يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


في مسلسل "عاصمة عبد الحميد"، يحاول رجب إردوغان، أن يروج لنفسه باعتباره يستكمل مسيرة السلطان عبدالحميد، لكن يغيب عنه أمرًا في غاية الأهمية، وهو إن كان عبد الحميد لاعب شطرنج، فإردوغان لاعب طاولة عادي لا يملك أي مهارات سوى إلقاء النرد بطريقة معينة ويترك الأمور للحظ يفعل بها ما يشاء.

لكن السييء في الأمر هو أن تركيا أصبحت مجددًا "رجل أوروبا المريض". فالاقتصاد انهار، وباتت تركيا دولة تحوم الشكوك حول قوتها العسكرية، لا سيما بعد مسرحية الانقلاب التي شهدتها البلاد يوم 15 يوليو 2016، ومازال رجب كمثله الأعلى "عبدالحميد" يعيد فشله إلى "المؤامرة الكونية والمخططات الماسونية الوهمية".

في مشهد شهير من مسلسل "عاصمة عبد الحميد"، يجمع السلطان كافة وزرائه ليطلعهم على "المخطط الماسوني" الكبير لتدمير العالم من خلال نص رسالة قديمة تمكن رجال استخباراته من الوصول إليها بطريقة ما.

رسالة الماسون
الرسالة كانت تحوي وفقا لعبد الحميد "كهانة" كتبها الماسون في نهاية القرن الـ 18 تقريبا، وتحدد لأتباع الأخوية السرية ما يجب عليهم فعله في قادم القرون كي يضمنوا سيادتهم للعالم. والمشاهد يعلم بعد أن يستمع للذراع اليمنى للسلطان تحسين باشا وهو يقرأ تلك الكهانة أن الماسونية دبرت للحرب العالمية الأولى (1914 - 1918) قبل أن تندلع بأكثر من مائة عام، وأنها استهدفت منها إنهاء كل الأنظمة السياسية القديمة، حيث تدمر روسيا القيصرية وتصبح الشيوعية والإلحاد حاكمة لها، كما أن بريطانيا وألمانيا ستخوضان حربا ستهلك مواردهما سويا.

لا يتوقف المخطط الرهيب عند هذا الحد، فالماسونية تخطط بعد انتهاء الحرب العظمى لإشعال حربا عالمية ثانية، ونص الرسالة التي يقرأها تحسين باشا يؤكد أن تلك الحرب ستكون بين الماسونيين والفاشيين، وأولئك الأخيرين سيعرفون باسم "النازيين".  وبمجرد نهاية تلك الحرب سيكون ظهور دولة ماسونية في فلسطين هي إسرائيل. 

وإذا كان الهدف النهائي من الحرب العالمية الثانية هو ظهور الكيان الصهيوني، فإن حربا عالمية ثالثة كانت الماسونية تعد لها العدة وهذه المرة ضد العالم الإسلامي كله، والماسونية تسعى بوضوح للقضاء على الإسلام ثم على المسلمين كي لا تبقى لهم شوكة يدافعون بها عن أرضهم أمام الصهيونية. 

بعد أن يختتم الباشا قراءة تلك الأمور المزعجة، يلتفت الباشوات الذين كسا الفزع وجوههم إلى السلطان باحثين كعادتهم عن الحل عنده لكل تلك الأمور المروعة. وكما كان دوما، ظهر عبد الحميد خلف مقعد مكتبه ثابت الجِنان، لا يهزه هاز. وبعد نقرات متكررة من عصاه في الأرض يقول للحاضرين: "هذه الكهانة عمرها مائة عام، ونحن اليوم نشهد بداية تنفيذها من الماسونية. مهمتنا النضال من أجل منعها". 

اضطراب التفكير
ينتاب المرء بعد فراغه من المشهد السابق حالة نادرة من اضطراب التفكير، فصناع "عاصمة عبد الحميد" يسعون إلى تبيان دور الماسونية في إسقاط السلطان الشهير من عرشه قبل أكثر من مائة عام، وهذا حقهم لأن التاريخ يؤكد دور المحافل الماسونية في خلعه عن العرش. ولكن أن يتم تقديم ذلك الدور عبر اختلاق مؤامرة كونية دبرها الماسون في زمن فتوحات بونابرت، رسمت مصير العالم وصراعاته وحروبه عبر القرون التالية وحددت بالاسم أطراف تلك الصراعات الطاحنة كما رسمت الأهداف من ورائها فهذا هو العبث بعينه. 

إن الظهور اللاتاريخي للماسونية في عاصمة عبد الحميد لا يمكن قراءته بمنأى عن سعي المسلسل الدائم لإسقاط أحداث عصر السلطان العثماني على وقائع الزمن الحالي في تركيا إردوغان. وبالتالي فإن المقصود حقيقة من تلك الـ"الكهانة" الخرافية التي صاغها صناع المسلسل برداءة منقطعة النظير كان هو إيهام المشاهد بأن المخطط الماسوني لم يكن قاصرا فقط على عصر عبد الحميد، وإنما هو ممتد حتى اليوم. وإردوغان وفقا لتفسير الكهانة يعيش الحرب العالمية الثالثة بين الصهيونية والإسلام. وبالطبع، فكما كان عبد الحميد هو الذي تصدى قدر جهده لمؤامرة الماسونية الأولى، فإن إردوغان هو الذي يتصدى بصفته قائدا للعالم الإسلامي للمؤامرة الثالثة والأخيرة. 

ربما لو وفر صُناع "عاصمة عبد الحميد" جهدهم ومالهم وقدموا تاريخا جديا وحقيقيا للماسونية في العصر العثماني المتأخر لظهر العمل بالطبع بصورة أفضل كثيرا من تلك الحالة المهلهلة والمثيرة للضحك التي خرج بها على الشاشة الصغيرة. ولكن كما سبق التأكيد، فإن من شأن ذلك العرض الجدي أن يفوت الفرصة على المخرج لبلوغ الهدف الحقيقي من المسلسل وهو إبراز صورة الرئيس التركي الحالي في كل مشهد من مشاهد العمل، خاصة أن الماسونية كانت أكثر الأمور التي تجلت فيها تناقضات السلطان الحادة والتي رسمت عصره الطويل كله. 

الماسونية في العالم العثماني
رغم الصعوبة البالغة لتقديم تعريف شامل عنها، فإنه من الممكن تعريف الماسونية بأنها أخوية سرية نشأت في إنجلترا للمرة الأولى في بداية القرن الـ18 بين أوساط البروتستانت واستهدفت تدبير الثورة بصورة خفية ضد السلطة الكاثوليكية هناك. وهذا الطابع السري لثورة الماسون هو ما صبغ نشاطهم السياسي طوال القرون التالية، حيث ما دخلوا بلدا إلا وكان عملهم غير علني وبطئ ومتمهل ولكنه فعّال القوة على المدى البعيد. 

أقيمت أول المحافل الماسونية في إسطنبول العثمانية خلال العام 1721 أي بعد نحو خمس أعوام فقط من تأسيس أول محفل في إنجلترا. وبحلول العام 1748 كان المحفل الاسكتلندي قد أسس له فرعا في مدينة حلب السورية ضم بين جنباته 28 من أعضاء "النخبة العثمانية". 

عاش الماسون في العالم العثماني بحرية كاملة بفضل الامتيازات الأجنبية التي أصدرها السلاطين العثمانيين باطراد لصالح الحكومات الأوروبية. ويمكن القول في ثقة إن المدن العثمانية كانت هي أفضل الأماكن بالنسبة للنشاط الماسوني في وقت كانت أوروبا وخاصة البابوية في روما تواجه ذلك النشاط بالقمع الشديد. 

في العالم العثماني، اختلط الماسون بأعضاء الطرق الصوفية العثمانية بعمق، وخاصة البكتاشية والمولوية والملامتية، إذ كان إيمان المتصوفة مثل الماسون بما يسمونه الإنسان الحر سببا في التجاذب الفكري بين الفريقين. 

ومع انتصار الثورة الفرنسية في العام 1789 وإنهاء الملكية في باريس، تحولت الماسونية إلى صيحة العصر، خاصة أن كل أعضاء الثورة الفرنسية كانوا من الماسون. ولكن المحافل الماسونية في الإمبراطورية العثمانية كان عليها الانتظار حتى منتصف القرن الـ19 كي تأخذ مكانها في السياسة العليا للأتراك. 

ففي العام 1839 اعتلى العرش في إسطنبول السلطان عبد المجيد الأول خلفا لوالده محمد الثاني. وفور تنصيبه، شرّع عبد المجيد في تحديث الدولة العثمانية من خلال إطلاقه أوسع تعديلات قانونية وتشريعية في التاريخ العثماني تحت إسم "التنظيمات".

كانت التنظيمات إنجازا ماسونيا أكثر منها مشروعا عثمانيا، فالصدر الأعظم مصطفى راشد باشا "عرّاب" التنظيمات وأول من أصدر فرمان بها العام 1839 كان ماسونيا، وقد سمح للماسونية بالعمل العلني من جديد في إسطنبول وغيرها حتى ارتفع عدد المحافل الأوروبية إلى حوالي 52 محفلا خاصة بعد حرب البلقان التي منحت فيها أوروبا السلطان العثماني انتصارا مزيفا على الروس العام 1856. 

بلغت الماسونية ذروتها في العالم العثماني خلال ستينيات القرن التاسع عشر، بعد أن انخرط فيها المسلمون الأتراك بشكل واسع وكونوا ما يعرف بـ"النخبة العثمانية الماسونية" والتي سيطرت على مفاصل الدولة في عصر التنظيمات وأصبحت هي السيد الحقيقي لها. 

كان محفل "برودوس" الفرنسي في إسطنبول قبلة لتلك النخبة، إذ ضمت عضويته ستة ممن تولوا منصب الصدر الأعظم هم : مدحت باشا ، كاشي زاده فؤاد باشا ، أحمد وفيق باشا ، إبراهيم حقي باشا ، تونسولو خير الدين باشا وسعد الله باشا. بالإضافة إلى شيخي الإسلام الماسونيين: موسى كاظم أفندي ومحمود أسعد أفندي ، وكذلك كافة سفراء الدولة العثمانية إلى أوروبا.

سلطان ماسوني
ورغم أهمية السابق ذكرهم فإن النصر الأبرز لمحفل "برودوس" تمثل في جذب أفراد من السلالة العثمانية نفسها إلى صفوفه حيث انضم إليه أبناء السلطان عبد المجيد الأول الأمراء مراد ونور الدين وكمال الدين. واستغلت الحركة الماسونية ذلك في تنفيذ مشروع يضعها ولأول مرة على رأس السلطة من خلال تنصيب "سلطان ماسوني".

كان "كالينتي سالييري" هو العقل المدبر للمخطط الماسوني  وهو عضو بارز في "برودوس" من أصل يوناني، راح ينادي بقيام دولة "بيزنطية" توحد بين اليونانيين والأتراك ويحكمها سلطان عثماني "مستنير". وقد وجد ضالته في شخص الأمير مراد. وبالتنسيق مع الصدر الأعظم "مدحت باشا"، نجح سالييري في إشعال اضطرابات واسعة في العاصمة انتهت باغتيال السلطان عبد العزيز على فراشه  ثم إشاعة الأخبار عن انتحاره وتنصيب مراد سلطانا للدولة تحت اسم "مراد الخامس".

لم يهنأ سالييري بانتصاره أكثر من ثلاثة أشهر إذ قاد عبد الحميد ابن السلطان عبد المجيد الأول انقلابا ضد أخيه مراد، وأعلن نفسه سلطانا تحت إسم "عبد الحميد الثاني" في العام 1876. 

كان عبد الحميد الثاني مدركا الدور الخطير الذي لعبه الماسون في قتل عمه وتنصيب أخيه مراد، وبالتالي فقد طارد نخبتهم وتوج تلك المطاردة بإلقائه القبض على الصدر الأعظم "مدحت باشا" ونفيه إلى الطائف ثم قتله لاحقا بالسم في العام 1884. ونتيجة لذلك، فقد قرر أعضاء النخبة الماسونية بعد أن انضووا جميعا تحت اسم جمعية الشبان الأتراك اللجوء إلى العمل السري داخل المحافل.

كانت المحافل الماسونية في سالونيك هي التي استضافت الاجتماعات الدورية للشبان الأتراك، خاصة محفل "مقدونيا ريزورتا" الذي أسسه وترأسه المحامي اليهودي الشهير "إيمانويل كاراسو"، والذي ظل لسنوات مقربا من السلطان عبد الحميد وفي الأخير كان في طليعة المتقدمين إلى مكتبه لإبلاغه بقرار العزل عن العرش. 

ومن الطريف أن عبد الحميد وهو يسعى للقبض على الشبان الأتراك، كان الامتياز الذي أصدره هو نفسه للأجانب ومنع السلطات العثمانية من مداهمة الملكيات الأوروبية هو ما كبّل أيدي رجاله من اقتحام تلك المحافل في معظم الأوقات. 

هناك جانب آخر كذلك من العلاقة بين عبد الحميد والماسونية لم يشأ صناع المسلسل أن يظهروه. ففي الوقت الذي كان رجال عبد الحميد يهجمون فيه على المحافل في سالونيك بحثا عن الشبان الأتراك، كان عبد الحميد نفسه يفسح الطريق أمام الماسون في إسطنبول للعمل بكامل طاقتهم، ولم يبد أي نية لتجريم وجودهم في العاصمة العثمانية أو إغلاق محافلهم فيها. بل إنه حتى قدّم تبرعات مالية كبيرة إلى المحفل الإنجليزي في إسطنبول ومن ماله الخاص لإنفاقها في أغراض خيرية.

هكذا طارد عبد الحميد الماسونية في سالونيك بينما خلى سبيلها في إسطنبول. وإن مثل ذلك التناقض الفج في سياساته أمام حركة هدامة يتضاد بصورة تامة مع الرؤية التي قدمها "صناع عبد الحميد" حول علاقة السلطان بالماسونية، والتي جعلته ليس فقط مدركا لمؤامراتها القريبة ضده، بل حتى مؤامراتها البعيدة ضد حفيده إردوغان بعد قرون.

Qatalah