يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


على عرش العثمانلي تعاقب سلاطين ضعاف، مرت سنوات على جلوسهم دون أن يسجل التاريخ لهم أية أعمال بطولية، أو إصلاحات عظيمة، أو نهضة في أي من مجالات الحياة، من هؤلاء عبد الحميد الأول الذي نشأ وترعرع حتى عامه الـ 49 بين الجواري والخصيان، ليخرج ويتولى العرش دون أية مؤهلات.

بينما روسيا تتقدم صوب إسطنبول، عاصمة الدولة، تربع عبد الحميد الأول على العرش، فكان الرجل غير المناسب في وقت الخطر، فكانت الهزيمة القاسية من نصيبها، ثم المعاهدات المذلة، فوقع صاغرا على معاهدة "كوجوك قاينارجه" التي كانت قيدا من الذل أحكمته إمبراطورة روسيا "كاترين العظمى" حول عنق العثمانيين.

عبد الحميد كانت له جولة ثانية من الصراع مع الروس، انتهت بمزيد من الإذلال، ولم ينقذه منها إلا تدخل بريطانيا وهولندا لصالحه، بسبب اندلاع الثورة الفرنسية عام 1789، واتحاد أوروبا ضد فرنسا، وما يستلزمه ذلك من وقف الحرب على الجبهة الشرقية مع العثمانيين. الإذلال أمام الروس كتب نهاية السلطان، فمات كمدا وخزيا.

صفعة روسية
عام 1774 اعتلى عبد الحميد الأول عرش آل عثمان، في فترة عصيبة، حيث جيوش روسيا تتقدم على جبهات القوقاز، وجبهات البلقان، وتسحق جيوش العثمانيين.
لم يكن عبد الحميد بالرجل المناسب لهذه الفترة العصيبة، فقد كان منعدم الهمة، ضعيف الشخصية، نتيجة تنشئته في الحرملك، وسجنه داخله حتى خروجه عن عمر 49 عاما لتقلد منصبه.

شرارة الحرب اندلعت بسبب الخلاف حول سيادة بولندا التي كانت تتمتع بحماية ودعم عثماني ضد روسيا عدوتها اللدود. الدولة العثمانية أعلنت الحرب على روسيا احتجاجا على تدخلها في شؤون بولندا عام 1768، في عهد السلطان مصطفى الثالث، حيث كانت أوهام العظمة تهيمن على عقول حكام إسطنبول، ما جعلهم يظنون أن الحرب ستكون يسيرة وفي صالحهم.

في القرم هاجم جيش روسي مدينة أورقابو واحتلها بعد قتال عنيف ووعدت الإمبراطورة كاترين خان القرم، سليم كيراي الثالث، بالاعتراف بالقرم دولة مستقلة في حال انفصاله عن العثمانيين. لم يحارب جيش القرم بجانب العثمانيين، فوجدت الوحدات العثمانية نفسها بمفردها أمام الروس ما جعلها تستسلم عام 1771 وتسقط شبه جزيرة القرم في يد الروس.
الكونت رومازوف أحد قادة الجيش البري الروسي هزم العثمانيين واحتل قسما كبيرا من إقليم البغدان وحاصر الكونت بندر قلعة بندر، والتي وقعت فيها أهم المعارك، وانتهت بهزيمة ساحقة للعثمانيين بقيادة الصدر الأعظم ومقتل 50 ألف جندي تركي واستيلاء الروس على القلعة.

خلال 1771 استولى الروس على إقليم البغدان (مولدافيا) ومن ثم على الأفلاق (رومانيا)، من نصر لآخر تنقل الروس، واستولوا على جنوب دلتا الطونة وتولجا وانسحب الصدر الأعظم أمامهم. صيدا وبيروت تعرضتا للقصف، ليحتل الروس بيروت عامين ولم يتمكن العثمانيون من الدفاع عن المدينتين ولم يكن بيد القوى العربية سلاح تدافع به عن وطنها وانسحب الروس بعد توقيع الصلح.

القتال استهلك العثمانيين فطلبوا الصلح، ما لاقى ترحيبا من الجانب الروسي، وعقد مؤتمر في منطقة كوجوك قاينارجه قرب نهر الطونة عام 1774 تحت سيف الهزيمة تنازل العثماني عن امتيازات كبيرة لصالح روسيا ووافق على شروطها، فيما نصت المعاهدة على اقتطاع خانية القرم من السلطنة وإعلان استقلالها، وتمنح السلطنة الإمارتين الرومانيتين (الأفلاق والبغدان) الاستقلال النسبي، وتراعي الحقوق الدينية لروسيا في المناطق الأرثوذكسية، وتحصل روسيا على نفس الامتيازات التجارية التي تتمتع بها فرنسا وبريطانيا.

حرية الحركة للسفن التجارية الروسية من المضائق إلى البحر المتوسط والعكس. تدفع السلطنة غرامة حربية قدرها 750 مليون آقجه وهي أول مرة في تاريخ السلطنة تدفع غرامة حربية. على الرغم من أن المعاهدة لم تفقد العثمانيين أراض كبيرة إلا أنها تعتبر من أتعس المعاهدات التي وقعت عليها السلطنة على مدى تاريخها، فقد أنهت تحكم الأتراك في البحر الأسود ومنحت روسيا ذريعة للتدخل في شؤون السلطنة بحجة حماية الأرثوذكس. 

التوقيع على معاهدة "كوجوك قاينارجه" المذلة كانت أول عهد السلطان عبد الحميد الأول بالحكم. وفي عام 1779 وقع السلطان على معاهدة آينالي قاواق مع الروس، بموجبها منحهم امتيازات واسعة على المسيحيين الأرثوذكس، مما عزز حجة الروس للتدخل في شؤون السلطنة. عام 1782 أعلنت روسيا ضم القرم، واكتفت إسطنبول بالاحتجاج اللفظي، خوفا من قوة الروس، وتخلى السلطان عبد الحميد الأول صاغرا عن 2.5 مليون مسلم. فالدولة كانت فى حالة من الضعف والانهيار، منعتها من مقاومة روسيا أو الدفاع عن المسلمين حين تعرضوا لمذابح راح ضحيتها 30 ألف مسلم في أقل من شهرين.

مغامرات السلطان
السلطان حاول استعادة شرف الدولة فاستغل حادثة لجوء حاكم الفلاخ (مورو كرداتو) إلى روسيا عام 1787، وطلب من الإمبراطورة كاترين العظمى تسليمه والتنازل عن حماية بلاد الكرج، وعزل عدد من قناصلها، وقبول قناصل عثمانيين في موانئ البحر الأسود، ومنح السلطنة الحق في تفتيش السفن الروسية التجارية التي تمر من المضايق. لكن روسيا رفضت الشروط العثمانية، فقامت السلطنة بالقبض على السفير الروسي جولغاكوف وسجنه، وأعلنت الحرب على الروس.

العثمانلي لم يتعلم من الصفعة شيئا، وظن أن بإمكان عامل المفاجأة أن يكسبه الحرب، لكن كاترين العظمى وقفت بالمرصاد وهزمت العثمانيين في مواقع عدة، ودخلت النمسا الحرب واحتلت صربيا وتوحدت قيادة الدولتين ضد العثمانيين، بينما كانت فرنسا حليفة السلطان منشغلة بمواجهة الاضطرابات الداخلية.

الزحف على القسطنطينية، والذي كان هدف الروس والنمساويين، أصبح حلما قريب المنال لولا اندلاع الثورة الفرنسية عام 1789، التي أجبرت النمسا على توقيع الصلح مع العثمانيين لمواجهة الخطر الفرنسي، بينما ظلت روسيا في الميدان تسحق العثمانيين، وتدخلت إنجلترا وهولندا وضغطتا على الروس لإنهاء الحرب، والالتفاف لمواجهة الخطر الفرنسي، واستجاب الروس بعدما حصلوا على امتيازات كبيرة. مغامرة السلطان كبدت العثمانيين خسائر فادحة، في موقعة "بوزو"، قتل 23 ألف جندي، وآلاف القتلى في مواقع أخرى، دون تحقيق أية مكاسب.

عصر القمع
السلطان عوض هزائمه الخارجية أمام الروس بقمع العرب في الشام، واليونانيين في المورة، الذين ثاروا احتجاجا على تردي الأحوال المعيشية، وفساد الحكم العثماني، ومظالم الجنود، وقام بقمعهم بالقوة، دون محاولة علاج الأسباب الحقيقية للاضطرابات الاجتماعية. هزائم السلطان المتكررة أمام الروس كانت سببا في تردي حالته النفسية، والتي أثرت سلبا على صحته البدنية، حتى أصيب بالشلل بعد استيلاء الروس على قلعة أوتشاكوف. 

والد السلاطين
عبد الحميد بن السلطان أحمد الثالث، من المحظية ربيعة شرمي سلطان، ولد في إسطنبول عام 1725، وتُوفيّ عام 1789، وخلف 7 ذكور كان من بينهم اثنان من السلاطين، و10 بنات اشتهرت من بينهن الأميرة أسماء سلطان. تولى العرش وعمره 49 عاما، وحكم لمدة 15 عاما، بين عامي (1774-1789). لم يكتسب خبرة في إدارة شؤون الدولة قبل اعتلاء العرش، فقد قضى 49 عاما محجوزا في الحرملك، وتولى السلطنة في وقت شديد الصعوبة.

المصادر :


Qatalah