يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


لم يظهر لقب "الخليفة" في وثائق الدولة العثمانية منذ عصر سليم الأول في أوائل القرن السادس عشر وحتى عام 1774، عندما وافق السلطان عبدالحميد الأول على إملاءات الروس ووقع معاهدة كوتشوك قاينارجه مع إمبراطورة روسيا القيصرية كاثرين العظمى.
تضمنت المعاهدة العديد من التنازلات العثمانية، بعد سلسلة من الهزائم العسكرية التي منيت بها قواتهم في البحر والبر، وحاول عبدالحميد الأول حفظ ماء وجهه، واستسمح الإمبراطورة أن تتضمن المعاهدة استمرار تبعية مسلمي القرم روحيا لـ "الخليفة والسلطان العثماني".
لم تقبل الرعية المسلمة في إسطنبول وجميع الولايات العثمانية منح سلطان الهزيمة لقب الخليفة، وفي الولايات العربية كانت مطالب الاستقلال والتحرر من النير التركي على أشدها، ولم يلتفت أحد إلى الخليفة النكرة الذي وافق على دفع الجزية إلى الروس صاغرا.

هزائم عثمانية
خاضت الدولة العثمانية المتهالكة صراعا عسكريا مريرا ضد الروس في القرن الثامن عشر حول السيادة في شبه جزيرة القرم وشرق أوروبا، ورغم تعدد الحروب الروسية العثمانية طوال ذلك القرن، كانت حرب الأعوام الستة بين 1768 و1774 الأكثر تأثيرا في تاريخ البلدين، وتسببت في انحسار القوة العسكرية للأتراك، وبزوغ ما يعرف باسم "المسألة الشرقية" حين شرعت القوى الغربية في التخطيط للانقضاض على ولايات المشرق مستغلة حالة الوهن والخنوع السائدة في إسطنبول.
غزت قوات روسيا القيصرية شبه جزيرة القرم لملاحقة فلول القوات البولندية عام 1768، الأمر الذي اعتبره العثمانيون خرقا لسيادتهم، فقرروا الدخول في عدة معارك كانت الغلبة فيها للروس، وشهد عام 1770 أكبر الخسائر التركية على الإطلاق، عندما التف أسطول البلطيق الروسي حول أوروبا حتى وصل إلى البحر المتوسط ومنه إلى بحر إيجة، وحاصر في مياهه الأسطول العثماني عند ميناء تشيشمي جنوبي إزمير في 6 يوليو، ودمر نحو 23 سفينة وقرابة 9 آلاف جندي من البحرية العثمانية.
تلقى الجيش العثماني في البر خسارة مماثلة مطلع أغسطس 1770، عندما حاول العثمانيون استرداد حصن خوتين بعد عبورهم نهر الدانوب، لكن القائد الروسي روميانتسيف حقق عليهم نصرا سهلا وثمينا في معركة كارتال، فدخل الصدر الأعظم التركي في محادثات سلام مع روميانتسيف عام 1772، لكنها سرعان ما توقفت بعد تحرك الأسطول الروسي نحو سواحل الشام واحتلال بيروت.

الخليفة النكرة
تولى السلطان عبدالحميد الأول العرش بعد وفاة السلطان مصطفى الثالث في 21 يناير 1774، وكان ضعيف الشخصية، وتعرض للحبس طوال فترة حكم أخيه، ولم يتدرب على شؤون الحكم، فتحول إلى دمية في يد رجال الدولة، وكان عليه أن يواجه الهزائم الكارثية أمام إمبراطورة روسيا القيصرية كاثرين العظمى.
استسلم عبدالحميد الأول أمام الإمبراطورة، ووقع معها معاهدة
كوتشوك قاينارجه في قرية بلغارية تحمل الاسم نفسه في 21 يوليو 1774، وجاءت في 28 مادة منشورة ومادتين سريتين، وكانت كلها تصب في مصلحة روسيا، ويرى المؤرخ عبد العزيز الشناوي في كتابه "الدولة العثمانية.. دولة إسلامية مفترى عليها" أن نتائج المعاهدة كانت كارثية على إسطنبول، ويقول: "المعاهدة كانت ضربة قاصمة للدولة العثمانية فيما يتعلق بسيادتها على البحر الأسود والمضايق، حيث تحول من بحيرة عثمانية إلى بحيرة عثمانية روسية. وبشكل عام كانت الشروط المفروضة على السلطان عبدالحميد الأول مهينة".
وافق عبدالحميد الأول في المعاهدة على استقلالية خانية القرم، وكانت المرة الأولى التي يتخلى فيها العثمانيون عن سيادتهم على منطقة ذات أغلبية مسلمة، وتعرض  تتار القرم إلى الغزو الروسي، وظلوا يمثلون أزمة لجميع الأنظمة الروسية حتى قرر جوزيف ستالين التخلص منهم في القرن العشرين بحملات التطهير العرقي. 

في محاولة لحفظ ماء الوجه، استسمح عبدالحميد الأول الإمبراطورة أن تضمن المادة الثالثة من المعاهدة استمرار تبعية مسلمي القرم روحيا لـ "الخليفة والسلطان العثماني"، وهي المرة الأولى التي يظهر فيها لقب الخليفة في وثيقة رسمية. وكانت محاولة ساذجة من السلطان لتثبيت زعامته الروحية على مسلمي القرم الذين خضعوا لهيمنة روسيا المسيحية، خاصة أن الإمبراطورة أجبرته على الاعتراف بسيادتها الروحية على جميع المسيحيين في الأقاليم العثمانية.
لم يتقبل أحد خلافة عبدالحميد الأول الوهمية، وتجاهلت روسيا مزاعم خلافته، وفشل في الترويج لخلافته في الأقاليم العربية الثائرة ضد الاحتلال العثماني، ولم يقبل أحد بخلافة سلطان وافق في معاهدة
كوتشوك قاينارجه على دفع 4.5 مليون روبل جزية لروسيا، بينما حصلت الأخيرة على حصون قوية على البحر الأسود، وتضمنت المعاهدة عدة امتيازات اقتصادية للتجار الروس في حدود الدولة العثمانية، وفتحت كل الطرق البرية والبحرية أمام التغلغل الروسي، بعد أن سلم الخليفة النكرة عمامته إلى كاثرين العظمى.

Qatalah