يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


ضعيف الإرادة، عاجز عن اتخاذ القرار، عاش في بذخ بينما تعاني رعيته الجوع، هكذا وُصف عبد المجيد الأول، سلطان الدولة العثمانية بين عامي 1839 و1861، شهدت السلطنة خلالها رحلتها صوب النهاية بعدما تحولت إلى رجل أوروبا المريض بامتياز، وتكالبت القوى الاستعمارية تستقطع أجزاء الدولة الضعيفة، في وقت انشغل السلطان بإشباع ملذاته.

السلطان عبد المجيد الأول ولد عام 1822، وارتقى العرش وعمره 17 عاما، حيث بدأ تقلد الحكم عام 1839، بعد وفاة والده السلطان محمود الثاني، وتوفي عام 1861.

"بزم عالم سلطان" والدة عبد المجيد، التي خضع لها وقيل إنها جورجية الأصل، كانت مجرد محظية شركسية، لا تفقه شيئا في الحكم، ولم يكن لها خبرة سوى في تحديد أي المحظيات ستقدمها لابنها الشاب.

من أجل الحريم، ضحى السلطان بالرجال الأكفاء، وعين البهاليل، وبنى القصور، وأنفق أموال الخزانة، واقترض عشرات الملايين الجنيهات، حتى تحكمت فيه بريطانيا وفرنسا وروسيا. ثم تآمر مع أوروبا ضد والي مصر، محمد علي، وتنازل عن الاقتصاد الوطني لأوروبا مقابل كسر شوكته، بدلا من التفاهم معه، وأخيرا تم استخدامه في كسر القوة الروسية في حرب القرم التي أنهكت الخزانة العثمانية وافقرت البلاد. 

الإسراف كان آفة السلطان عبدالمجيد، برغم العجز المالي وتحذيرات المستر كاننج السفير البريطاني، المقرب من السلطان، من احتمال حدوث كارثة مالية في البنوك، توج السلطان إسرافه ببناء قصر ضخم حديث، هو قصر دولمة باهجة.

القصر تكلف مبالغ طائلة، فقد بُني وفق طراز الروكوكو الذي يتميز بالزخارف، والفخامة، والنقوش الذهبية. ويذكر أن سرير السلطان كان من الفضة الخالصة. 

عبد المجيد الأول تعرض للإذلال على يد أوروبا أكثر من مرة، دون أن يجرؤ على الثأر لكرامته، مرة حين قصفت بريطانيا مدينة جدة، ومرة حين احتلت فرنسا الشام لمدة عام.

وبينما أنفق السلطان الملايين على القصور، كان الحرفيون يتركون أعمالهم، عاجزين عن مواجهة الواردات الأوروبية التي أغرقت الأسواق، ويهجر الفلاحون قراهم، من الفقر والجوع.

والدته كانت مستشاره الأول في كل أموره، السلطانة كانت تعارض الصدر الأعظم رشيد باشا، ولذلك عارضت الإصلاحات، وكانت سبب ثورة رجال الدين المتشددين ضد الصدر الأعظم.

السلطان رضخ لوالدته والمتطرفين وعزل رشيد باشا، وعيّن مكانه رجل والدته، عزت محمد المعروف بكراهيته للأجانب، والأفكار الإصلاحية.

الرحالة الإنجليزي، تشارلز ماكفارلين، كتب عن انغماس السلطان في الملذات قائلا: "قبل أن يكمل السلطان عامه العشرين أنجب ثمانية أطفال من نساء مختلفات في الحريم السلطاني، في مدة لا تزيد على ثلاثة أعوام".

الإسراف السلطاني
إسراف السلطان لم يعرف حدودا، فقد كوّن فرقة موسيقية تركية، دربها موسيقيون ألمان وإيطاليون. تم تشييد مسرح خاص ملحق بالقصر، واستضاف فيه فرقا مسرحية من أوروبا، في الوقت الذي كانت فيه الأوضاع المالية للدولة تنحدر بشدة نحو الهاوية.

وهم الإصلاح
بداية حكم عبد المجيد قام بإصدار خط كلخانة عام 1839، الذي صاغ أسسًا جديدة للعلاقة بين السلطان والرعية، ونص على الحقوق والحريات، واحترام الملكية، وتنظيم التجنيد، ومنح سلطات لمجالس القضاء والأعيان، مما بدا ظاهريا تقييدا نسبيا لسلطة السلطان المطلقة.

الإصلاح الحقيقي كان آخر شيء يدور في ذهن السلطان عبد المجيد، أو أي من سلاطين بني عثمان، فقد كان الدافع نحو الإصلاحات هو القوى الأوروبية، ولم يكن الإصلاح رغبة حقيقية داخل الأسرة الحاكمة.

عبد المجيد  أبقى على مسمار جحا في الخط الإصلاحي، وجعل اختيار أعضاء المجالس الجديدة قائما على تعيين السلطان، ولم ينص الخط على أي تمثيل نيابي، بل مجرد مظهر استقلالي شكلي لهيئات، بيد السلطان عزل أعضائها وتعيينهم. 

التطبيق كشف عن أوهام الإصلاح فيما يتعلق بالمساواة بين الرعايا، دون تفرقة دينية، فشلت الإصلاحات في منح غير المسلمين حق التجنيد في الجيش، وتم فرض البدل النقدي عليهم، مما مثل استمرار العلاقة القديمة التي تميز بين الرعايا.

بخلاف الكلمات لم يشهد الواقع تغييرا، فقد انتشر الظلم، واضطرب الأمن، وفشل تحديث الاقتصاد، وخضع السلطان للأجانب، مما أدى إلى تزايد الفقر، واتساع الهوة بين الطبقات الاجتماعية.

السفير كاننج عبر عن يأسه من السلطان عبد المجيد بقوله: "كل شيء ذهب أدراج الرياح، والهدف الذي كنت أقيم من أجله في هذه البلاد، وهو الإصلاح، ذهب إلى غير رجعة"

الفقر
بسبب الانصياع للإملاءات الأوروبية، تم فتح الأسواق العثمانية أمام بضائع دول أوروبا، دون اتخاذ إجراءات حمائية لحماية الإنتاج المحلي التقليدي، إلى حين تحديثه، ليصبح قادرا على منافسة الإنتاج الأوروبي. وهو ما تسبب في سيطرة الرأسمالية الغربية على الأسواق، واستنزاف الثروات العثمانية. أيضا تضرر المجتمع الذي ظل يعتمد على الاقتصاد التقليدي طوال قرون، ثم وجده نفسه بين عشية وضحاها مطالبا بالتأقلم مع تغييرات كبرى، في وضع غير عادل.

الحرف التقليدية انهارت، وتبعها طبقة الحرفيين، وكذلك طبقة الفلاحين، الذين هجروا القرى إلى المدن، خلال جيل واحد تزايد اتساع المدن الرئيسة بشكل عشوائي، وزادت أربعة أضعافها. 

السلطان الحائر بين دعاة الإصلاح، ودعاة الرجعية وقف عاجزا، بينما تدهورت الأحوال، فكان علاجه السهل للأزمة هو الاستدانة من المصارف الأوروبية.

المؤامرة على مصر
عبد المجيد ورث عن والده الحرب مع والي مصر، محمد علي باشا، وكان جيش والده قد تعرض إلى هزيمة كبيرة في نصيبين. لكن السلطان ضعيف الإرادة، وقليل الحيلة، وقع في حيرة بين الآراء المتعددة لدول أوروبا حول المسألة المصرية، وخاف من التصرف منفردا، وقبل بطلب أوروبا بألا يتخذ قرارا في هذا الأمر دون مشورتهم.

عبد المجيد الأول بدأ عهده بفقدان استقلال قراره، وكان ذلك هو ما طبع حكمه، وخضع لإرادة إنجلترا ومعها النمسا، فقد كانت الدولتان ترغبان في القضاء على قوة محمد علي لعدة أسباب: أولها قطع الطريق على التدخل الروسي في إسطنبول باسم حماية السلطان، والثاني رغبة بريطانيا في تبعية مصر لوالٍ عثماني ضعيف، بدلا من حاكم قوي، حتى يُسهل لها السيطرة عليها فيما بعد، وهو ما تحقق عام 1882، عندما احتلت مصر بمساعدة السلطان عبد الحميد الثاني.

المسألة المصرية انتهت بانسحاب محمد علي من الشام والأناضول، وتوقيع معاهدة لندن عام 1840. لكن التدخل البريطاني لم يكن بلا مقابل، فقد دفع عبدالمجيد الثمن بتوقيع المعاهدة الأنجلو-عثمانية، التي فتحت الأسواق أمام الصناعات الأوروبية، ومنحت الأجانب السيطرة التامة على الاقتصاد العثماني.

مرتزق أوروبا
رعونة عبدالمجيد ورطت السلطنة في حرب القرم الكارثية، التي حصدت أرواح آلاف الجنود. وكانت أسبابها المباشرة تتمثل في الصراع الروسي - الفرنسي على حقوق رعاية الأماكن المقدسة في فلسطين، وكانت فرنسا قد حصلت على هذا الحق وأصبح الرهبان الكاثوليك مسؤولين عن هذه الأماكن، لكن الوضع تبدل مع قيام ثورة 1789 في فرنسا.

السلطنة لم تتعامل مع هذه المسألة التي تمس سيادتها بشكل يحفظ هذه السيادة. خضعت للجانب الأقوى من فرنسا وروسيا، لذلك نقلت حقوق الرعاية إلى الروس، ثم عادت ومنحتها إلى الفرنسيين، استجابة للضغوط.

هذا المسألة كانت غاية في الأهمية بالنسبة لمكانة قيصر روسيا كراعٍ للمسيحية الأرثوذكسية، وقد كانت كفيلة بتحريك الجيوش، لكن العثماني الضعيف لم يكن يضع مصلحة بلاده في المقام الأول.

الروس طالبوا باستعادة حق الرعاية، لكن العثمانلي بتشجيع من فرنسا وإنجلترا تعنت أمام الروس. عبدالمجيد تورط في الحرب، وأعلنها على الروس في 4 أكتوبر عام 1853، لكنه مُني بهزيمة بحرية كبيرة في سينوب، راح ضحيتها 3000 بحار، كما غرقت جميع قطع الأسطول.

الجيش تعرض إلى هزيمة في الدانوب، واكتسح جيش روسي كبير النهر، وتوجه صوب البلقان. ولما وجدت بريطانيا وفرنسا السلطان عاجزا عن خوض حرب بالوكالة عنهما، اضطرا للتدخل لإنقاذه من الدب الروسي. الأسطول الفرنسي - البريطاني وصلا البوسفور، وقاما بإنزال جيش مشترك كبير، تولى العمليات القتالية.

الحرب انتهت بتوقيع معاهدة باريس عام 1856. لم تكن الحرب بلا ثمن، فقد خضع السلطان للمطالب الأوروبية، وأعلن عن خط همايون عام 1856، لإرضاء أوروبا.

السلطان قدم مزيدا من الامتيازات لأوروبا، في الوقت الذي كانت فيه الحرب قد أثرت سلبا على الخزانة العثمانية، وتعرضت للإفلاس، فعجز الدولة عن دفع مرتبات الجند، وازداد التضخم، وانتشرت الاضطرابات، وزاد الفقر.

حتى يواجه السلطان نفقات الحرب كان قد اقترض مبالغ كبيرة من حلفائه، وخلال العقدين التاليين للحرب ومع القصور في إدارة الاقتصاد الوطني ازدادت عملية الاقتراض، حتى بلغ حجم الديون مئات الملايين من الجنيهات.

انبطاح السلطان
بعد حرب القرم ازداد خضوع عبد المجيد لأوروبا، وظهر ذلك في رعونته أمام القصف البريطاني لمدينة جدة عام 1858. سبب الواقعة هو فتنة طائفية في مدينة جدة، أُصيب فيها قنصل فرنسا وكاتبه، وقُتلت زوجته. 

والي مكة نامق باشا ذهب إلى جدة وقبض على المتورطين في الفتنة، وحكم على بعضهم بالإعدام، لكنه أرجأ تنفيذ الحكم إلى صدور الموافقة السلطانية، عملا بالتنظيمات التي فرضتها أوروبا، لكن الغريب في الأمر أن بريطانيا بعثت سفينة حربية، وهددت بقصف جدة لو لم ينفذ الأحكام خلال 24 ساعة.

التصرف البريطاني كان مخالفا للمبادئ التي أدخلتها إلى السلطنة، لكن ذلك كشف عن زيف هذه الإصلاحات، وعن استهانة بريطانيا بمكانة السلطان، الذي تحول إلى ألعوبة.

جدة تعرضت للقصف لمدة 20 ساعة، حتى جاءت سفينة عثمانية تحمل الموافقة على الأحكام، وتم تنفيذها، وكفت بريطانيا يدها عن المدينة.

السلطان لم يشجب الحدث، أو يحمي رعاياه، فقد كان ذليلا، غارقا في ملذات الحريم. وهو ما شجع فرنسا على التدخل عسكريا في الشام عام 1860، بعد حادثة فتنة أشد من حادثة جدة، لم يكن بمقدور السلطان أيضا حماية دمشق من احتمال قصف فرنسي.
عهد عبد المجيد كان أشد عهود الانبطاح لأوروبا، التي تلاعبت بالسلطنة وسلطانها لتحقيق مصالحها.

المصادر :


Qatalah