبول شهد فيها عام 1896 أول لقاء معلن بين الجانبين.

وذكر الدكتور حسان علي حلاق في كتابه عن فترة حكم السلطان عبد الحميد، موقف الدولة العثمانية من الحركة الصهيونية، وكيف استقبل عبد الحميد صديقه هرتزل بحفاوة بالغة، ووصفه بـ "الصديق المخلص"، وانبطح أمامه وهو يرجوه إنقاذ دولته من الإفلاس، وقد بنى هرتزل مفاوضاته على حقيقة تفاقم الديون العثمانية، وعرض على السلطان مبلغ 20 مليون جنيه إسترليني، مقسمة على النحو التالي: مليونان ثمنا لأراضي فلسطين، و18 مليونا تذهب لخزانة الدولة.
الرقم الذي سمعه عبد الحميد كان كفيلا بإسالة لعابه، فمنح المهاجرين اليهود امتيازات وتسهيلات استثنائية، عندئذ عاد هرتزل إلى أوروبا يزف البشرى لبني جلدته، وعقد المؤتمر الصهيوني الأول في عام 1897، واستطاع التصريح علانية بأهدافه الاستعمارية، وهي خلق وطن للشعب اليهودي برعاية عثمانية، اللافت للنظر أن هرتزل قبل جلوسه مع السلطان العثماني لم يكن استقر بعد على اختيار الدولة التي سيقيم عليها مشروعه بين الأرجنتين وأوغندا وحتى سيناء المصرية، لكن الكرم العثماني حسم وجهته النهائية صوب فلسطين.

بدأ سيل من الهجرات اليهودية إلى فلسطين شهدته الشهور التالية لاتفاق عبد الحميد وهرتزل، قدم فيه اليهود رشاوى مالية للإدارة العثمانية لتسهيل عمليات اغتصاب الأراضي، ما جعل رجال البلاط يجبرون العائلات العربية على بيع أراضيهم، لينجح اليهود في شراء 97 قرية فلسطينية، بلغ ثمنها 7 ملايين فرنك، تكفل العثمانيون بتهجير سكانها، وهي حقائق لن تشاهدها في مسلسل "عاصمة عبد الحميد" على أية حال.

تؤكد الكاتبة رولا خلف في مقال لها بصحيفة الفايننشال تايمز، أن الخاسر الأكبر من الاستخدام السياسي ليس إلا الدراما التركية نفسها، فالدول العربية تدرك هذه الرسائل والأغراض الخفية لهذه المسلسلات، لذا يوقف المنتجون العرب عرض هذه المسلسلات على الشاشات الكبرى لديهم، بعدما بزغ نجمها والتي تدر ربحا جيدا لتركيا. وقالت الصحافية إن أكبر خطيئة فعلتها تركيا هي دعمها لجماعات مثل "الإخوان"، ما أفقد تركيا جمهورا عربيا ضخما بدأ يتعاطف مع المسلسلات التركية قبل سنوات.

Qatalah