يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


الربع الأخير من القرن التاسع عشر شهد محاولة عثمانية أخيرة للاستيلاء على لقب الخلافة الإسلامية، الذي طاردوه كثيرا منذ سقوط الدولة العباسية دون جدوى أو اعتراف بشرعية هذه الخلافة المزعومة. 
بطل المحاولة الأخيرة هو السلطان عبد الحميد الثاني الذي حكم لثلاثة عقود تقريبا، بين عامي 1876و 1908، الذي احتل موقعا مركزيا لدى الجماعات السلفية، التي تعلقت بشماعة الخلافة من بعد سقوط دولة إسطنبول، وعاد ليظهر في كتابات العثمانيين الجدد، بعدما تم نسج هالة زائفة حوله باعتباره الخليفة الأخير، فيما لم يكن إلا ألعوبة في يد الألمان وقادة الحركة الصهيونية الذين استخدموه كأداة لتنفيذ أجندات غزو الشرق العربي.
عبد الحميد أعاد تجربة محمود الثاني بادعاء الخلافة والتمسح بشرعيتها، ولجأ إلى ذلك في ظل ظروف أصعب من سابقه، إذ تربع على العرش بينما القوات العثمانية تتجرع الخسارة أمام روسيا القيصرية على طول جبهة البلقان، وفرنسا وبريطانيا تسفران عن الوجه الخشن في التعامل مع الحليف السابق، وتتسابقان لاقتسام الأملاك العثمانية في الشرق واحتلالها عسكريا، على خلفية معارضة تركية قوية تطالب بإصلاح الدولة من الداخل عبر التنظيم الدستوري والنيابي.
بدت الأفكار الإسلامية أمام السلطان ملونة وخصبة وذات أثر فاعل في مواجهة تلك التحديات، سواء بمقاومة النزعات الإصلاحية القومية للأتراك في إسطنبول، أو في حشد العرب ذوي الحمية الدينية لدعم سلطانه المتهاوي.
وعلى عكس ما جرى في عهد محمود الثاني من استدعاء "شرعية الخلافة" محليا، كانت نداءات إحياء الخلافة في عصر عبد الحميد الثاني تأتي من الجانب الأجنبي غير المسلم أصلا، لخدمة أجندة العملاق الصاعد في السياسة العالمية، ألمانيا الرايخ الثاني، التي بدأت في البحث عن مدخل لاستعمار دول الشرق بعدما دخلت السباق متأخرة مع بريطانيا وفرنسا، ولم تجد مطية أفضل من الدولة العثمانية لتحقيق أطماعها.
دخل السلطان الذليل في تحالف وثيق العرى مع قيصر ألمانيا، واختلفت أغراض كل منهما من ذلك التحالف بطبيعة الحال، فالسلطان يرغب في مساعدات عسكرية ألمانية تعينه على طرد فرنسا وإنجلترا من العالم العربي واسترجاع سلطته الضائعة، والقيصر ينشد بدوره نفس الأمر، لكن مع إحلال قواته محل الفرنسيين والإنجليز، أي أنه أراد استبدال محتل بآخر، لا أكثر. 
 
الجاسوس أبو الجهاد.. لورانس الألماني
ترتب على التحالف العثماني-الألماني اقتحام مجموعة كبيرة من الخبراء العسكريين والديبلوماسيين الألمان أقاليم الدولة العثمانية، أبرزهم الجاسوس الألماني اليهودي ماكس فون أوبنهايم، الذي عين ملحقا ديبلوماسيا في القاهرة، وطاف سورية والعراق في زي عربي، وجمع معلومات بالغة الأهمية عن المجموعات البدوية شمال الصحراء العربية، ثم وضع خطة لطرد الإنجليز من الشرق عن طريق استخدام تلك المجموعات، وهي نفسها الخطة التي استخدمها لورانس العرب في الحرب العالمية الأولى لكن بصيغة معكوسة أنهت الوجود العثماني بالشرق لصالح بريطانيا العظمى، وليس ألمانيا كما أراد أوبنهايم.
إلى جانب التخطيط الاستراتيجي، رأى أوبنهايم أن في التراث الإسلامي ما يمكنه من تحقيق طموحاته والقيصر لإنهاء الوجودين الفرنسي والإنجليزي في المشرق، ففي 1895 سافر الجاسوس الألماني إلى إسطنبول، والتقى عبد الحميد بشكل شخصي، وفي اللقاء دعا أوبنهايم السلطان لتعميق فكرة الوحدة الإسلامية والعودة إلى التسمي بالخلافة وإعلان ذلك في سائر أرجاء الدولة، وحول أوبنهايم (اليهودي) نفسه إلى أهم دعاة "الخليفة عبد الحميد"، وراح يخطب وفي زيه الشرقي في جماهير المسلمين بالقاهرة يدعوهم لجهاد الكفار الإنجليز والفرنسيين، الأمر الذي أدى إلى تلقيب أوبنهايم بـ "أبي الجهاد".
فكرة الخلافة الحميدية إذن تأصلت على يد جاسوس ألماني، لأغراض استعمارية بحتة لم تكن تلقي بالا بالدولة العثمانية الواهنة أو سلطانها الجاهل، أو حتى تهتم بإحياء الخلافة الإسلامية ووحدة المسلمين. 
 
 
ترويج مشروع
أطلق السلطان عبد الحميد فكرة الخلافة تحت رداء مشروع "الجامعة الإسلامية" كوسيلة لدعم شرعيته المنهارة، ويرى أستاذ التاريخ بالجامعة اللبنانية عبد الرؤوف سنو، في مقاله "السلطان عبد الحميد الثاني والعرب: الجامعة الإسلامية وأثرها في احتواء القومية العربية"، أن عبد الحميد "بدأ العمل على تشكيل مشروع الخلافة عثمانياً، من خلال الجمع بين السلطتين الزمنية والروحية، وبدأت تطرح مقولة السلطان- الخليفة على رعايا السلطنة في الداخل، وبنص دستوري منذ عام 1876، وفي التعامل مع القوى الأوروبية والمسيحيين من رعايا الدولة العثمانية، بعدما أسقطت أجهزة السلطان الإعلاميةوالدينية النسب القرشي كشرط للاستخلاف".
استهدف عبد الحميد القوميين العرب بمشروعه الجديد وكان غرضه الرئيس، حسب سنو، استخدام السلطان العثماني للجامعة الإسلامية "أداة لكبح الاتجاهات القومية وإعادة دمج العرب بالسلطنة على أساس روابط الإسلام، وتقريب شخصيات عربية إليه من أعيان ومتصوفين ومشايخ وعلماء"، بغرض تعزيز قبضته على الأقاليم العربية الخاضعة لسلطانه المتهاوي، خاصة أن إسطنبول ركزت على استنزاف بلاد الشام والعراق كآخر الأقاليم الخاضعة لها، بعدما خسرت ولاياتها الغنية في البلقان ومصر بعد الاحتلال البريطاني.
ولإحكام سيطرته على الأقاليم البعيدة روج عبد الحميد لمشروع سكك حديد الحجاز، والتي كانت تهدف إلى مركزة سلطته المطلقة، بتعزيز قدرته على إرسال قواته المرتزقة إلى الجزيرة العربية لمواجهة أية ثورة محتملة ضد الظلم العثماني، وكان المشروع من بنات أفكار ألمانيا التي رأت في خط السكك الحديدية فرصة قوية لمنافسة الطريق البحري الموازي في البحر الأحمر وقناة السويس والذي تسيطر عليه بشكل كامل بريطانيا.
 
 
هرتزل يزور إسطنبول 
الدعم الذي تلقاه السلطان عبد الحميد لم يقتصر على الجانب الألماني، إذ تلقى المزيد من الدعم من قبل الحركة الصهيونية،  التي زار مؤسسها تيودور هرتزل إسطنبول في أكتوبر 1898، بهدف لقاء القيصر الألماني فيلهلم الثاني أثناء زيارته السلطان عبد الحميد، حيث رأى هرتزل في القيصر خير وسيط للسلطان لتمرير مشروعه، وسعى هرتزل لتدويل المفاوضات مع السلطان حول الدولة اليهودية، وكسب تأييد حكام أوروبا بهدف الحصول على ضمانة دولية وعلى ضغط سياسي على السلطان العثماني لإقناعه بالمشروع الصهيوني. 
التقى هرتزل القيصر الألماني وشكا له أوضاع اليهود في العالم وأبلغه بتطلعاتهم في الهجرة إلى فلسطين وإنشاء دولة يهودية، فأظهر القيصر تعاطفا معه، وتحدث بشيء من الحماسة عن أماني اليهود مع عبدالحميد مطالبا بتحقيقها، الأمر الذي استجاب له مدعي الخلافة بإصدار  مجموعة من القوانين المتعلقة بالزوار اليهود للأراضي المقدسة، ألغت قانون تأمين الخمسين ليرة تركية وتحديد الإقامة بـ31 يوما الصادر عام 1887. 
 
انهيار الوهم
فشل عبد الحميد فشلا ذريعا في الداخل والخارج على حد سواء، في ترويج عودة الخلافة، وتصدت النخب العربية لرفض الاعتراف بشرعية الخليفة الوهمي، وشن المفكر السوري عبد الرحمن الكواكبي حملة شعواء في كتابه "أم القرى"، وفند كل ادعاءات العثمانيين في الخلافة، وأثبت أنهم أدعياء لا شرعية لهم، ونادى صراحة بعودة الخلافة للعرب، الأمر الذي كان محل ترحيب خصوصا من حاكم مكة الشريف حسين، فانفض العرب سريعا من حول السلطان الضعيف.
جرت الأوضاع الداخلية في إسطنبول بما لا يشتهي عبد الحميد، فبعدما عطل الأخير الحياة الدستورية وأحل البرلمان انفجرت الأوضاع الداخلية، ونجحت حركة "الاتحاد والترقي"، التي أسسها مجموعة طلاب الكلية الطبية العسكرية، في السيطرة على وحدات من جنود الجيش في  مقدونيا ثم زحفت إلى إسطنبول وفرضت عليها حصارا مريرا انتهى بخضوع السلطان لشروطهم، بعودة الحياة النيابية وتقليص صلاحياته إلى أبعد مدى، وعندما حاول السلطان الحائر استعادة نفوذه تم عزله نهائيا عن العرش عام 1909، لتطوى معه آخر محاولة عثمانية لسرقة الخلافة.
استغل عبد الحميد الثاني دعوة الخلافة لينقذ عرشه، وكذلك فعل قيصر ألمانيا ليلحق بركب الاستعمار، وفي الأخير لم ينل أحد منهما ما أراد، فالسلطان الطامح للخلافة طرح من عرشه معزولا، والقيصر الألماني فشل في احتلال الشرق لصالح فرنسا وبريطانيا.

Qatalah