يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


تحت الاحتلال العثماني، عاشت مدينة القدس أعواما من الفقر والجهل والتخلف، فالأتراك تعمدوا طمس المعالم الحضارية للمدينة المقدسة، وتركوا الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية متردية للغاية، لاسيما وقد تعرضت مدن فلسطين لحالة من الفوضى والانفلات الأمني طوال العهد العثماني، ولم تشفع لها مكانتها الدينية، بل كانت سببا في قمع أهلها من الأشراف والعلماء، والذين عارضوا الاستبداد التركي منذ دخل سليم الأول الشام عام 1516.

السلطان مصطفى الثاني قام بتعيين محمد باشا كرد أميرا على لواء القدس وغزة في عام 1701، والذي استهل حكمه بإجراءات قمعية متوحشة، وأطلق العنان لجنوده لنهب ثروات الأهالي، فهاجموا القرى، وفرضوا إتاوات باهظة على الفلاحين. وأمام رصاص البنادق، عجز الأهالي عن المواجهة، فواصل محمد باشا حملاته القمعية متجاهلا نصائح العلماء والأعيان بالكف عن إرهاب الأهالي.

محمد باشا كرد شجع المجرمين وقطاع الطرق على الانخراط في فرق مسلحة (ميليشيات)، وأطلق عليهم اسم "الشريرون"، وأهل الشر، والشقاوة، وسمح لهم بفرض إتاوات على الرعية، ونهب الأسواق والقرى، في مقابل الاستعانة بهم في تأديب المعارضين للحكم العثماني أو الممتنعين عن دفع الضرائب.

كانت الأوضاع الأمنية خارج مدينة القدس تعاني من الفوضى والاضطراب وظهور الفتن وانعدام الأمن، وانتشر قطاع الطرق واللصوص وأشقياء البدو في المناطق المحيطة، وفرضوا سيطرتهم على الطرق المهمة المؤدية من القدس وإليها، فأخافوا المسافرين والحجاج وأجبروهم على دفع مبالغ نقدية، وأحيانا مصادرة ما معهم، وعند مطاردتهم كانوا يأوون إلى المناطق الجبلية الوعرة، ومما زاد من خطرهم استخدام البنادق الأوروبية في عمليات السطو، حتى أنهم أرهبوا قوات الحامية التركية.

أصبح قادة العسكر وكبار الموظفين الإداريين أصحاب النفوذ السياسي في الولاية، وهم المعروفون باسم "أهل العرف"، وأصبحوا سوط عذاب مسلطا على رقاب أهالي القدس، ويجبرون طوائف الحرف على دفع ضرائب وإتاوات باهظة، فإن رفضوا صادروا منتجاتهم وأدواتهم، وهو ما دفع الحاج "كساب الغزي" رئيس طائفة الفخارين (صانعو الفخار) إلى إرسال شكوى إلى السلطان مصطفى الثاني، والذي تملص من واجبه تجاه رعيته ولم يحرك ساكنا.

كما استاء الأهالي من موقفة محمد باشا كرد على تعيين المسيو "دي بريموند" قنصلا فرنسيا في القدس، والذي حصل على حق رعاية الطائفة المسيحية والجاليات الأوروبية.

اجتمع العلماء والأعيان ومفتي الحنفية ووكيل نقيب الأشراف بمسجد قبة الصخرة، في المكان المعروف بمحكمة سيدنا داود، وشكا المجتمعون حالهم للقاضي، وطالبوه "ألا يدع قنصلا من الأوروبيين يدخل مدينة القدس أو يمكث بها، لأنه سيؤدي إلى دخول الأوروبيين شيئا فشيئا يسكنون بهذه الديار ويحصل الضرر العام للأهالي كما حصل في الزمن السابق من استيلائهم على القدس الشريف مرارا"، وطالبوا الباشا بأن يأمر القنصل بأن يتوجه إلى مدينة صيدا ويمكث بها حسب العادة، لكنه رفض.

ذاع صيت محمد باشا كرد باعتباره سفاحا عثمانيا من الدرجة الأولى، وهو ما دفع إسطنبول إلى تعيينه واليا على الشام وأميرا لقافلة الحج الشامي، وتم تعيين جورجي محمد باشا حاكما لمدينة القدس، والذي سار على نفس نهج محمد باشا، وفرض ضرائب وإتاوات باهظة، وأطلق يد جنوده في قمع ونهب الأهالي.

الإنذار الأخير
ألحقت تصرفات جورجي محمد باشا في القدس أذى كبيرا بالرعية، وتسببت في زيادة النقمة والغضب من حكم آل عثمان، وانعكست الحالة السياسية والأمنية المختلة على أوضاع الفلاحين الاقتصادية، فقد ألحقت ممارسات أهل العرف أضرارا واسعة في الريف فدمرت المزارع، وهجر الأهالي قراهم.

بدأ أول تحركات أهالي القدس بإعلان نقمتهم على الوالي التركي، واتخذت الثورة في تلك الفترة شكل شكاوى جماعية إلى السلطان العثماني، إذ تقدم فلاحو قرى الولجة وبيت جالا ورأس الحنية الواقعة في وقف خاصكي سلطان بشكوى ضد حكام العرف الذين استولوا على الأراضي التي يزرعونها، وفرضوا عليهم ضرائب وإتاوات باهظة.

اجتمع زعماء ومشايخ وعلماء القدس واتفقوا على تقديم شكوى رسمية للقاضي التركي، وشرحوا ما لحق بهم من أذى جراء تصرفات وممارسات مصطفى بن إبراهيم السراج الصوباشي بالقدس، لأنه "من أهل الشر والشقاوة والفساد ودائما يجرمهم ويغمز عليهم، ولأنه يسعى في الأرض بالفساد بسبب توليه منصب الصوباشية (كبير ضباط الشرطة في المدن) في القدس".

قدم أهل القدس شكوى بحق رجب أفندي، والذي يشغل منصب الترجمان بمحكمة القدس الشرعية، واتهموه بأنه من أهل الشقاوة والشر ويتعاون مع أهل العرف ويجرم الناس دون ذنب اقترفوه، لكن شكواهم لم تجد أذانا صاغية لدى إسطنبول.

رفع أهالي "بيت لحم" أمرهم إلى القاضي يشتكون إليه ما ألحقه بهم اللصوص والعصاة والبدو وقطاع الطرق، والذين كانوا يسرقون ويقطعون الطريق، وأصبح الفلاحون غير قادرين على زراعة أراضيهم، وعجزوا عن دفع الضرائب والإتاوات ، وتراكمت الديون عليهم، ما دفع الأهالي إلى هجرة قراهم.

رفع علماء القدس وأعيانها شكواهم إلى السلطان مصطفى الثاني من تصرفات محمد باشا كرد، وطالبوه بوقف حملات الاضطهاد والقمع، لكن السلطان غض الطرف عن استبداد الوالي المتجبر، بل وردت تعليمات من إسطنبول بضرورة معاقبة زعماء المعارضة في القدس، وتم اعتقال عشرات العلماء والأعيان في مارس 1703، بدعوى مخالفة القوانين العثمانية.

ثورة الأحرار
اختار علماء وأعيان وأهالي القدس سبيل المقاومة، بعد فشل محاولاتهم السلمية في إصلاح أوضاع بلادهم، ورفعوا راية الثورة على الظلم العثماني، واعتصموا في ساحة المسجد الأقصى بعد صلاة الجمعة في 2 مايو 1703، وأصبحت مدينة على قلب رجل واحد.

هاجم ثوار القدس المحكمة الشرعية، ثم توجهوا إلى منزل القاضي "السيد محمود" المعروف بـ"واني زاده"، والذي هرب من المدينة بمجرد اندلاع الثورة، لاسيما بعد أن وجه له الثوار تهمة ابتزاز الأموال من الأهالي بغير وجه حق، فقام العلماء بتعيين محمد الخالدي قاضيا على القدس، ثم حاصروا منزل رجب بن عوض نائب القاضي السيد محمود وقتلوه في منزله.

زادت قوة الثورة بعد انضمام فلاحي القرى إلى الثورة، فاقتحموا سجن القلعة وأطلقوا سراح جميع المساجين، ثم قاموا بطرد رجال الإدارة العثمانية من بيت المقدس، واتفقوا على تنصيب نقيب الأشراف السيد "محمد بن مصطفى الوفائي الحسيني" حاكما للمدينة، والذي اشتهر بمعارضته للاحتلال العثماني.

قام نقيب الأشراف محمد الوفائي بتعيين جهاز إداري من أبناء المدينة، وعاشت القدس تجربة حكم محلي ناضجة، حكم الأهالي فيها مدينتهم ومصائرهم لمدة عامين ونصف العام حتى نهاية عام 1705، واستطاع قائد الثورة لم شمل الأهالي، بعد أن تعهد لهم بنصرة الشرع ودفع الظلم ومساعدة المظلومين، وحفظ الأمن داخل وخارج المدينة، وعدم إيواء المجرمين من "أهل الشر والشقاوة".

سفاحو العثمانلي
أثارت ثورة القدس ارتياب إسطنبول، ولم يجد أحمد الثالث سبيلا لقمع ثورة القدس إلا بفرض حصار على المدينة، وكلف محمد باشا كرد والي الشام بقطع الطرق المؤدية للقدس، ودخلت القدس في مرحلة من العزلة عن العالم الخارجي، وتوقفت زيارات بيت المقدس ورحلات الحجاج المسيحيين، وانقطعت إمدادات الغلال والمحاصيل الغذائية، وزادت الأسعار وعانى الأهالي مرارة الجوع.

أصر أحمد الثالث على وأد الثورة بأي ثمن، وعين إسلام باشا أميرا على لواء القدس، والذي أصر على جباية الضرائب من أهالي القدس بالقوة، وخرج على رأس فرقة من الإنكشارية لتحصيل الدورة السنوية (جمع مال الميري) من المزارعين، لكن الفلاحين رفضوا الانصياع لأوامر إسلام باشا.

قام إسلام باشا بإتلاف وإحراق أعداد كبيرة من أشجار الزيتون والمزروعات التي تخص أهالي القدس عدا الأشجار التي أهلكتها خيول عسكره، فتقدم الأهالي بشكوى ضده إلى القاضي، والذي أجرى تحقيقا في ذلك، بحضور مشايخ القدس وعلمائها وأعيانها، وتبين أن أغلب التلفيات يخص أوقافا خيرية مرصودة لصالح المسجد الأقصى، بالإضافة إلى أملاك بعض الأيتام.

لجأ إسلام باشا إلى سلاح الخيانة والمؤامرة للإجهاز على ثورة القدس، وكلف مصطفى أغا قائد قلعة القدس بتهدئة الأوضاع الملتهبة في القدس لحين وصوله للمدينة، وطلب منه التواصل مع معارضي نقيب الأشراف محمد الوفائي ودعوتهم للانصراف عن الثورة، ودعوتهم لتأييد الحاكم العثماني الجديد.

تواصل مصطفى أغا مع جماعات أهل الشر والأشقياء، والذين اندسوا بين الأهالي وروجوا لعدة شائعات، بهدف إحراج موقف محمد الوفائي، وتأليب الأهالي عليه، لاسيما بعد أن لاحت بوادر المجاعة في الظهور، وبدأت حركة معارضة للثورة ونقيب الأشراف تزداد يوما بعد يوم، حتى وصلت الأمور إلا الاقتتال الداخلي، وهو ما سهل على الدولة استعادة سلطتها من دون جهد كبير.

وصل إسلام باشا مع جيشه إلى أسوار مدينة القدس، وطلب من "محمد الفاعور الوحيدي" زعيم قبيلة الوحيدات في جنوب فلسطين التفاوض مع محمد الوفائي بشأن استسلام الثوار وإخلاء المدينة، وهو ما رفضه الثوار، واستبسلوا في صد عدوان العثمانلية على مدينتهم، في الوقت الذي كانت مدافع إسلام باشا تقصف المدينة، وخلال أسبوعين تم قتل 1500 شخص.

استعان إسلام باشا برجاله من أهل الشر، والذين قاموا بعمليات شغب في المدينة، وتمكنوا بعدها من فتح أبواب القدس أمام جيوش إسلام باشا، واضطر محمد الوفائي لقبول الصلح، بعد أن تدخل "أمين الدين أفندي" قاضي القدس للصلح بين الطرفين، وتم الاتفاق على دخول إسلام باشا المدينة، مع تعهد الأهالي بدفع الضرائب المتأخرة عليهم منذ عام 1703.

سار إسلام باشا على نهج سابقيه من فرض الضرائب وقمع المعارضين، الأمر الذي دفع الأهالي للالتفاف حول محمد الوفائي، وأعلنوا الثورة مرة أخرى، واندلعت اشتباكات بين الطرفين، وتكبدت القوات العثمانية خسائر فادحة، فأصدر السلطان أحمد الثالث أوامره بتعيين مصطفى باشا حاكما على القدس وعزل إسلام باشا.

نهاية الثورة
دخل مصطفى باشا مدينة القدس على رأس 5 آلاف جندي إنكشاري، واتخذ من القلعة نقطة انطلاق لقمع الثورة، وحاصر المناطق الثائرة لعدة أسابيع، قتلوا خلالها 1200 شخص، وهو ما اضطر محمد الوفائي والثوار إلى فتح باب المغاربة ولاذوا بالفرار في 27 أكتوبر 1705.

اتجه زعماء الثورة إلى مدينة الخليل ثم إلى مدينة طرطوس بولاية طرابلس الشام، وتمكن مصطفى باشا من القبض على محمد الوفائي وقادة الثورة في 20 نوفمبر، وأرسلهم إلى إسطنبول، وأصدر أحمد الثالث حكم الإعدام على 40 من زعماء القدس في 5 ديسمبر 1705.

انتقم مصطفى باشا من عائلة الوفائي، والتي فقدت مكانتها الدينية والاجتماعية، بعد أن صدرت الأوامر بتعيين السيد "محب الدين بن عبد الصمد آل غضبة" نقيبا للأشراف، وصاحب ذلك اعتقال جميع أفراد عائلة الوفائي، ومصادرة ممتلكاتهم، وتوزيعها على جماعة أهل الشر، والذين كان لهم الفضل الأول في الإجهاز على الثورة.

Qatalah