يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


مقابل وعد من اليهود بتسديد ديونه لأوروبا، باع عبدالحميد الثاني شرفه ودينه ومكّن اليهود من فلسطين ليقيموا عليها دولتهم دون ثمن، حيث ضحك اليهود على السلطان العثماني بعد 8 سنوات من المفاوضات أخذوا فيها منه كل ما يريدون الحصول عليه وتركوه يتجرع مرارة الخديعة وذل العار الذي لحق به، فاقترنت سيرته بخيانة العرب والمسلمين، ولقد اعتمد عبدالحميد على أصدقائه من زعماء الطائفة اليهودية، في تمويل خزانة الدولة الخاوية، وتفاوض مع صديقه هرتزل مهندس مشروع الاستيطان الصهيوني، على بيع فلسطين، ودخل معه في مباحثات للمقايضة على الأرض والعرض مقابل الأموال.

 

مراسلات هرتزل 
في يومياته كتب ثيودور هرتزل: "عبدالحميد وعدنا بدولة يهودية مستقلة، مقابل تسديد ديونه". عبارة لخصت كل ما كان بين الرجلين من حوار، ووضعت السلطان العثماني في مأزق أخلاقي لا يمكن تبريره، فعبد الحميد الذي يزعم أنه خليفة المسلمين يجثو على ركبتيه تحت أقدام الصهاينة ويقدم لهم قبلة المسلمين الأولى مقابل حفنة ملايين يضعها في خزانته!

 

وضع هرتزل تقريره عن الوضع المالي المنهار للدولة العثمانية، وبنى عليه سياسته التفاوضية، فاستطاع تجنيد كبار رجال البلاط العثماني بالرشاوى والهدايا، ليحقق الحلم اليهودي. وتبادل المراسلات السرية مع عبد الحميد، وتوصلا في النهاية لصيغة خبيثة عنوانها المال مقابل الأرض، فتهيأت الأجواء لعقد صفقة ترضي السلطان المفلس والصهيوني المغتصب، وتقرر اللقاء بإسطنبول لوضع اللمسات الأخيرة لاتفاق العار. وقد امتدت المفاوضات على بيع فلسطين 8 أعوام تخللها 5 لقاءات بإسطنبول شهد فيها العام 1896 أول لقاء.

ثمن الانبطاح
ذكر الدكتور حسان علي حلاق في كتابه موقف الدولة العثمانية من الحركة الصهيونية كيف استقبل عبد الحميد صديقه هرتزل بحفاوة بالغة، وصفه بالصديق المخلص، وانبطح أمامه وهو يرجوه إنقاذ دولته من الإفلاس. وقد بنى هرتزل مفاوضاته على قيمة الديون العثمانية، عرض على عبدالحميد مبلغ 20 مليون جنيه إسترليني، مقسمة على النحو التالي: مليونان ثمنا لأراضي فلسطين، و18 مليونا تذهب لخزانة الدولة التي تتمسح بأهداب الخلافة!

الرقم الذي سمعه عبد الحميد كان كفيلا لإسالة لعابه، فمنح المهاجرين اليهود امتيازات وتسهيلات استثنائية، عندئذ عاد هرتزل لأوروبا يزف البشرى لبني جلدته، وعقد المؤتمر الصهيوني الأول في العام 1897، واستطاع التصريح علانية بأهدافه الاستعمارية، وهي خلق وطن للشعب اليهودي برعاية عثمانية.

سيل من الهجرات اليهودية إلى فلسطين شهدته الشهور التالية، قدم فيه اليهود  رشاوى مالية للإدارة العثمانية لتسهيل عمليات اغتصاب الأراضي، هو ما جعل رجال البلاط يجبرون العائلات العربية على بيع أراضيهم، لينجح اليهود في شراء 97 قرية فلسطينية، بلغ ثمنها 7 ملايين فرنك، تكفل العثمانيون بتهجير ساكنيها.

مولد إسرائيل
ذكرت فدوى نصيرات في كتابها "دور السلطان عبد الحميد في تسهيل السيطرة الصهيونية على فلسطين"  أن خطابات الصديقين استمرت لمتابعة تنفيذ الصفقة، وانضم إليهما القيصر الألماني فيلهلم الثاني حليف السلطان الذي زار الدولة العثمانية حينذاك والتقى بالرجلين. في اللقاء، أظهر فيلهلم الثاني تعاطفا مع التطلعات الصهيونية في اللقاء الذي عقد في أكتوبر العام 1898 بإسطنبول، وتوصل الثلاثي إلى توطيد علاقات الشراكة حتى ميلاد الوطن الإسرائيلي. وقد تعهد عبدالحميد أمام القيصر بتنفيذ الصفقة في أسرع وقت، ففتح أبواب فلسطين على مصراعيها، واستجاب لمطالب المهاجرين بعزل حاكم القدس توفيق باشا الذي وقف لهم بالمرصاد، وكلف الحاكم الجديد بتوفير الأراضي للمهاجرين، وإلغاء القوانين المكبلة للوافدين الصادرة العام 1887، فأعفاهم من تأمين الخمسين ليرة تركية وتحديد الإقامة بـ31 يوما.

 

بعد 3 لقاءات أخرى في إسطنبول بين السلطان وهرتزل صرح الأخير بنجاح المفاوضات ، وحصوله على فرمان يسمح بالهجرة اليهودية إلى فلسطين، فعم الغضب الأراضي العربية، وشنت الصحف حملات تنديد بالصفقة المشبوهة لدرجة أن جريدة المشرق العثمانية 1902 نشرت في صدر صفحتها الأولى عنوانا يقول:"أنقذوا أرض فلسطين العربية، السلطان المرتشي باعها للصهاينة" .

وحتى يفلت عبد الحميد من الغضبة الشعبية عرض على الصهاينة أن يتولى مستثمر يهودي تمويل خزانته الخاوية ويقيم في إسطنبول مؤكدا أنه سيوفر له مركزا رسميا في البلاد، فاستغل هرتزل الغفلة العثمانية وعرض على المليونير اليهودي روتشيلد تمويل الصفقة، مقابل تعيينه أول رئيس للدولة الإسرائيلية.

الصدمة
شكلت وفاة هرتزل في العام 1904، نهاية لصفقة القرن التركية، فانقطعت مفاوضات بيع فلسطين، وانتهت الآمال المعقودة لتسديد ديون السلطنة المفلسة وهو ما جعل عبد الحميد يشعر بصدمة كبيرة. 8 سنوات بدأت عام 1896 وانتهت في  1904، كان خلالها السلطان يدعم المشروع اليهودي مقابل مجرد وعود بتسديد ديونه لأوروبا وأحلام بامتلاء خزانته فسقط في بئر الخيانة.

اعتمد على صلات هرتزل بأصحاب البنوك اليهودية للحصول على قروض، واشترطوا عليه إصدار الفرمان أولا قبل تقديم أي دعم مالي له فخضع لهم ليمتلك اليهود الأراضي الشاسعة بفلسطين، والتي أقاموا عليها عشرات المستوطنات على امتداد سير المفاوضات!. تلك المستعمرات كانت النواة الأولى للدولة اليهودية في فلسطين، أما حصول اليهود على الجنسية العثمانية، فسهل لهم وجود سند شرعي للاستيطان باعتبارهم مواطنين عثمانيين.

Qatalah