يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


يعرف الرئيس التركي أن الأعمال الدرامية تستطيع أن تقنع المشاهد البسيط بالأكاذيب، ما جعله يتعامل معها بوصفها أداة دعائية، يقدم من خلالها نفسه إلى العالم الإسلامي في صورة السلطان عبد الحميد المكافح القوي الزاهد وغيرها من الصفات التي حاول العمل أن يسبغها على السلطان خلافا لحقيقته التاريخية. 

إذا كان رجب إردوغان يروج للعثمانيين الجدد عن طريق مسلسل "قيامة أرطغرل" ويبرر من خلاله الوجود العسكري التركي الحالي على الأراضي العربية (الشمال السوري مثالا) ، فإن مسلسل "عاصمة عبد الحميد"، يستهدف إلى كل ما سبق الدعاية لإردوغان نفسه. 

أولى حلقات الموسم  الأول عرضت في فبراير 2017، أي بعد شهور قليلة من مسرحية الانقلاب الشهيرة في إسطنبول (يوليو 2016)، فيما استغل إردوغان العمل الدرامي كوسيلة للنيل من خصومه السياسيين الحاليين في تركيا، ومبررا للقمع غير المسبوق الذي ينتهجه ضد الأفراد والصحف ووسائل الإعلام في البلاد، من خلال ربط نفسه بالسلطان عبد الحميد الثاني، وإعادة تأويل تاريخ الأخير بما يتلاءم والظروف الصعبة التي يفرضها الرئيس التركي على المواطنين في البلاد. 

السلطان العثماني والرئيس التركي بينهما من المتشابهات ما يحفز بقوة على اختيار عبد الحميد تحديدا ليصبح مرآة إردوغان على الشاشة التلفزيونية.  

السلطان هو المؤسس للأيديولوجية الإسلامية التي يعتنقها إردوغان ويروج لها اليوم، كما أنه صاحب أول دولة بوليسية عرفها الشرق الحديث، والتي تعتبر تركيا في الوقت الحالي مجرد صورة مكررة منها. 

عبد الحميد هو الخصم العنيد للديمقراطية، وعدو الحياتين الدستورية والنيابية، ما يسير على نهجه الرئيس إردوغان أيضا، أما المكائد التي أحاطت بالسلطان وأنهت عهده بانقلاب هي ما أطلق عليها إردوغان مؤامرات غربية زاعما أنها  تستهدف الدولة التركية، لتعيد إنتاج ما حدث في الدولة العثمانية أيام السلطان عبد الحميد، وقد صرح الرئيس التركي بذلك فور عرض المسلسل قائلا :"الغرب يفعل معنا نفس ما فعله قديما.. فقط الحقبة تغيرت، واللاعبون اختلفوا". 

لو يبقى 20 سنة أخرى
لا يمكن التعاطي مع المسلسل بوصفه عملا تاريخيا، وإنما عمل دعائي لا يتقيد بوقائع دقيقة، ولا يعنيه سرد الأحداث بصورة محايدة، وإنما إسقاط أحداث عصر عبد الحميد على زمن إردوغان المعاصر، حتى لو كان ذلك بلي عنق الحقائق، أو اختلاقها في كثير من الأحيان. 

الحلقة الأولى من المسلسل تبدأ من محاولة اغتيال عبد الحميد الفاشلة، والتي قام بها شاب أرمني في عام 1905. 

بداية مثالية بالنسبة لمخرج العمل الذي يربط بين استهداف الدولة (السلطنة/الجمهورية) من خلال استهداف الحاكم نفسه (عبد الحميد/إردوغان). 

المسلسل يعود بعد ذلك إلى المشهد الافتتاحي عام 1896، والذي يظهر فيه عبد الحميد داخل قصره في إسطنبول يحتفل بمرور 20 عاما على تنصيبه سلطانا.

قبل دخوله القاعة الرئيسة للاحتفال، يدور حوار بين اثنين من رجال الدولة، أحدهما "داماد محمود جلال الدين باشا"، وزير العدل العثماني السابق وصهر السلطان والمتآمر عليه في الوقت نفسه، والثاني وزير وفي ومخلص لـ عبد الحميد. 

داماد محمود باشا  يتهم الحظ بأنه السبب الرئيس وراء تربع السلطان على العرش، أما الوزير المحب فيقول إن عبد الحميد خالف التوقعات التي راهنت على فشله، ثم يفخر بالسلطان قائلا: "لقد أصبح قويا بحرب تلو حرب". وأردف متباهيا بوضع الدولة العثمانية الممتاز بعد وصول عبد الحميد إلى السلطة: "أنظر إلى أين أوصل البلد في 20 سنة؟.. لو يبقى 20 سنة أخرى!". 

الابتهال الحاني من الوزير يثير الكثير من الضحك. فعن أي حروب يتحدث الرجل وجعلت من عبد الحميد قويا؟. وإلى أي وضع إيجابي انتقلت إليه السلطنة العثمانية بفضله؟. 

أبسط المتابعين لتاريخ السلطان عبد الحميد الثاني يعلم تمام العلم أن الرجل في فاتحة عهده نال هزيمة عسكرية أمام الروس في البلقان (1876 - 1878)، وأن معاهدة سان ستيفانو الموقعة على أثر تلك الحرب أفقدت إسطنبول أملاكها الأوروبية، ولولا تدخل بريطانيا وفرنسا وألمانيا وتعديل مواد سان ستيفانو في معاهدة برلين لظلت السلطنة دون شقها الأوروبي بالكامل، ولكنها رغبة الغرب الذي فضل ألا يستأثر الروس بتركة الدولة العثمانية، أو "رجل أوروبا المريض". 

هذا عن الانتصارات العسكرية المزعومة لعبد الحميد. أما تغير وضع السلطنة إلى الأفضل بعد عقدين من حكم السلطان فيحتاج إلى وقفة. 

1896 كانت إسطنبول غارقة حتى أذنيها في الديون لصالح الدول الأوروبية الكبرى، فقدت ولايات فائقة الأهمية مثل تونس التي احتلتها فرنسا 1881، ومصر التي سيطرت عليها بريطانيا 1882. 

تسعينيات القرن الـ19 شهدت غليانا غير مسبوق في صفوف المعارضة التي استهدفت الإطاحة بالسلطان، والتي لم تكن مقصورة على المتآمرين في القصر، أو الشبان الأتراك المنفيين إلى القاهرة وباريس فقط كما حاول المسلسل أن يظهره، بل كانت تمتد إلى سائر الأعراق الخاضعة للعثمانيين، من العرب والأكراد، إلى الأرمن وسائر الشعوب المسيحية في البلقان. 

دعاء الوزير ببقاء السلطان 20 عاما أخرى لا يمكن أن يكون المستهدف منه عبد الحميد الثاني، وإنما إردوغان نفسه. واختيار الرقم 20 له دلالة، لأن إردوغان يقترب من إتمام عقدين كاملين محتكرا للسلطة التركية، وبالتالي فإن اختيار الذكرى العشرين لتنصيب السلطان تعتبر احتفالا دراميا مسبقا في 2022 بمرور 20 عاما على حكمه. 

الكلام عن بداية عبد الحميد المتواضعة ونجاحه غير المتوقع، يقصد منه بداية إردوغان كواحد من أبناء الطبقة الوسطى في أحد أحياء إسطنبول الفقيرة، وما بين نشأته البسيطة تلك ووصوله إلى رئاسة الوزراء في أنقرة 2002، لم يتوقع أحد المراقبين أن إردوغان سينجح في تثبيت وجوده على ذلك النحو.

الحديث عن انقلاب الأوضاع إلى الأفضل مقصود به إردوغان بكل تأكيد، العقد الأول من حكم الرئيس التركي الحالي (2002 - 2012) شهد نموا اقتصاديا لافتا لـتركيا، ولكن هل يمكن سحب تلك الفترة الأولى على ما تبقى من حكم إردوغان والذي تحول فيه النمو الاقتصادي اليوم إلى أزمة خانقة، تنهار فيها الليرة التركية أمام الدولار الأمريكي، ويحرض على فرار المستثمرين الأجانب من البلاد. 

الأصالة و"التفرنج"
منذ اللحظات الأولى  يظهر عبد الحميد متمسكا بالأصالة رافضا "التفرنج" على العكس من ابنه "عبد القادر" الذي يميل إلى الأفكار العلمانية والليبرالية المتحررة للشبان الأتراك، حيث يستند العمل إلى حقيقة أن عبد الحميد تعلم داخل إسطنبول فقط ولم يسافر إلى غرب أوروبا مثل أقرانه من أبناء السلالة العثمانية في القرن الـ19 . 

المقاربة واضحة مع إردوغان الذي تلقى تعليمه الثانوي في مدارس الأئمة الخطباء بإسطنبول والتي كانت مفرخة الإسلاميين المتطرفين من الأتراك منذ نهاية ستينيات القرن العشرين وحتى اليوم، وكأن تعليم إردوغان في الأئمة الخطباء القائمة على التعليم الديني يتماثل مع التعليم الذي تلقاه عبد الحميد، كما أن المدارس العلمانية في تركيا والتي رفضها إردوغان تشبه ونظيرتها الأوروبية التي أبى عبد الحميد أيضا الالتحاق بها. 

المسألة لم تكن بهذه الحدة والوضوح كما حاول أن يصورها "عاصمة عبد الحميد"، فقد تبين أن السلطان العثماني، ومن خلال الدراسات الأكاديمية الحديثة عن التعليم في العصر العثماني المتأخر، لعب الدور الأكبر في تنشيط وتشجيع التعليم العلماني في السلطنة، وتكريمه لمدارس يهود الدونمة الثلاث "شمسي أفندي، الفيضية، الترقي"، وهي مدارس علمانية، والمفارقة أن تلك المدارس نفسها هي التي خرجت أجيالا أطاحت بالسلطان نفسه، وأقامت فيما بعد الجمهورية التركية الحديثة. 

القول بأن عبد الحميد وإردوغان على خط واحد من الأصالة ومناهضة العلمانية خطأ كبير، والأصح أن كلا منهما تمترس خلف الأيديولوجية الإسلامية لأغراض سياسية بحتة، وأنهما أظهرا ميولا "علمانية" لا تخفى، وحديث إردوغان الإيجابي عن الدولة العلمانية في القاهرة 2012 لا يزال ماثلا في الأذهان. 

الزهد العمري
في المسلسل إشارات عديدة إلى كراهية عبد الحميد الثاني للإسراف في الطعام والبهرجة وميله الشخصي إلى الزهد، وهنا تستدعى مرة أخرى صورة إردوغان التي يتم تصديرها في الإعلام الموالي لحكومة العدالة والتنمية ما يتناقض مع البذخ والترف الذي ما لبث الرئيس التركي أن أظهره في السنوات الأخيرة، والتي شهدت أعتى الأزمات الاقتصادية التي مرت بها تركيا منذ تأسيس الجمهورية. 

القصر الرئاسي الجديد (الأبيض) الذي افتتحه إردوغان في أنقرة عام 2014، يقف شاهدا كافيا على تلك الحقيقة. المبنى يحتل مساحة 300 ألف متر مربع، فيما وصلت تكلفته إلى 490 مليون يورو كاملة، ويضم أكثر من ألف غرفة، واجتلبت له خصيصا أجهزة لتدفئة أشجار النخيل الموجودة في حديقته المترامية. فكيف يمكن وصف إردوغان بالزاهد وهو يتجاوز في ترفه أعتى سلاطين آل عثمان وأكثرهم مالا وعددا؟. 

Qatalah