يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


شيطان في صورة رجل، يسن القوانين والتشريعات المسمومة، ليتمكن سيده من رقاب الأتراك وحريتهم، ويشرع له الاستيلاء على السلطة، ضاربا عرض الحائط بقدسية الدستور والقانون وحتى الضمير الإنساني، هو وزير عدل رجب إردوغان، عبد الحميد جول.

لعب جول دور "ترزي القوانين" بجدارة داخل حزب العدالة والتنمية، عندما اختاره المؤتمر العام الاعتيادي الرابع للحزب، ليشغل عضوية المجلس الأعلى للإدارة، ومن ثم استعان به الرئيس التركي، قبيل التعديلات الدستورية الأخيرة، في منتصف 2018، ليعد له دستورا يصنع منه ديكتاتورا، وينسف كل مكتسبات التجربة الديمقراطية التركية، ليمنحه سيده بعدها حقيبة وزارة العدل، ليكمل دوره في تدنيس محراب العدالة، ويلقي بأحكامه الظالمة من فوق منصة القضاء، على رؤوس معارضي الرئيس وعصابته.

رحلة الصعود

ولد جول في 12 مارس عام 1977 ببلدة "نزيب" التابعة لولاية جازي عنتاب، جنوبي البلاد، وتولى منصب نائب الرئيس العام لحزب السعادة بين عامي 2001 - 2003، ثم أصبح عضوا في مجلس الإدارة بين أعوام 2003 - 2010. 

في نوفمبر 2010 تولى منصب عضو مجلس مؤسسين حزب "صوت الشعب"، واختير رئيسا للحزب في ولاية أنقرة، وعقب دمج الحزب مع العدالة والتنمية، اُنتخب عبد الحميد جول عضوا لمجلس إدارة الحزب الحاكم في المؤتمر الطارئ الرابع، في 30 سبتمبر 2012، وتولى منصب نائب رئيس الشؤون الانتخابية في الحزب.

ثم أصبح نائب الرئيس العام، المسؤول عن الإدارات المحلية، بتاريخ 14 أبريل 2014.
كما انتخب نائبا للبرلمان عن ولاية جازي عنتاب، في يونيو 2015، وعقب اجتماع مجلس الإدارة المركزية للحزب اختير السكرتير العام للعدالة والتنمية.

وبعد التعديل الوزاري الجديد، تولى منصب وزير العدل في 19 من يوليو 2017، خلفا لبكر بوزداغ، والذي تولى منصب نائب رئيس الوزراء، بن علي يلدريم.

ملاحقة جولن
أظهر عبد الحميد جول همة ونشاطا في ملاحقة أتباع الداعية فتح الله جولن، العدو الأكبر لإردوغان، فظل في منصبه بعد التعديلات  الوزارية، التي جرت العام الماضي، ليصبح أول وزير عدل، بعد تحول تركيا إلى النظام الرئاسي.

وفي أول إجراء يكشف المهام السياسية لوزير عدل إردوغان، خاطب الرجل القضاء البريطاني، لإقناع لندن بتسليم المئات من أنصار حركة الخدمة إلى أنقرة، بحسب صحيفة "زمان".
القضاء الإنجليزي رفض تسليم أتباع جولن، ووصف جميع طلبات الضبط والإحضار والتسليم لتركيا، بأنها سياسية من الدرجة الأولى، ولا يوجد بها أية شبهة جنائية.

وفي محاولة جديدة للتحايل على القانون، من أجل ملاحقة أتباع الداعية الذي يتهمه إردوغان بالوقوف وراء مسرحية انقلاب صيف 2016، استغل جول قرار مجلس الشيوخ الأمريكي، في منتصف فبراير الماضي، بتعيين ويليام بار وزيرًا للعدل، وبعث له برسالة دبلوماسية منبطحة، يهنئه فيها بمنصبه الجديد، ويدعوه لتسليم جولن، على الرغم من رفض السلطات الأمريكية هذا الطلب، في أوقات سابقة، لعدم وجود أدلة قانونية مقنعة تستدعي تسليمه.

جول حاول استمالة الوزير الأمريكي، بلغة منكسرة، فأثنى على خبراته في السلك القضائي، وتوقع أن تساعد عبارات التزلف في نجاح مهمته، متمنيًا تفعيل اتفاقية للتعاون القضائي بين أنقرة وواشنطن، حسبما نقلت وكالة الأناضول الرسمية.

لكن اللافت في الأمر أن وزير العدل الأمريكي تجاهل تماما طلبات نظيره التركي، ولم يعيرها أي اهتمام، وبعد فشل محاولاته المتكررة لإقناع الحكومات الغربية بتسليم جولن وأتباعه، بل ورفض كل دول العالم تقريبا توجيه تهمة الإرهاب لحركة الخدمة، خرج في تصريحات لصحيفة "حريت" قائلاً :"لم تعترف أية دولة في العالم بأن حركة الخدمة منظمة إرهابية، ولم تستجب لمطالبنا الخاصة بتسليم أعضائها".

إهانة إردوغان
حول جول القضاء التركي إلى منصة لاغتيال المعارضين، واستصدار أحكام غير عادلة، تلقي بكل من يعارض إردوغان وحزبه وراء قضبان السجون.
وبحسب تقرير لوزارة العدل التركية، تم رفع 6 آلاف و33 قضية، ضد مواطنين، بتهمة إهانة إردوغان، خلال عام 2017 فقط، ونفذت الأحكام في ألفين و99 منها.

ونقل مركز ستوكهولم للحريات، نقلا عن بيان وزارة العدل التركية، أن إجمالي من تم التحقيق معهم، من المتهمين بالمشاركة في مسرحية يوليو 2016، إلى 500 ألف و650 شخصًا.
وأوضح المركز، أنه رغم منع القانون التركي سجن النساء مع أولادهن الصغار، يوجد أكثر من 700 طفل مرافقين لأمهاتهم المعتقلات، على خلفية صلاتهن بحركة فتح الله جولن.

وأكد وجود العديد من المعتقلات الحوامل، وكثيرات منهن تعاملن بصورة غير لائقة، من قبل الحكومة، كجزء من حملة المطاردة التي تستهدف أعضاء في حركة جولن، المقيم في منفاه الاختياري، بالولايات المتحدة، منذ عام 1999.

تفصيل قوانين السلطان
ساهمت تشريعات جول المسمومة في تعديل القوانين المتعلقة بحالة الطوارئ، والتي ساهمت في تمتع إردوغان بقوة كل سلطات الدولة التنفيذية والتشريعية والقضائية، وأصبح هو المشرع والقاضي والمتحدث باسم الأمة، ويقرر قبل القضاء، ما الذي يعد جريمة، ومن هو المذنب، وما العقوبة المناسبة لكل جريمة، ويطالب المحاكم باتخاذ اللازم. 

كما ساعد "ترزي القوانين" سيده في إقراره تشريعًا أمنيًا في يوليو 2018، لا يختلف كثيرا عن قانون فرض حالة الطوارئ، تحت ذريعة مكافحة الإرهاب، وذلك لاستخدامه في حال اضطر إردوغان لوقف العمل بقانون الطوارئ.

ومنح هذا القانون الجديد سلطات موسعة لحكام الأقاليم، لتمديد فترات الاحتجاز، وإقالة الموظفين الحكوميين، إذا كانت لهم صلات أو اتصالات بالمنظمات التي تعدها الحكومة إرهابية، أو التي تمثل تهديدات أخرى للأمن القومي. 

مذبحة القضاة
ساعد جول وقوانينه المجحفة سلطانه المستبد، في تنفيذ مجزرة ضد القضاة، عقب مسرحية الانقلاب، وذلك بعزل أكثر من 4 آلاف قاضٍ وممثل للادعاء، لمجرد الاشتباه في صلتهم بجولن، ومنذ ذلك اليوم أصبح كل قاضٍ يصدر حكما يخالف هوى الرئيس وعصابته، متهما بالتعاون مع جماعة الخدمة.

صحيفة "ديكان" ذكرت أن هيئة القضاة، ومدعي العموم،  التي يرأسها جول، قررت معاقبة القاضي أيدن باشار، بتغيير موقعه، وذلك بعد تبرئته شخصًا يُحاكم بتهمة إهانة الرئيس.

وأكدت أن العقوبة المشار إليها، هي ثاني أقصى عقوبة في قانون هيئة القضاة، ومدعي العموم، بعد عقوبة المنع من مزاولة المهنة.

وكان القاضي باشار، قد قضى بتبرئة متهم يدعى "ج.ب" قام بإعادة نشر تغريدة، تتضمن قصيدة شعرية بحق إردوغان، وهي ليست من تأليفه، على أحد حساباته بمواقع التواصل الاجتماعي، الأمر الذي دفع محامي إردوغان للتقدم بشكوى ضد باشار، إلى هيئة القضاة ومدعي العموم.

ونص القرار على أن يشغل باشار، وهو قاضٍ من الدرجة الأولى، منصبا في أرضروم، بالدرجة الثانية، وحرمانه من حق الاستئناف والانتخاب لعضوية المحكمة العليا.

يبو بوروما عضو منظمة "قضاة من أجل القضاة" وصف في مقال له حول سجن القضاة في تركيا، محاكمة القاضي محمد تانك، نائب الرئيس السابق للجمعية الدولية للقضاة، بالمهزلة.
حيث كان من المفترض أن تنتهي جلسة محاكمته بقرار يتمثل في وضعه تحت المراقبة، لكن الحضور شعروا بالصدمة عندما أدركوا أن القضاة قرروا خلال فترة الراحة التي لا تتجاوز 10 دقائق، إصدار حكم بسجن تانك 8 سنوات و10 شهور.

كما تطرق لواقعة أخرى تخص القاضي التركي مراد أرسلان رئيس الجمعية المستقلة للقضاة والمدعين العامين Yarsav، والذي أدين يناير الماضي في اتهامات تتعلق بعضويته في منظمة إرهابية مسلحة (حركة جولن)، وصدر ضده حكم بالسجن 10 سنوات.

وسلط بورما الضوء أيضا على القاضية نسليهان إيكينجي، وهي أول امرأة بالمجلس التركي للقضاء، ووضعها المزري داخل سجنها الانفرادي الممتد في الفترة من 18 يوليو 2016 إلى مايو 2018، حيث تعاني الآن من صدمة شديدة على حد تعبيره.
ويؤكد بورما أن عدد القضاة الأتراك في غياهب السجون يتراوح بين 800 إلى 1200 معظمهم يعيش أوضاعا مروعة.

محاكمة هزلية
كشفت أزمة القس الأمريكي أندرو برانسون، عن مدى خضوع النظام القضائي لأهواء إردوغان، فقد اتهمت السلطات التركية برانسون بالإرهاب، واعتقلته قرابة العامين، وبعد التوافق التركي الأمريكي حول قضية القس، جرى تغيير أقوال الشهود في القضية، بشكل مفاجئ، ليصدر قرار بتبرئته في محاكمة هزلية، أعدت سلفا، طمعا في إتمام صفقة سياسية مع واشنطن، لاستعادة فتح الله جولن.


وبسبب أصرار قاضي قضاء إردوغان على استمرار اعتقال القس الأمريكي، بتهم تتعلق بدعمه لجماعات إرهابية، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على أنقرة، شملت وزير العدل والداخلية التركي سليمان صويلو، وتجميد أصول أموالهما في واشنطن.

حملات الفصل التعسفي لآلاف القضاة، كانت نتاجا لقوانين جول التعسفية، لتمكين إردوغان من السيطرة على المجلس الأعلى للقضاء، وظهرت عندما خفض عدد أعضائه من 22 إلى 13، حتى يتمكن، وفق الاستفتاء الدستوري الأخير، من تعيين 6  في حين يعين البرلمان السبعة الآخرين.

عداؤه للأكراد
لم تقتصر جهود جول على ملاحقة المعارضين لإردوغان من أتباع جولن فقط، بل شملت أيضا المعارضين من الأكراد، في الداخل والخارج.
وفي تصريحات اعتبرت تدخلا في القضاء التشيكي، وصف جول  قرار إحدى محاكمها بإطلاق سراح القيادي السوري الكردي صالح مسلم، وهو الرئيس المشارك لحزب الاتحاد الديمقراطي السوري، بأنه غير مقبول، حيث اعتبرت أنقرة القرار داعما للإرهاب، وفقا لموقع الإذاعة الألمانية دويتشه فيله.


ولم يحاول جول إخفاء عدائه للأكراد، على الأقل بصفته وزيرا للعدل، وراح يكيل لهم الاتهامات، لإخافة الشعب من اختيار أي من مرشحي المعارضة، حيث صرح، الاثنين الماضي، أنه في حال فاز مرشح الحزب الجمهوري لرئاسة بلدية إسطنبول، منصور يافاش، فإن الأكراد هم من سيحكمون أنقرة، حسبما نقلت صحيفة "تقويم" التركية.

وفي حديثه لوكالة الأناضول قال جول: " إن المرشحين الذين يدعمون الإرهاب، والمختبئين في قوائم أحزاب الشعب الجمهوري والخير والسعادة، حتى لو تم انتخابهم ودخلوا مجالس البلديات، سوف يمنعون بموجب أحكام قضائية، من ممارسة العمل العام، وستعين الحكومة وصيا على البلدية.. يجب أن يأخذ المواطن هذا في اعتباره".
 
المكافأة
دأبت حكومة إردوغان على تعيين العديد من أقارب قيادات حزب العدالة والتنمية، في مناصب مهمة بأجهزة الدولة، كمكافأة على ولائهم للرئيس وللحزب الحاكم.
وحصل عبد الحميد جول على مكافأته مباشرة عقب تفصيله للتعديلات الدستورية التي نصبت إردوغان إمبراطورا على تركيا ، حيث أصدرت الشؤون الإدارية بالرئاسة التركية، العام الماضي، قرارا بتعيين إلكنور جول، زوجة وزير العدل، بديوان رئاسة الجمهورية، على الرغم من أنها قضت السنوات الخمس الأخيرة في إجازة من العمل.
إلكنور عملت في البداية موظفة ببلدية أنقرة، ثم حصلت على إجازة من العمل لعدة مرات، لأسباب مختلفة، بلغت مدتها 5 سنوات، ولا تتمتع بأية مؤهلات لتعيينها في مؤسسة حساسة، مثل الرئاسة التركية.

Qatalah